من الرعي إلى فرض السيادة.. أساليب استيطانية جديدة في الجليل

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

بعد عقود من استخدام المستوطنين الإسرائيليين أساليب مختلفة للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، تتجه محاولات مماثلة إلى أراضي فلسطينيي الداخل، عبر إقامة بؤر مؤقتة وتوظيف الرعي لفرض وقائع جديدة. 

جاء ذلك وفق تقرير لمجلة "زينيت" الألمانية تناول تحركات استيطانية في بلدة مجد الكروم بمنطقة الجليل شمال إسرائيل.

نمط استيطاني

ومطلع سبتمبر/ أيلول 2026، فوجئ سكان مجد الكروم بوجود خطوط مياه وكهرباء تمر عبر بساتين الزيتون التابعة لهم في منطقة "الروس"، وعندما تتبعوا مسارها اكتشفوا مخيما يضم خياما وخزانات مياه ومنشآت مؤقتة.

وبحسب تقرير المجلة، فإن مجموعة من المستوطنين الشباب القادمين من مستوطنة تقواع المقامة في الضفة الغربية شرعت في إقامة بنية تحتية مؤقتة بالمنطقة، وأبلغت ممثلي المجلس المحلي بأنها حصلت على تصريح من الصندوق القومي اليهودي "كاكال" لرعي الماشية، رغم عدم وجود ماشية في الموقع.

وأثار ذلك مخاوف السكان؛ إذ يشبه ما جرى أسلوبا استيطانيا مستخدما في الضفة الغربية، يبدأ بالحصول على تصاريح للرعي، ثم إقامة منشآت مؤقتة، قبل توسيع نطاق السيطرة الفعلية على الأراضي المحيطة.

واستشهد التقرير بتحقيق نشرته مجلة "+972" وموقع "لوكال كول" ومجلة "ذا نيشن" في مارس/ آذار 2026، أفاد بأن المستوطنين أقاموا 152 بؤرة استيطانية جديدة في الضفة بهذه الطريقة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وباتوا يسيطرون على نحو مليون دونم، أي قرابة 18 بالمئة من مساحة الضفة.

وفي مجد الكروم، احتج مئات السكان على إقامة البؤرة بين 11 و13 سبتمبر 2026، لكن الشرطة الإسرائيلية منعتهم من الوصول إلى مخيم المستوطنين، رغم وقوعه داخل الحدود الإدارية لبلدتهم ووجود أراض خاصة لفلسطينيين ضمن الموقع.

ويشير التقرير إلى فارق قانوني بين الضفة الغربية وإسرائيل؛ ففي الأولى، يخضع الفلسطينيون للقانون العسكري، ويمكن للجيش إعلان مناطق محيطة بالبؤر مناطق عسكرية مغلقة، بينما يسري القانون المدني على الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، وعددهم نحو 2.1 مليون شخص، ما يحد من قدرة الشرطة على منعهم من الوجود في أراضي بلداتهم.

كما نقل التقرير عن مركز "عدالة" القانوني قوله: إن الصندوق القومي اليهودي لا يملك الصلاحية القانونية لمنح حقوق الانتفاع بالأراضي أو تصاريح الرعي، بوصفه ليس الجهة العامة المختصة بذلك.

تمسك بالأراضي

أمام التحركات الاستيطانية، أصرّ سكان مجد الكروم على البقاء في أراضيهم، إذ افترش بعضهم الحصير وردد آخرون أغاني احتجاجية، فيما قضى ملاك أراض الليل في بساتين الزيتون التابعة لهم.

وفي 15 سبتمبر، تحرك المجلس المحلي بالتعاون مع مركز "عدالة"، مطالبا السلطات بوقف أعمال البناء واستخدام الأراضي وإزالة المنشآت وإبعاد المسؤولين عن الموقع، استنادا إلى انتهاك حقوق الملكية وعرقلة التنمية المستقبلية للبلدة.

وأعلن الصندوق القومي اليهودي في اليوم نفسه إخلاء البؤرة، وبحلول مساء 16 سبتمبر أزيلت الخيام والمنشآت المؤقتة. 

لكنه أشار إلى عزمه إقامة نقطة رعي أصغر بعد عطلة يوم الغفران اليهودي، شريطة وجود ماشية في الموقع.

وبعد أيام، ظهرت خطة لإقامة نقطة أخرى على مسافة مئات الأمتار، على أن يتولى إدارتها حراس محليون تابعون لمنظمة "هاشومير هحداش"، بدلا من مستوطنين قادمين من الضفة الغربية.

يربط التقرير هذه التحركات بخطط إسرائيلية أوسع لتوسيع الوجود اليهودي في الجليل والنقب. 

ففي 27 أغسطس/ آب 2026، أعلن وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش خطة لحزبه، الصهيونية الدينية، تحت شعار "نعم، نحن نهوّد!"، تتضمن إقامة 40 مستوطنة جديدة وعشرات المزارع، بهدف توطين مليون يهودي إضافي في المنطقتين.

وبحسب المجلة، يستهدف المشروع تعزيز الوجود اليهودي شمال إسرائيل وجنوبها، على غرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، التي يسميها اليمين الإسرائيلي "يهودا والسامرة".

فرض واقع

وتعود جذور سياسة تهويد الجليل إلى سبعينيات القرن العشرين، حين أعلنت الحكومة الإسرائيلية عام 1975 مصادرة مساحات واسعة من الأراضي في المنطقة. وتواصلت الإجراءات في السنوات اللاحقة، مع إقامة عشرات المستوطنات اليهودية الجديدة.

ويشير التقرير إلى أن الفلسطينيين الذين بقوا داخل إسرائيل بعد نكبة 1948 حافظوا على تجمعات سكانية كبيرة في الجليل والنقب، وهو ما جعل المنطقتين محور سياسات استهدفت توسيع الوجود اليهودي وتغيير التركيبة السكانية والتوزيع الجغرافي.

وفي 30 أغسطس/ آب 2026، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن حكومته تعمل على إنشاء مزارع في الجليل والنقب، في خطوة يرى التقرير أنها تعكس توجها لاستخدام تربية الماشية والرعي للسيطرة تدريجيا على مساحات واسعة من الأراضي، تمهيدا لإقامة مستوطنات عليها.

وفق تحليل المجلة، يقوم هذا الأسلوب على إنشاء وجود استيطاني قد يبدأ دون استكمال الإجراءات المطلوبة، ثم تحويله إلى أمر واقع تدعمه الدولة، قبل إضفاء الشرعية القانونية عليه لاحقا.

وترى أن نقل هذه الآلية من الضفة الغربية إلى داخل إسرائيل قد يتيح تجاوز مراحل التخطيط وتخصيص الأراضي والحصول على الموافقات؛ إذ تصبح السلطات أمام منشآت قائمة بالفعل، بدلا من مشروع لا يزال قيد الدراسة.

وحذّر التقرير من أن هذا التحول قد يؤثر في حقوق الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل، لا سيما قدرتهم على الوصول إلى أراضيهم وتطوير بلداتهم، فضلا عن انعكاساته على التنظيم الجغرافي للمناطق التي يعيشون فيها.

وفي مؤشر على استمرار التحركات، وضع أنصار حزب سموتريتش، ليلة 24 سبتمبر 2026، نحو ألف علم إسرائيلي على الطرق المحيطة بمجد الكروم، وقدموا الخطوة بوصفها تعبيرا عن السيادة الإسرائيلية وجزءا من مشروع نقل نموذج التوسع الاستيطاني من الضفة الغربية إلى الجليل والنقب.

وبذلك، يرى التقرير أن ما جرى في مجد الكروم يتجاوز محاولة إقامة بؤرة مؤقتة، ليطرح تساؤلات بشأن استخدام الرعي والمزارع أداة لتغيير واقع الأراضي في الجليل والنقب، ومدى انعكاس ذلك على حقوق الملكية والتوسع العمراني للفلسطينيين المواطنين في إسرائيل.