بين التصعيد العسكري وتعثر المفاوضات.. لماذا يستعصي وقف الحرب بين السعودية والحوثيين؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تشهد المواجهة بين السعودية والحوثيين في اليمن تصعيدا عسكريا متزايدا، وسط تباعد كبير في مواقف الطرفين بشأن شروط وقف إطلاق النار، ما يجعل التوصل إلى تسوية سياسية أكثر صعوبة.

وفي هذا السياق، تناول موقع "تينسنت" الصيني، أسباب استمرار المواجهات العسكرية بين الطرفين، والعقبات التي تحول دون التوصل إلى هدنة، في ظل سعي كل جانب إلى تعزيز موقفه التفاوضي من خلال العمليات العسكرية.

حلقة مفرغة

وبحسب ما نقلته وكالة أنباء شينخوا الصينية في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، تعرضت قاعدة عسكرية قرب مدينة عتق، عاصمة محافظة شبوة جنوب شرقي اليمن، لهجوم صاروخي في اليوم السابق.

وذكرت السلطات المحلية أن "الهجوم استهدف معسكرا لتدريب المجندين الجدد داخل القاعدة، وأسفر عن مقتل 53 شخصا وإصابة أكثر من 200 آخرين"، فيما أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن العملية.

وفي الوقت ذاته، أعلنت الجماعة في بيان أصدرته مساء 18 أكتوبر أن "السعودية شنت خلال الساعات الـ24 السابقة 110 غارات جوية وهجمات صاروخية على صنعاء والحديدة وتعز وصعدة ومناطق أخرى، ما أسفر عن سقوط أكثر من 30 قتيلا وجريحا، معظمهم من النساء والأطفال".

وفي ضوء هذا التصعيد، يرى الموقع أن "مطالب الطرفين باتت متباعدة بصورة كبيرة؛ إذ تشترط السعودية أن يلقي الحوثيون أسلحتهم أولا، بينما تطالب الجماعة برفع الحصار قبل اتخاذ أي خطوة أخرى".

وبحسب تحليله، "ينظر أحد الطرفين إلى وقف إطلاق النار بوصفه نقطة انطلاق للمفاوضات، في حين يراه الطرف الآخر نتيجة ينبغي أن تسفر عنها المفاوضات، ما أدى تدريجيا إلى تحول الخلاف بشأن شروط الهدنة إلى عامل إضافي لإطالة أمد التوتر".

ويرى التقرير أن "المكاسب التي يحققها الحوثيون في ساحة المعركة تمثل تقريبا ورقة الضغط الوحيدة التي تستطيع استخدامها على طاولة المفاوضات".

وتابع: "منذ يوليو/ تموز 2026، عزز الحوثيون سيطرتهم على ساحل البحر الأحمر والجانب الشرقي من مضيق باب المندب، وحشدوا قوات كبيرة لمحاصرة مدينة تعز، مستخدمين القصف المدفعي والطائرات المسيرة لتغطية عمليات التسلل البري".

وبحسب تقديره، فإن "هذه المكاسب الميدانية تعزز موقف الحوثيين في أي مفاوضات محتملة؛ إذ لا ينظرون إلى التفاوض باعتباره بديلا عن القتال، وإنما امتدادا له، في ظل اعتقادهم أنهم يمتلكون زمام المبادرة العسكرية".

من جانب آخر، أشار الموقع إلى أن "السعودية تواجه معضلة تتمثل في صعوبة المبادرة لإنهاء المواجهات العسكرية، خشية أن يُفسر ذلك على أنه تراجع أمام الحوثيين واضطرارها إلى تقديم تنازلات".

ولفت إلى أن "هذه التطورات تأتي في مرحلة تحتاج فيها السعودية بشدة إلى الحفاظ على الاستقرار وتعزيز الثقة في مستقبلها الاقتصادي، من أجل تنفيذ أهداف رؤية 2030".

ومن ثم، يعتقد أن "خيارات السعودية أصبحت تتركز على تنفيذ ضربات انتقامية، بهدف تخفيف الضغط العسكري عن القوات الحكومية اليمنية المحاصرة، والحفاظ في الوقت نفسه على مصداقية قدرتها على الردع".

وفي ضوء هذه المعطيات، قدر التقرير أن "المواجهات العسكرية بين الطرفين دخلت في حلقة مفرغة يعزز فيها كل تصعيد أسباب استمرار التصعيد التالي".

واستطرد: "ينتظر كل طرف أن يقدم الآخر التنازل الأول، غير أن استمرار الانتظار لا يؤدي إلا إلى تراكم مزيد من العداء والكراهية، ما يجعل الخروج من دوامة القتال أكثر صعوبة".

ثلاث عقبات

ويرى التقرير أن "التوصل إلى وقف إطلاق النار بين السعودية وجماعة الحوثي يواجه ثلاث عقبات رئيسة، تتعلق بشروط الهدنة والضمانات اللازمة لتنفيذها، فضلا عن الضغوط السياسية الداخلية التي يتعرض لها أطراف الصراع".

وأوضح أن "العقبة الأولى تتمثل في الخلاف بشأن الشروط المسبقة لوقف إطلاق النار؛ إذ يرى الحوثيون أن أي هدنة يجب أن تتزامن مع رفع الحصار والاعتراف السياسي بهم، وإلا فإنها لن تكون سوى استراحة مؤقتة تسبق جولة جديدة من المواجهات".

في المقابل، أشار إلى أن "السعودية تتمسك بوقف إطلاق النار أولا، ثم مناقشة الترتيبات السياسية، على أن تعالج مسألتي رفع الحصار والاعتراف بالحوثيين تدريجيا، خشية أن تستخدم الجماعة المواد التي سيسمح بدخولها بعد رفع الحصار لتعزيز قدراتها العسكرية".

وذكّر التقرير بأن "مفاوضات السلام التي استضافتها الكويت بين الطرفين عام 2016، واستمرت أربعة أشهر، تعثرت بسبب الخلاف ذاته، المتمثل في أولوية تسليم الأسلحة أم تقاسم السلطة".

أما العقبة الثانية، فتتعلق، وفق التقرير، بـ"غياب الضمانات اللازمة لتنفيذ أي اتفاق؛ إذ إن وقف إطلاق النار يحتاج إلى جهة تتولى مراقبة الالتزام به وضمان استمراره، بينما تفتقر الأطراف القادرة على أداء دور الوسيط حاليا إلى الإمكانات الضرورية للقيام بهذه المهمة".

وفي هذا الصدد، استعرض الموقع تجربة "اتفاق ستوكهولم الموقع عام 2018 الذي نجح بصعوبة في الحفاظ على وقف إطلاق النار في الحديدة، بينما ظلت التعهدات المتعلقة بتبادل الأسرى دون تنفيذ".

وبحسب تقديره، "لا تستطيع الأمم المتحدة تقديم ضمانات أمنية متكافئة للطرفين، كما تفتقر إلى القدرة على فرض تنفيذ الاتفاق بالقوة، في حين يواجه الوسطاء الإقليميون قيودا مختلفة تحد من فاعليتهم".

"في المقابل، تستطيع سلطنة عمان التواصل مع الطرفين والتوسط بينهما، لكنها لا تمتلك وسائل لإجبارهما على تنفيذ الاتفاق". وفق تحليله.

أما إيران، فيشير الموقع إلى أنها "تعد الداعم الخارجي الأبرز للحوثيين، لكنها تعلن في الوقت نفسه استعدادها للمساعدة في إطلاق الحوار بين الأطراف المتحاربة".

وعليه، يقدر أن "أي وقف لإطلاق النار سيظل مجرد اتفاق على الورق ما لم تتوافر آلية محايدة للتحقق من الالتزام به".

أما العقبة الثالثة، فأشار إلى أنها تتعلق بـ"الضغوط السياسية الداخلية التي تواجه أطراف الصراع".

وتابع موضحا: "سيجد ولي العهد السعودي صعوبة في تبرير وقف إطلاق النار أمام الداخل دون تحقيق مكاسب عسكرية، بعدما تعرضت مطارات المملكة لسلسلة من الهجمات".

وأضاف: "على الجانب الآخر، فإن توقف الحوثيين عن القتال دون رفع الحصار سيضعف خطابهم القائم على المقاومة، ويقوض الأساس الذي يستندون إليه في حشد أنصارهم".

وفيما يتعلق بالقوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية، أشار التقرير إلى أنها "تواجه وضعا عسكريا حرجا في تعز، حيث تقترب القوات المدافعة عن المدينة من أزمة خطيرة، بينما بات الأمن في عدن مهددا، ما يجعل قبول وقف إطلاق النار دون استعادة الأراضي المفقودة أمرا بالغ الصعوبة".

وبالتالي، يقدر أن "كل طرف يمتلك أسبابا تمنعه من التراجع، وهو ما يؤدي إلى تضاؤل المساحة المشتركة التي يمكن أن تقوم عليها تسوية تفاوضية مقبولة من جميع الأطراف".

خطوات ممكنة

رغم ذلك، يعتقد التقرير أن "غياب الظروف الملائمة للتوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار على المدى القصير لا يعني استحالة تحقيق تقدم؛ إذ لا تزال هناك خطوات يمكن اتخاذها للحد من التصعيد وتهيئة الأجواء للمفاوضات".

وفي هذا السياق، أشار إلى أن "تجربة التهدئة خلال السنوات الأربع الماضية، منذ عام 2022، أظهرت إمكانية فصل القضايا الإنسانية عن مسار التسوية السياسية الشاملة، بوصفها مدخلا عمليا لبناء الثقة بين الأطراف المتحاربة".

واستشهد بإجراءات سبق تنفيذها، شملت "استئناف الرحلات الجوية عبر مطار صنعاء، والسماح بمرور الشحنات عبر ميناء الحديدة، وتنفيذ عمليات واسعة لتبادل الأسرى".

وأضاف: "هذه الترتيبات لا تتطلب حسم الخلافات المتعلقة بالسيادة والاعتراف السياسي، لكنها تساعد على بناء الحد الأدنى من الثقة المتبادلة، وتوفر أساسا يمكن الاستناد إليه لضمان تنفيذ أي اتفاقات مستقبلية".

من زاوية أخرى، يرى الموقع أن "طبيعة تدخل القوى الخارجية تؤثر بصورة مباشرة في مسار مفاوضات السلام، لا سيما في ظل المواقف الأميركية المتقلبة تجاه المواجهة بين السعودية والحوثيين".

وبحسب تقدير التقرير، فإن "هذه المواقف المتباينة تشير إلى أن الولايات المتحدة ستكتفي على الأرجح، قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، بتوفير المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف العسكرية".

وفي موازاة ذلك، يعتقد الموقع أن "التكاليف الاقتصادية المتزايدة للحرب تفرض على السعودية إعادة تقييم خياراتها، خصوصا مع استمرار التهديدات التي تواجه حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب".

وعزا ذلك إلى أن “المضيق يستوعب في الظروف العادية نحو 12 بالمئة من حجم التجارة العالمية، ونحو 30 بالمئة من حركة نقل الحاويات، بينما بلغ متوسط كميات النفط الخام التي كانت تمر عبره قبل اندلاع الأزمة نحو 4.2 ملايين برميل يوميا”.

واستدرك: “إلا إن متوسط عدد السفن العابرة يوميا انخفض من 47.8 سفينة إلى 37.2 سفينة بعد إعلان الحوثيين فرض حصار بحري على السعودية في 20 يوليو/ تموز”.

وفي ضوء ذلك، حذَّر من أن "مضيق هرمز يواجه بالفعل اضطرابات تعرقل حركة الملاحة، ولذلك فإن السماح باستمرار التوترات في باب المندب لفترة طويلة سيضاعف الضغوط الاقتصادية على السعودية، إلى الحد الذي قد يصعب عليها تحمله".

في الوقت نفسه، لفت إلى أن "عامل الوقت لا يعمل بالضرورة لصالح الحوثيين، رغم الضغوط التي تواجهها السعودية؛ إذ إن استمرار المواجهات واتساع خطوط القتال يزيدان أعباء الإمداد العسكري والتحديات الإنسانية التي تتحملها الجماعة".

وبحسب تحليله، فإن "الهدف الحقيقي للجماعة لا يتمثل في خوض حرب استنزاف طويلة ومكلفة، وإنما تحويل المكاسب العسكرية التي حققتها إلى نتائج سياسية واقتصادية ملموسة، تشمل رفع الحصار والحصول على الدعم اللازم لإعادة الإعمار بعد الحرب، وانتزاع الاعتراف السياسي".