صحيفة تركية: أزمة الصناديق الاستثمارية تحولت إلى اختبار للعدالة والتنمية الحاكم

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تكشف فضيحة الاحتيال المرتبطة بالصناديق الاستثمارية في تركيا عن اختبار مهم لطبيعة العلاقة بين الأحزاب السياسية وقواعدها الشعبية، لا سيما داخل تحالف الجمهور الذي يضم حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية.

وفي هذا السياق، نشرت صحيفة "الحرية" التركية مقالاً للكاتب نديم شِينر، أشار فيه إلى أن القضية لم تعد تقتصر على محاسبة المتورطين في الاستيلاء على الأموال وتحقيق أرباح غير مشروعة.

بل تجاوزت ذلك إلى مسألة أكثر حساسية تتعلق بمدى التزام الأحزاب بمبادئ النزاهة، وقدرتها على التعامل مع التجاوزات داخل صفوفها دون حماية المسؤولين عنها.

وفي ظل استمرار الاتهامات المتبادلة بين الحكومة والمعارضة، تتصاعد مطالب شعبية بضرورة كشف الحقيقة ومحاسبة جميع المتورطين، بصرف النظر عن مواقعهم السياسية أو انتماءاتهم الحزبية.

الخطاب والممارسة

بحسب الكاتب التركي، تتمثل القضية الأساسية في ضرورة الفصل بين الخلافات السياسية والمساءلة القانونية. 

فالدفاع عن شخصيات سياسية تواجه اتهامات بالفساد، قبل استكمال التحقيقات وتحديد المسؤوليات، قد يحول مكافحة الفساد إلى مواجهة حزبية هدفها حماية الحلفاء وإدانة الخصوم. 

ومن هذا المنطلق فإن موقف قيادات حزب الشعب الجمهوري وأنصاره من أكرم إمام أوغلو، والدفاع عنه رغم الاتهامات الموجهة إليه يعكس تناقضاً بين الخطاب السياسي والمطالبة بالنزاهة. 

بينما في الجهة المقابلة، يُظهر موقف قواعد تحالف الجمهور التي تطالب بمحاسبة المتورطين في فضيحة الصناديق، حتى لو أفضت التحقيقات إلى مسؤولين ينتمون إلى الأحزاب الحاكمة، ضرورة تطبيق أحكام النزاهة. 

ولفت الكاتب النظر إلى أنّ مطالب القاعدة الشعبية تكتسب أهمية خاصة، لأنها تكشف أن الولاء الحزبي لا يلغي الرغبة في المساءلة. 

فوفقاً لاستطلاع أجرته شركة "أسال" للأبحاث، أيد 78.5% من المشاركين في تركيا محاسبة كل من ارتكب مخالفة في فضيحة الصناديق. 

وارتفعت النسبة بين ناخبي حزب العدالة والتنمية إلى 86.8%، فيما بلغت 82.5% بين ناخبي حزب الحركة القومية. 

كما أظهرت النتائج تأييداً واسعاً للمحاسبة لدى ناخبي أحزاب المعارضة، وإن تفاوتت النسب بينها.

تشير هذه الأرقام إلى أن المطالبة بمحاسبة المسؤولين تتجاوز الانقسامات الحزبية، وأن قطاعات واسعة من المجتمع لا تقبل أن تتحول الصناديق أو المؤسسات المالية إلى أدوات لِلاستغلال وتحقيق الأرباح غير المشروعة. 

كما تعكس النتائج إدراكاً متزايداً لأهمية الرقابة على الجهات التي تجمع الأموال وتديرها، ومحاسبة المسؤولين الذين يتغاضون عن المخالفات أو يفشلون في أداء واجباتهم الرقابية.

وعلق الكاتب بأنّ خصوصية موقف ناخبي حزب العدالة والتنمية تبرز في أن مطالبتهم بالمحاسبة تأتي من داخل قاعدة انتخابية ترتبط بالرئيس رجب طيب أردوغان بعلاقة سياسية وعاطفية قوية. 

فهذه القاعدة دعمت الحزب على مدى سنوات، وشكلت أحد أبرز عوامل استمراره في الحكم. 

إلا أن استمرار هذا الدعم لا يعني القبول بكل ما يصدر عن المسؤولين أو التغاضي عن الأخطاء، بل إن الثقة الشعبية قد تتحول إلى مصدر ضغط يدفع القيادة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة.

بين حماية الحزب والاستجابة للناخبين

لقد أظهر الرئيس أردوغان إدراكاً كبيراً لحساسية القضية، سواء من خلال انتقاداته السابقة لبعض الشخصيات داخل حزبه، أو تأكيده أن حماية المخطئين ليست من نهج حزب العدالة والتنمية. 

ففي 29 سبتمبر 2026، حذر من أن اتساع الحركة الحزبية قد يسمح بظهور أشخاص يقدمون مصالحهم الشخصية على المصلحة العامة، أو يستغلون مواقعهم لتحقيق أهداف خاصة. 

وقد حمل هذا الموقف رسالة إلى قيادات الحزب بضرورة عدم السماح للمصالح الفردية بالإضرار بسمعته أو تقويض ثقة أنصاره به.

وفي خطابه أمام الكتلة البرلمانية للحزب في 21 أكتوبر، شدد أردوغان على أن حزبه لا يحمي من يسيء إلى المواطنين أو يستولي على أموالهم، وأكد أهمية الإصغاء إلى القاعدة الشعبية التي تسأل وتنتقد وتطالب بتصحيح الأخطاء. 

بذلك فإنّ هذا الخطاب يعكس محاولة للجمع بين الحفاظ على تماسك الحزب والاستجابة لمطالب ناخبيه، في وقت يمكن أن تتحول فيه فضيحة مالية إلى أزمة ثقة، إذا شعر الجمهور بأن المحاسبة تقتصر على الخصوم السياسيين.

وتكمن حساسية موقف أردوغان في أن حزب العدالة والتنمية يستند إلى قاعدة انتخابية، ترى في مكافحة الفساد والنزاهة جزءاً من شرعية الحزب السياسية. 

لذلك، فإن أي تقاعس عن محاسبة المتورطين قد ينعكس سلباً على العلاقة بين القيادة وأنصارها، حتى إذا استمرت الروابط الأيديولوجية والشخصية التي تجمع الطرفين.

ومن هنا، فإن الاستجابة لمطالب القاعدة الشعبية لا تمثل مجرد خطوة لاحتواء الانتقادات الداخلية، بل ضرورة للحفاظ على المصداقية السياسية. 

فكلما كانت المحاسبة واضحة وشاملة، ازدادت قدرة القيادة على إثبات أن الولاء الحزبي لا يتقدم على حقوق المواطنين، وأن المسؤولية العامة تفرض التزامات لا يمكن تجاوزها.

اختبار ثقة

ويرى الكاتب أنّ تداعيات فضيحة الصناديق تتجاوز حدود القضية المالية، لتصل إلى مستقبل المنافسة السياسية في تركيا. 

فمحاولة استثمار الاتهامات في الصراع بين حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري قد تمنح الأطراف مكاسب إعلامية مؤقتة، لكنها لا تعالج أصل المشكلة. 

كما أن استخدام الفضيحة لتبرئة طرف وإدانة آخر دون الاحتكام إلى نتائج التحقيقات قد يؤدي إلى تعميق الاستقطاب، وإضعاف ثقة المواطنين بالمؤسسات.

في المقابل، يمكن أن تشكل القضية فرصة لإعادة تأكيد مبدأ المساءلة، بشرط ألا تتوقف الإجراءات عند التصريحات، أو تقتصر على الأشخاص الذين لا يحظون بالحماية السياسية. 

فالمطلوب هو تحديد المسؤوليات بدقة، ومراجعة آليات الرقابة على الصناديق، وضمان عدم تكرار التجاوزات، إلى جانب محاسبة كل من ثبت تورطه، سواء كان سياسياً أو إدارياً أو مالياً.

كما أن موقف قواعد حزب العدالة والتنمية والحركة القومية يوجه رسالة إلى القيادات مفادها أن الثقة الانتخابية ليست تفويضاً مفتوحاً، وأن الدعم السياسي لا يمنع النقد أو المطالبة بالإصلاح. 

وقد تكون هذه المطالب عامل قوة للحزب إذا استجاب لها بجدية، لكنها قد تتحول إلى مصدر ضعف إذا جرى تجاهلها أو التعامل معها بوصفها تهديداً لوحدة الصف.

وختم الكاتب مقاله بأنّ فضيحة الصناديق تكشف أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في انتصار حزب على آخر، بل في قدرة النظام السياسي على ضمان المحاسبة دون انتقائية. 

وتمنح تصريحات أردوغان ومطالب قاعدته الشعبية مؤشراً على إدراك أهمية هذا التحدي، لكنّ الحكم على الموقف سيظل مرتبطاً بما ستسفر عنه التحقيقات والإجراءات الفعلية. 

فالنزاهة لا تثبت بالمواقف والخطابات وحدها، وإنما بمدى تطبيق القانون على الجميع، واستعادة الأموال، ومنع الإفلات من العقاب. 

وهذا ما سيحدد ما إذا كانت القضية ستتحول إلى أزمة ثقة سياسية أم إلى فرصة لتعزيز المساءلة واستعادة ثقة المواطنين.