ضغوط الحوثيين تدفع الرياض لإعادة التموضع.. وإسرائيل تلوح في المشهد

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

أربك تعثر السعودية في اليمن حساباتها الإقليمية، وكشف حدود شراكتها مع تركيا وباكستان، ومع اجتماع عُقد في أبو ظبي، بدا أن الرياض “قد تعيد النظر في وجهتها، متطلعة من جديد نحو الإمارات وإسرائيل”.

هذا ما يراه العقيد الاحتياط في جيش الاحتلال الإسرائيلي، عيران ليرمان، الذي رأى في مقال نشره "معهد القدس للإستراتيجية والأمن" أن اجتماع عدد من دول المنطقة في أبو ظبي يوم 27 سبتمبر/أيلول 2026 يحمل دلالة إستراتيجية.

وأوضح أن هذه الدول كانت تُعرف سابقا باسم "معسكر الاستقرار"، وتجمعها معارضة تيارات الإسلام السياسي بمختلف أشكالها، منوها إلى أن الاجتماع ضم الولايات المتحدة، وتزامن مع زيارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لأبو ظبي.

وليرمان مسؤول خدم أكثر من 20 عاما في شعبة الاستخبارات العسكرية بالجيش الإسرائيلي، وشغل منصب نائب مدير السياسة الخارجية والشؤون الدولية في مجلس الأمن القومي بمكتب رئيس الوزراء.

حدود التحالف

ورأى ليرمان أنه حتى وقت قريب، بدت تركيا ناجحة إلى جانب قطر وباكستان في تفكيك هذا المعسكر، وجذب السعودية، وإلى حد ما مصر، إلى فلكها.

وأضاف أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المتردد في مساعدة السعودية على قتال الحوثيين، بارك "تحالف مكة".

واستدرك: “لكن مكاسب الحوثيين في جولة القتال الراهنة، لا سيما سيطرتهم المبدئية على مضيق باب المندب، غيّرت الحسابات، للسعوديين أولا ولمصر ودول أخرى”.

وأوضح ليرمان أن الرياض اكتشفت أن تركيا وباكستان لم تقدما سوى مساعدة ضئيلة ورمزية في الأساس للدفاع عنها في مواجهة تهديد كبير، وأدركت كذلك الكلفة الباهظة لخلافها مع الإمارات، الذي قسّم القوى المقاتلة للحوثيين في اليمن.

ولفت إلى أن الخلاف امتد إلى العلاقة الشخصية بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، الذي كان صديقا لولي العهد السعودي ومرشدا له في الشؤون السياسية.

ورأى أن الرياض ربما أدركت أيضا قدرة إسرائيل على مساعدتها في مجالات حساسة، على غرار ما قدمته للإمارات منذ بدء الحملة على إيران.

وبيّن أنه من المبكر وصف اجتماع واحد بأنه نقطة تحول، ومع ذلك، فإن “هوية المشاركين، ومنهم صدام حفتر، نجل الجنرال الانقلابي في ليبيا، تعطي مؤشرا إلى أن النفوذ الإقليمي المتنامي لتركيا كُبح إلى حد ما”، وفق ادعائه.

واستدرك بأن إصرار السعودية على منع الطائرات الإسرائيلية من الهبوط في المملكة، ونفيها المشاركة في الاجتماع، يكشفان عن استمرار عقبات تحول دون إعلان هذا التقارب.

وعن الموقف الأميركي، قال ليرمان: إن ترامب قد يكون مولعا بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لكن المؤسسة العسكرية الأميركية، لا سيما القيادة المركزية، لا تزال متمسكة بشراكتها التاريخية مع الأطراف التي تسهم في استقرار المنطقة، وفي مقدمتها إسرائيل.

وأضاف أن “اتباع إسرائيل دبلوماسية حصيفة في المرحلة الراهنة قد يفتح مجددا فرصا سياسية بدت حتى وقت قريب مغلقة”.

مكاسب الحوثيين

ورأى ليرمان أن مفتاح فهم التحولات الأخيرة في سلوك القيادة السعودية ومواقفها يكمن في المكاسب الميدانية الكبيرة التي حققها الحوثيون، بعدما اختارت الرياض استئناف العمليات البرية.

وجاء ذلك بعدما بدا أن السعودية تتجه إلى بناء اصطفاف إستراتيجي يقوم على الشراكة مع تركيا وباكستان ضمن ما يُعرف بـ"تحالف مكة".

وأوضح أن الحوثيين سيطروا على مساحات إضافية من الساحل اليمني، وأحكموا سيطرتهم الفعلية على مضيق باب المندب، بل أعلنوا منع السفن السعودية من عبور البحر الأحمر، في المقابل، أبلغوا واشنطن أنهم لن يستهدفوا السفن الأميركية، ولا حتى الإسرائيلية.

وأشار ليرمان إلى أن الولايات المتحدة بعثت برسالة واضحة مفادها أنها لا تعتزم مساعدة السعودية على الخروج من مأزقها، إذ تواصل التركيز على إبقاء جميع الخيارات مفتوحة بشأن إيران، ما زاد من حدة المأزق الذي يواجهه محمد بن سلمان.

وأضاف أن "تركيا وباكستان كان يُفترض بهما، من الناحية النظرية، دعم الرياض بعدما انكشف ضعفها العسكري مجددا، رغم ما راكمته على مدى سنوات من عتاد عسكري متطور وكبير الحجم، لكنهما، عمليا، لم تقدما سوى مساهمات رمزية في معظمها، مع تفاقم الأزمة".

وخلص ليرمان إلى أن الاجتماع في الإمارات يكشف عن ثلاثة استنتاجات توصل إليها القادة السعوديون.

أولها أن "تحالف مكة" افتقر إلى حد كبير إلى مضمون حقيقي، إذ لم يتجاوز التصريحات ونشر أعداد رمزية من القوات.

أما الاستنتاج الثاني، فهو أن السعودية دفعت ثمنا باهظا لخلافها مع الإمارات خلال السنوات الأخيرة، إذ أدى دعم البلدين لقوى متنافسة في اليمن إلى استنزاف هذه القوى بعضها بعضا، بدلا من توحيد جهودها في مواجهة الحوثيين.

ويتمثل الاستنتاج الثالث في أن إسرائيل، رغم إصرار السعودية على ربط التطبيع معها بإحراز تقدم نحو إقامة دولة فلسطينية، تستطيع تقديم الكثير للمملكة في مواجهة التهديدات التي تواجهها. 

واستشهد ليرمان في هذا الصدد بمساعدة إسرائيل للإمارات، بما في ذلك نشر منظومات للدفاع الصاروخي.

حسابات الأطراف

ولفت ليرمان إلى أن “مشاركة مصر في الاجتماع تعكس حرصها على الحفاظ على علاقاتها الوثيقة بأبو ظبي التي استثمرت عشرات المليارات من الدولارات في مصر، رغم تقارب القاهرة مع أنقرة في السنوات الأخيرة، بما في ذلك في المجال العسكري”.

وأضاف أن “مصر تواصل أيضا تعزيز علاقاتها مع اليونان وقبرص، مع مراعاة الحساسيات المرتبطة بمعاهدة السلام مع إسرائيل، فضلا عن استمرار العداء العميق لدى النظام المصري لجماعة الإخوان المسلمين والدول الداعمة لها”.

وأوضح أن "مشاركة صدام حفتر تحمل أهمية إستراتيجية أيضا، فهو نجل خليفة حفتر الذي كان حتى وقت قريب عدوا لدودا لتركيا، التي تدخلت عسكريا ضده عام 2019".

وتابع أن "أنقرة فتحت أخيرا قنوات للحوار مع حفتر، في محاولة لجذب مصر إلى دائرة نفوذ تركي جديد، لكنه رأى أن حفتر يظل خصما لطموحات تركيا في شرق المتوسط".

وأشار ليرمان إلى أن مشاركة الأردن تكتسب أهمية بالنسبة لإسرائيل، إذ كشفت الهجمات الأخيرة على قواعد أميركية في الأردن عن خطورة التهديد الإيراني، وعززت الحاجة إلى تعاون أمني أوثق بين عمّان والقدس.

ونوّه بأهمية مشاركة المغرب في اجتماع أبو ظبي أيضا، مشيرا إلى أن علاقاته الأمنية بإسرائيل أصبحت أوثق من أي وقت مضى. 

وأضاف أن "تعيين فاطمة الزهراء المنصوري، أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب يبعث، بحسب رأيه، برسالة واضحة برفض أجندة الإسلام السياسي".

وأفاد ليرمان بأن المؤسسة العسكرية الأميركية، لا سيما القيادة المركزية، ترتبط بعلاقات عميقة وراسخة بدول "معسكر الاستقرار"، رغم ما أبداه ترامب من تعاطف يثير القلق مع "تحالف مكة".

وتشمل هذه العلاقات إسرائيل التي أُدرجت منذ عام 2021 ضمن منطقة المسؤولية الجغرافية للقيادة المركزية الأميركية.

دور إسرائيل

ورأى ليرمان أن زيارة نتنياهو للإمارات في هذا التوقيت، بالتزامن مع الاجتماع، قد تمهد للعودة إلى شراكة إقليمية أعمق، لا سيما في ظل أزمة الحوثيين واحتمال تجدد التصعيد مع إيران، التي يتطلب نشاطها النووي مراقبة مستمرة، بينما تبقي واشنطن جميع خياراتها مفتوحة.

وأوضح أن هناك أساسا متينا للتعاون في مجالات عسكرية وأمنية واستخباراتية متعددة.

وأضاف أن الاستياء من تكليف مساعد طيار عماني بقيادة رحلة تابعة لشركة "فلاي دبي" إلى إسرائيل أمر مبرر، لكنه ينبغي ألا يحجب أهمية العلاقة الأوسع مع الإمارات.

واستدرك بأن “اجتماعا واحدا لا يكفي للدلالة على تحول شامل، لا سيما أن الجانب العربي لم يعلن عنه رسميا”. 

ومع ذلك، رأى أنه "قد يفتح طريقا للمضي قدما إذا أحسنت إسرائيل استغلال الفرصة، وتعاملت بحذر وحكمة مع القضايا الحساسة لدى العالم العربي".

وختم ليرمان بأن مواجهة إيران والسعي إلى تقويض النظام في طهران سيظلان في صدارة الأولويات، نظرا إلى ما يترتب على ذلك من تداعيات بعيدة المدى.