بعد وأد الربيع العربي.. مجلة أميركية: ما مصير الديمقراطية بالشرق الأوسط؟

الحكام المدعومون غربيا يسعون باستمرار إلى كبح المطالب الشعبية الداعية إلى التغيير الديمقراطي
تكشف استطلاعات رأي أُجريت على مدى عشرين عامًا في خمس دول شرق أوسطية عن واقع مغاير للمشهد السياسي السائد؛ ففي الوقت الذي كان فيه الحكم السلطوي المدعوم أميركيا وأوروبيا يزداد رسوخًا، كانت المجتمعات تتجه نحو مسار مختلف.
وأشار مقال نشرته مجلة “فورين أفيرز” الأميركية، بقلم منصور معدل، أستاذ علم الاجتماع في جامعة ميريلاند، إلى أن البدائل السياسية التي سادت الشرق الأوسط لم تعد قادرة على استقطاب ولاء الشعوب.
ولفت إلى أن التساؤل المطروح اليوم لم يعد يتمحور حول مدى استعداد المنطقة لتبني الديمقراطية.
وأوضح معدل أنه أشرف، خلال الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2020، على سلسلة من استطلاعات الرأي في الشرق الأوسط، استندت إلى مقابلات مباشرة مع عينات تمثيلية من السكان في خمس دول، بهدف فهم الدوافع وراء تبني المواطنين قيما معينة وتتبع التحولات التي طرأت عليها.
وأضاف أن المشاركين في الاستطلاعات في مصر وإيران والعراق والسعودية وتركيا أظهروا، بنسب متفاوتة، تناميًا في التوجه نحو القيم الليبرالية والرغبة في نظام حكم أكثر تمثيلًا للشعوب، في وقت كان فيه الحكام المدعومون غربيا يسعون إلى كبح المطالب الشعبية الداعية إلى التغيير الديمقراطي.
وبيّن أن اختيار هذه الدول الخمس استند إلى حجمها وثقلها السياسي، ما يجعلها نماذج مهمة لاختبار النظريات الاجتماعية.

تناقض صارخ
وبيّن الباحث أن البيانات تكشف تناقضا صارخا بين التطورات السياسية واتجاهات الرأي العام؛ فبينما أُجهض الربيع العربي في مهده، وأرهبت الحركات الجهادية المنطقة، كانت الجماهير تميل أكثر فأكثر إلى المطالبة بالمساءلة والمشاركة والانفتاح.
وأشار إلى أن القول بأن مجتمعات الشرق الأوسط تتجه نحو مزيد من التحرر قد يبدو مخالفا للبداهة، بعد عقود من الأنظمة القمعية والحركات المسلحة والهجمات التي خرجت من المنطقة إلى أوروبا وأميركا الشمالية.
واستدرك بأن هذا التقييم يخلط بين نتائج الهيمنة السلطوية وأسبابها؛ إذ كانت تحولات أخرى تجري تحت سطح هذا الترسخ، في تاريخ موازٍ لم تلتقطه القراءة السياسية السائدة.
وأوضح أن الاستطلاع تناول طيفا واسعا من القيم عبر 15 سؤالا، جُمعت إجاباتها في مؤشر تتراوح درجاته بين 1 و4 لكل مجتمع في كل جولة، بحيث تشير الدرجات الأعلى إلى تأييد أكبر.
ولفت "معدل" إلى أن القيم المتغيرة في إيران ترجمت نفسها عملا سياسيا، وأبرز تجلياتها حركة "امرأة، حياة، حرية" عام 2022، ثم الاحتجاجات التي عمت البلاد بين عامي 2025 و2026.
وذكر أن تقارير أفادت بمقتل عشرات الآلاف من المحتجين في تلك الموجة على يد قوات أمن الجمهورية الإسلامية.
وتابع أن معارضة مستمرة واجهت النظام الإيراني أكثر من ثلاثة عقود، بدءا من الحركة الإصلاحية في التسعينيات، مرورا بالحركة الخضراء عام 2009، وصولا إلى الاحتجاجات التي أعقبت وفاة مهسا أميني عام 2022.
وبيّن أن أهداف هذه المعارضة انتقلت بمرور الوقت من إصلاح النظام إلى تحدي سلطته، وأن الحركة الثورية في مطلع 2026 عبّرت عن تصميم متزايد على تحرير البلاد من الحكم السلطوي للجمهورية الإسلامية نفسها. وفق وصفه.
ونقل عن استطلاع أجرته مؤسسة "غامان" البحثية ومقرها هولندا عام 2022، وشمل نحو 20 ألف إيراني، أن 88 بالمئة منهم عبّروا عن مواقف مؤيدة للديمقراطية.
واستدرك بأن الظروف السلطوية قد تدفع الناس إلى إخفاء تفضيلاتهم الحقيقية في الاستطلاعات، غير أن حجم التحول عبر عشرين عاما يتجاوز ما يمكن رده إلى هذا العامل وحده.
وأوضح الباحث أن المؤشر العام في مصر ارتفع من 2.09 إلى 2.28 بين الرجال، ومن 2.08 إلى 2.39 بين النساء، وأن التغير الأبرز كان قفزة في تأييد نمط حكم قائم على المؤسسات التمثيلية.
وذكر أن نسبة من وافقوا بشدة أو وافقوا على أن تكون مصر أفضل حالا بحكومة تشبه حكومات الدول الغربية ارتفعت من 30 بالمئة عام 2007 إلى 37 بالمئة عام 2011، ثم 55 بالمئة عام 2016، و82 بالمئة عام 2020.
وبيّن أن هؤلاء عزوا تحولهم إلى الازدهار الاقتصادي في الدول الغربية، وأملوا أن يجلب تبني مؤسسات مماثلة ازدهارا شبيها لبلادهم، في ربط مباشر بين شكل الحكم ونتائجه المعيشية.
ولفت إلى أن الرأي العام التركي تحول هو الآخر تحولا كبيرا، فارتفع المؤشر بين عامي 2013 و2020 من 2.64 إلى 2.88 بين الرجال، ومن 2.70 إلى 2.91 بين النساء.

تغيير مرفوض
وأورد أن تعريف المستجيبين الأتراك لأنفسهم تحول نحو المواطنة، فارتفعت نسبة من عرّفوا أنفسهم مواطنين أتراكا في المقام الأول من 34 بالمئة عام 2001 إلى 63 بالمئة عام 2020.
وتابع أن غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003 أسهم في صعود القومية العراقية وإحساس أقوى بالهوية الوطنية، فارتفعت نسبة من عرّفوا أنفسهم عراقيين أولا من 23 بالمئة عام 2004 إلى 68 بالمئة عام 2020.
وعدّ الارتباط بمجتمع وطني مشترك، بدل الهوية الطائفية أو العرقية وحدها، مكونا مهما من مكونات المواطنة الحديثة وشرطا لأي بناء ديمقراطي.
وأوضح أن العنف الطائفي الذي أعقب الغزو جعل التعبئة على أساس الانتماءات الفرعية أقل جاذبية، فيما أيقظ الاحتلال الأجنبي وعيا بالأمة العراقية، وهو تزامن لا يرجح أن يكون مصادفة.
وأكد "معدل" أن الأفكار تقود التاريخ، وأنها فعلت ذلك بوضوح في الشرق الأوسط، فالتحولات في القيم سبقت دائما التحولات في التنظيم الاجتماعي والسياسي.
وأردف أن ظهور الحكومات القومية العربية في مصر والعراق وليبيا وسوريا بين عامي 1952 و1969 تأثر بشدة بالأيديولوجيا القومية العربية التي صاغها قبل عقود المفكر السوري ساطع الحصري والتربوي الفلسطيني درويش المقدادي.
ولاحظ أن النمط نفسه تكرر في موجات لاحقة، إذ سبق صعود كل مشروع سياسي بعقود تحولٌ فكري مهّد له، وهو ما يجعل قياس اتجاهات الرأي مؤشرا مبكرا على ما يأتي.
وبيّن أن انتشار هذه القيم بين عامة الناس لا يضمن انفتاحا سياسيا، غير أن البدائل التي هيمنت على المنطقة فقدت قدرتها على استدعاء الولاء الشعبي.
وأوضح أن لذلك تبعات مهمة في نظرة الخارج إلى المنطقة، فالديمقراطيات الغربية طالما تعاملت مع السياسة الشرق أوسطية بوصفها اختيارا بين حكم سلطوي مستقر وإسلام سياسي، وهي ثنائية لم تعد تمثل تفضيلات مواطني المنطقة.
واستدرك بأن هذا التحول لا ينبغي فهمه مجرد نتيجة لتأثير ثقافي غربي، فالوعي الموثق في بحثه نبع من تجارب إقليمية خالصة عاشتها الشعوب بنفسها.
وعدّد منها أن العنف الطائفي جعل المواطنة الوطنية أكثر جاذبية، وأن فشل المشاريع السياسية المتعاقبة في تقديم حكم خاضع للمساءلة دفع الناس إلى البحث عن بدائل.
وذكر أن هذه الأفكار استمرت واتسعت حتى حين تعثرت جهود بناء مؤسسات ديمقراطية، كما حدث بعد الربيع العربي، فلم يكن إخفاق المؤسسات نهاية للمطلب الشعبي.
وختم بأن تاريخ الديمقراطية أبعد ما يكون عن نهايته، رغم تراجع تأييدها في أجزاء من الغرب، فالمنطقة جرّبت القومية العربية والاشتراكية والملكية والحكم العسكري والإسلاميين، ولم يقدم أي منها مساءلة سياسية ولا حكما شرعيا ولا ازدهارا اقتصاديا.
وأضاف أن الفصل المقبل قد ينشأ في مجتمعات اختبرت فشل البدائل بنفسها، وأن السؤال المهم اليوم ليس هل الشرق الأوسط مهيأ للديمقراطية، إنما هل تستطيع مؤسساته السياسية مواكبة التأييد الشعبي المتنامي للحقوق والحريات.
واختتم بالتساؤل عما إذا كانت الديمقراطيات خارج المنطقة مستعدة للاعتراف بتطلعات شعوب الشرق الأوسط إلى الديمقراطية، وتقديم الدعم اللازم لتحقيقها.
















