"حزب الله اليهودي".. كيف يوفر الاحتلال الغطاء لعنف المستوطنين؟

يُقصد بتعبير "حزب الله اليهودي"، مجموعات المستوطنين المتطرفين الذين يهاجمون الفلسطينيين وممتلكاتهم ويسرقونها
يثير تصاعد اعتداءات المستوطنين وجرائمهم في الضفة الغربية المحتلة، ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم ومزارعهم، وامتدادها إلى صحفية أمريكية ووفد أوروبي خلال أكتوبر/تشرين الأول 2026، تساؤلات حول سر تقاعس جيش الاحتلال وسلطاته عن ردعهم، رغم تكرار هذه الاعتداءات.
وتتجاوز هذه التساؤلات هوية منفذي الهجمات من المستوطنين إلى الجهات التي توفر لهم الغطاء السياسي والدعم الفكري والمالي، بما يجعلهم، وفق ما تشير إليه تقارير، جزءًا من منظومة تتداخل فيها أدوار المستوطنين والجيش والشرطة الإسرائيلية، ويدعم بعضهم بعضًا في الاعتداءات على الفلسطينيين.
وما علاقة البرامج التوراتية التي تنفذها وتمولها منظمات صهيونية عالمية لتدريب جنود الاحتلال، وربطهم بأهداف "إسرائيل الكبرى"؟ وكيف يتعاون هؤلاء الجنود مع المستوطنين ويحمونهم بدلًا من اعتقالهم، في ظل تقاطع الأهداف بين الطرفين؟
ولِفَهم هذه الظاهرة، ينبغي التمييز بين أربعة مسارات متداخلة: المرجعيات الصهيونية التي تنتج المبررات الأيديولوجية، والمؤسسات التعليمية والاستيطانية التي تنشر هذه الأفكار، والجهات التي تمول المستوطنات والبؤر الاستيطانية، والغطاء السياسي والأمني الذي يسمح لبعض الجماعات بمواصلة نشاطها، ويدمج أفرادها داخل الجيش أو ينشر أفكارها في صفوفه على الأقل. وقد يفسّر ذلك، وفق تقارير، تغاضي جيش الاحتلال عن ممارسات بعض المستوطنين.

ما هو "حزب الله اليهودي"؟
حزب الله اليهودي" ليس اسمًا رسميًا لتنظيم إسرائيلي معروف، بل هو وصف سياسي وإعلامي يُستخدم للتحذير من جماعات المستوطنين اليهود المتطرفين الذين يمارسون العنف ضد الفلسطينيين، ويُقال: إنهم يتحدون أحيانًا سلطات الدولة والجيش الإسرائيلي، رغم تعاون الأخير معهم والتغاضي عن جرائمهم.
ويُقصد بهذا التعبير مجموعات المستوطنين المتطرفين الذين يهاجمون الفلسطينيين وممتلكاتهم ويسرقونها، بهدف تهجيرهم والاستيلاء على أراضيهم، مستندين إلى شبكات من الدعم السياسي والتوراتي، في وقت تتقاعس فيه سلطات الاحتلال، وفق هذه الانتقادات، عن ردعهم عمدًا.
وأطلق هذه التسمية شخصيات إسرائيلية، من صحفيين ومعلقين سياسيين، وليس العرب، لوصف مجموعات المستوطنين اليمينيين المتطرفين والفصائل القومية الصهيونية الراديكالية التي تعيث فسادًا في الضفة الغربية، بدعوى أنها تضر بصورة إسرائيل في الخارج وتشوه صورة اليهود.
ومن أبرز هذه المجموعات والجماعات ذات الأيديولوجيا اليهودية الدينية والقومية المتشددة ست مجموعات:
- "شبيبة التلال" (Hilltop Youth): مجموعات شبابية متطرفة تنشط في الضفة الغربية، وتنفذ اعتداءات على الفلسطينيين وتقيم بؤرًا استيطانية.
- "تدفيع الثمن" (Price Tag): شبكة متطرفة تنفذ هجمات انتقامية ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم، ويتذرع أفرادها بأنهم يردون على هجمات المقاومة الفلسطينية.
- "لاهافا" (Lehava): حركة يمينية متطرفة تعارض العلاقات والزيجات بين اليهود وغير اليهود، واتهمها الاتحاد الأوروبي بالتحريض على الكراهية والعنف.
- "نحالا" (Nahalah): حركة استيطانية تقودها دانييلا فايس، وتدفع باتجاه إقامة المستوطنات والبؤر الاستيطانية وتوسيعها.
- "أمانا" (Amana): منظمة استيطانية تعمل على إنشاء المستوطنات وتوسيعها، وتقدم دعمًا لوجستيًا وماليًا لمشروعات استيطانية.
- "هاشومير يوش" (Hashomer Yosh): منظمة تدعم المزارع والبؤر الاستيطانية في الضفة الغربية، وقد وثقت منظمة العفو الدولية ارتباطها بممارسات شملت الاعتداء على فلسطينيين وأراضيهم.
وقد صاغ الكاتب الإسرائيلي عاموس عوز، وفق ما يرد في بعض الروايات، مصطلح "حزب الله اليهودي" عام 1989، قبل أن يشاع استخدامه لاحقًا على يد معلقين، مثل توماس فريدمان، خلال فترة الانسحاب الإسرائيلي من غزة.
واستخدم الكاتب الإسرائيلي بن درور المصطلح في صحيفة "يديعوت أحرونوت" يوم 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، في سياق انتقاده اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين والدبلوماسيين والصحفيين الأجانب خلال موسم قطف الزيتون الفلسطيني، وربطه بين تطرفهم الديني والعنف الأيديولوجي.
وشبّه بن درور تنامي عنف المستوطنين بظهور كيان محلي مسلح يشبه "حزب الله" اللبناني، مطلقًا عليهم وصف "حزب الله اليهودي".
وحذّر الكاتب من أن الخطر لا يكمن في الاعتداءات وحدها، بل في البيئة التي تسمح باستمرارها، بدءًا من الخطابات الدينية التي تبرر الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، مرورًا بشخصيات سياسية متهمة بتشجيع المتطرفين، وصولًا إلى جهات يهودية خارجية تمولهم.
وقال: "هذه خلايا سرطانية، لا يمكننا الانتظار؛ لأنه إن لم نستأصلها من بيننا، فسوف تدمر المشروع الصهيوني".
بيانات رسمية
مع تزايد تمويل منظمات صهيونية عالمية لما يُسمى أنشطة "تثقيفية" داخل جيش الاحتلال، تستهدف الجنود والضباط، تبرز تساؤلات بشأن أهداف هذه البرامج ومدى تأثيرها في تشكيل أفكار المشاركين، لا سيما ما يتعلق بربط التثقيف العسكري بالروايات التوراتية، بما قد يعزز التقارب الفكري مع المستوطنين والتغاضي عن جرائمهم.
وفي هذا السياق، أرسلت منظمة "عاد كان" (Ad Kan) التي تعني بالعبرية "كفى"، استفسارًا إلى جيش الاحتلال بشأن عدد المنظمات الأجنبية التي تمول هذه البرامج.
وتُعد "عاد كان" منظمة إسرائيلية يمينية تأسست عام 2015، وتقول إنها تعمل على كشف أنشطة منظمات عربية وأجنبية تعتبرها معادية لإسرائيل. ويقودها ضابط سابق في الجيش، وتعلن أنها تتابع التمويل الأجنبي وتأثيره في السياسات العامة والإعلام الإسرائيلي.
واستجابة لطلب قُدم بموجب قانون حرية المعلومات، كشف جيش الاحتلال، وفق تقرير نشرته المنظمة في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن نحو 110 مؤسسات خارجية مولت برامج تدريب توراتية للضباط والجنود خلال الأعوام من 2021 إلى 2025، بهدف دمجهم فكريًا مع أفكار المستوطنين. بحسب ما أورده التقرير.
وكشف التقرير عن عدد من المنظمات التي تتلقى أموالًا من الخارج وتوجهها إلى البؤر الاستيطانية وأنشطة المستوطنين، ومن أبرزها:
1- أمانا (Amana): منظمة محورية في حركة الاستيطان، تتولى إنشاء مستوطنات وبؤر جديدة وتوفير التمويل والقروض والبنية التحتية لها، كما تُتهم بتمويل هجمات المستوطنين على الفلسطينيين.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إدراج المنظمة على قائمة العقوبات، مشيرة إلى علاقاتها بأفراد وبؤر سبق استهدافهم بالعقوبات، وإلى دورها في تمويل بؤر استيطانية وتطويرها.
2- هاشومير يوش (Hashomer Yosh): منظمة تستقطب متطوعين وتوفر دعمًا ماديًا وتنظيميًا لمزارع وبؤر استيطانية رعوية.
وفي مايو/أيار 2026، أدرج الاتحاد الأوروبي المنظمة على قائمة العقوبات، مشيرًا إلى أنها تدعم ما لا يقل عن 28 بؤرة أو مستوطنة عنيفة، وتستقطب متطوعين مسلحين وتوفر حراسًا ضالعين في هجمات، وفق ما ورد في قرار العقوبات.
3- أرتسينو (Artzenu) وشيفات تسيون (Shivat Zion): ورد اسما الجهتين ضمن إجراءات عقوبات أعلنتها بريطانيا ودول غربية أخرى في يونيو/حزيران 2026.
وذكرت صحيفة "الغارديان" البريطانية، في 9 يونيو/حزيران 2026، أن "أرتسينو" تجمع الأموال لشراء معدات عسكرية تكتيكية لمجموعات مستوطنين مسلحة، فيما تعمل "شيفات تسيون" ككيان ينتحل صفة قانونية، بما يتيح إجراء بعض العمليات المالية المرتبطة بـ"أرتسينو" من خلاله.
4- اتحاد المزارع (The Farms Union) وأحفات غلعاد (Ahavat Gilad): ورد اسما الجهتين أيضًا ضمن الكيانات المستهدفة بإجراءات العقوبات الغربية في عام 2026.
ووفق تقرير لمؤسسة "السلام الآن"، يوفر اتحاد المزارع دعمًا ماليًا وتنظيميًا لبؤر مرتبطة بالعنف والتهجير القسري، فيما تعمل "أحفات غلعاد" قناةً لتحويل التبرعات إلى بعض هذه البؤر.
من يصنع الفكر المتطرف؟
بحسب دراسات وتقديرات إسرائيلية وغربية، يتولى عدد من الجهات، بصورة أساسية، إنتاج الفكر المتطرف وتغذيته بين الشباب اليهودي المتطرف، وفي مقدمتها الحاخامات والتيارات الدينية القومية المتشددة، والمؤسسات التعليمية الكاهانية، وبرامج التثقيف العسكري الصهيوني.
وتمثل بعض تيارات الصهيونية الدينية المتشددة مرجعية فكرية لقطاعات من المستوطنين؛ إذ تربط السيطرة على الأرض الفلسطينية بمفاهيم دينية توراتية وقومية متطرفة، وتنكر حقوق الفلسطينيين في أراضيهم، وتبرر إقصاءهم وإبادتهم.
ويتبنى كثير من هؤلاء الفكر الكاهاني، الذي يُشار إليه أحيانًا باسم "التيار الخلاصي"، نسبة إلى أفكار الحاخام مئير كهانا، المرتبطة بالدعوة إلى طرد الفلسطينيين وترسيخ التفوق اليهودي.
ومن بين الشخصيات المرتبطة بهذا التيار الحاخام دوف ليئور الذي يعدّ الأراضي التي يملكها الفلسطينيون جزءًا من أرض إسرائيل، ويقدم تبريرات توراتية للاستيلاء عليها.
وتنقسم الصهيونية الدينية في تناول مسألة الخلاص، أو مجيء المسيح المخلص، إلى فريقين. يرى الأول أن "الخلاص بيد الرب وحده، ولا يمكن التأثير عليه بشريًا"، وأنه يمكن الاستدلال على قربه أو بعده من خلال مدى الالتزام بتعاليم الدين اليهودي.
أما الفريق الثاني، الذي يُطلق عليه وصف "الثوريين" أو "الإصلاحيين"، فيزعم أنه يريد تسريع الخلاص الإلهي أو استجلابه من خلال الفعل البشري، بدلًا من انتظار "إرادة الرب". ويُربط هذا التوجه بأوساط في التيار الصهيوني الديني الحالي، من بينها جماعات مرتبطة بإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وجماعات "التلال".
ويتبنى هذا التيار الخلاصي الحريدي الصهيوني، وفق ما يرد في الطروحات المتعلقة به، فكرة الاستيطان في المدن التي يقطنها الفلسطينيون بهدف الاحتكاك بهم ودفعهم إلى مغادرة أراضيهم، إلى جانب الدعوة إلى بناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى، من دون انتظار "قدوم المسيح المخلص" أو توبة اليهود.
ويتحرك متطرفون من اليهود الحريديم، يمثلهم أفراد في "الأنوية التوراتية" ومنظمات متشددة، بينها "لاهافا"، وفق مرجعية دينية يهودية متشددة ترتبط بحاخامات من تيار "الكاهانية".
وحين كشفت صحيفة "هآرتس"، في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بيانات للجيش الإسرائيلي تتحدث عن ارتفاع ملحوظ في استعانة المؤسسة العسكرية بمنظمات مرتبطة بالهوية الصهيونية والتراث الاستيطاني لتثقيف الجنود، سلطت الضوء على دور المؤسسات التعليمية الصهيونية في التثقيف العسكري، مقابل تراجع أنشطة تعليم الجنود الديمقراطية وحقوق الإنسان.

التربية العسكرية
كان أبرز ما كشفه التقرير الاستقصائي الذي نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية التحول الواضح في المؤسسات التي يستعين بها جيش الاحتلال لتثقيف جنوده وضباطه.
وتمثل هذا التحول في ارتفاع حاد في أنشطة المؤسسات المرتبطة باليمين الإسرائيلي والاستيطان والتراث اليهودي بين عامي 2021 و2025، مقابل تراجع الاستعانة بمؤسسات تُعنى بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
وسُجلت الزيادة الأكبر في أنشطة معهد "إسرائيل من الداخل" (يسرائيل مبفنيم)، العامل ضمن شركة السياحة والإرشاد "Israel-2GO"، التي يرأسها ناشط سابق في حزب "الصهيونية الدينية".
ونظمت المؤسسة أنشطة تثقيفية للجيش شملت تعزيز الصهيونية والهوية والتراث اليهودي والروح القتالية التوراتية، بمعدل 303 أنشطة عام 2024، و742 نشاطًا عام 2025.
ويقف خلف الشركة يوسف شبايزر الذي كان عضوًا في قائمة "يمينا" التي قادها نفتالي بينيت وأيليت شاكيد، قبل أن يخوض، في أغسطس/آب 2022، الانتخابات مع حزب "الصهيونية الدينية" برئاسة بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية والاستيطان الحالي.
وسجلت مؤسسات أخرى زيادات كبيرة في أنشطتها لنشر الفكر الصهيوني الديني داخل الجيش عبر الدورات التدريبية خلال الفترة نفسها. فقد ارتفعت أنشطة "مدراشت شومرون" من 19 نشاطًا عام 2021 إلى 278 نشاطًا عام 2025.
كما ارتفعت أنشطة مركز "كفار عتصيون" من 32 إلى 227 نشاطًا، وزادت أنشطة جمعية "درخي أفوت" من ثلاثة إلى 356 نشاطًا، وارتفعت أنشطة صندوق تراث حائط البراق من 42 إلى 413 نشاطًا، وفق صحيفة "هآرتس".
وارتفع عدد الأنشطة التي طلبها الجيش من مؤسسة "مدراشت شومرون"، العاملة في مستوطنة "شافي شومرون" والمتخصصة في الجولات المتعلقة بالتوراة والتاريخ وتراث الاستيطان، من 19 نشاطًا عام 2021 إلى 278 نشاطًا عام 2025، أي نحو 15 ضعفًا.
كذلك ارتفع عدد الأنشطة التي نظمها "بيت سيفر سديه كفار عتصيون"، وهو مركز للدراسات والجولات الميدانية، من 32 نشاطًا إلى 227 نشاطًا خلال الفترة نفسها.
وزادت أنشطة ما يسمى "صندوق تراث حائط المبكى" داخل الجيش من 42 إلى 413 نشاطًا، فيما ارتفعت الأنشطة التي طلبها الجيش من جمعية "مدينة داود"، المرتبطة باليمين الإسرائيلي والعاملة في مجالي الآثار والسياحة بالقدس، من 84 إلى 366 نشاطًا.
ويرأس المؤسسة عميت دري، المقرب من وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي. وتربط الرجلين علاقة صداقة وثيقة، وقد خلف دري شيكلي في إدارة المؤسسة بعد دخول الأخير الحياة السياسية.
وكان موقع "ذي ماركر" قد كشف عام 2023 عن تخصيص نحو 1.5 مليون شيكل من أموال وزارة شؤون الشتات لمؤسسة "مدراشت تابور"، عبر شركة "أصوات إسرائيل"، لتمويل مشروع دعائي يحمل اسم "ديبلوأكت".
في المقابل، تراجعت أنشطة بعض المؤسسات المعنية بالديمقراطية وحقوق الإنسان؛ إذ انخفضت أنشطة "مركز كرامة الإنسان" من 27 نشاطًا عام 2021 إلى نشاط واحد عام 2025.
ولم يسجل "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" أي نشاط عام 2025، بعدما سجل نشاطًا واحدًا عام 2021.

التمويل الداخلي
منذ تولي اثنين من أبرز الشخصيات المتشددة المرتبطة بهذه التيارات الصهيونية مناصب وزارية في الحكومة الإسرائيلية، هما بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية، وإيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي، زاد التمويل الداخلي الموجه إلى المجموعات الاستيطانية، بالتوازي مع اتساع التسامح مع أنشطتها ومحاولاتها التأثير في المؤسسة العسكرية. وفق ما تشير إليه تقارير.
وتوثق بيانات وتقارير صادرة عن منظمات إسرائيلية ودولية تقديم الحكومة الإسرائيلية تمويلًا مباشرًا لهذه المنظمات وللبؤر والمزارع الاستيطانية، بما يشمل تجهيزات أمنية وبنية تحتية تساعدها على الاستمرار والتوسع، ومنشآت مرتبطة بالمستوطنين.
ونشرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، في 19 يوليو/تموز 2026، وثيقة لوزارة الاستيطان تكشف أن حكومة تل أبيب خصصت 5.5 ملايين شيكل لتغطية نفقات الطعام والملابس والمصروفات الاقتصادية لشبان يقيمون في البؤر الاستيطانية، ضمن برنامج يشمل نحو 650 شابًا، على أن تُحول الأموال عبر المجالس الاستيطانية المحلية.
كما نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، في 15 يونيو/حزيران 2026، تقريرًا كشف أن حكومة الاحتلال تخصص 50 شيكلًا يوميًا لكل شاب من هؤلاء المستوطنين المتطرفين، بإجمالي يبلغ 5.5 ملايين شيكل حتى نهاية عام 2026.
ووردت هذه المخصصات ضمن برنامج أوسع قيل: إن تكلفته تبلغ 120 مليون شيكل، للتعامل مع أوضاع الشبان المقيمين في البؤر الاستيطانية.
وكشفت منظمة العفو الدولية، في تقرير نشرته خلال يونيو/حزيران 2026، عن وجود تمويل حكومي لجمعية "هاشومير يوش"، التي تجند متطوعين للعمل في البؤر الاستيطانية. مشيرة إلى أنها حصلت على تمويل حكومي لا يقل عن ثلاثة ملايين شيكل منذ عام 2023.
وفي 25 مارس/آذار 2026، كشفت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" عن تخصيص 50 مليون شيكل لشراء معدات أمنية وتجهيزات للبؤر الاستيطانية غير المرخصة، إلى جانب مخصصات أخرى للبنية التحتية.
ومرّ التمويل عبر وزارة الاستيطان وقسم الاستيطان في المنظمة الصهيونية العالمية، بالتنسيق مع جهات عسكرية ومجالس استيطانية.
ووفق منظمة "السلام الآن"، مولت الحكومة الإسرائيلية خلال عام 2023 نحو 68 مزرعة استيطانية بمبلغ 15 مليون شيكل، إضافة إلى 13 مليون شيكل لـ33 بؤرة أخرى.
كما خُصص نحو 75 مليون شيكل في موازنة عام 2024 لمكونات أمنية مرتبطة بالبؤر والمزارع الاستيطانية.
وشملت التجهيزات مركبات وطائرات مسيّرة وكاميرات ومولدات كهرباء وبوابات وأسوارًا وألواحًا شمسية، بما يوفر لهذه المواقع إمكانات مادية وأمنية تساعدها على البقاء.
وتشير المنظمة إلى أن بعض آليات التمويل تمر عبر دائرة الاستيطان التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية ومجالس المستوطنات، بما يدعم الوجود الاستيطاني على الأرض الفلسطينية، بالتزامن مع زيادة الاعتداءات على الفلسطينيين.

تمويل أميركي وبريطاني
لا يقتصر دعم المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة على الموازنات التي تخصصها الحكومة الإسرائيلية لتوسيع المستوطنات وتأمين البؤر الجديدة.
فخارج إسرائيل، تكشف تحقيقات صحفية ووثائق مالية وإجراءات حكومية عن شبكات من التبرعات الخاصة والجمعيات الخيرية ومنصات التمويل الجماعي التي تنقل الأموال إلى مستوطنات ومؤسسات مرتبطة بحركة الاستيطان.
وتبرز الولايات المتحدة وبريطانيا بوصفهما مصدرين مهمين للتبرعات الخارجية الموثقة، سواء من خلال جمعيات تستفيد من الإعفاءات الضريبية أو عبر حملات التمويل الإلكترونية.
وفي بعض الحالات، لا يقتصر الدعم على بناء مؤسسات داخل المستوطنات، بل يصل إلى تمويل فرق أمنية استيطانية أو جمع أموال لأفراد فرضت عليهم عقوبات بسبب أعمال عنف.
ومن المؤسسات التي تناولتها التحقيقات الصندوق المركزي لإسرائيل الذي يقدم الدعم لجهات مرتبطة بالمستوطنات، ومنظمة "هونينو"، التي تقدم مساعدات لعائلات مستوطنين يهود مدانين بجرائم عنف.
وهناك أيضًا “صندوق الخليل” الذي يمول مشروعات في التجمع الاستيطاني داخل مدينة الخليل عبر جهات أجنبية، واستخدمت أمواله في شراء عقارات وتحسين ظروف المعيشة داخل المستوطنات، إلى جانب تقديم مساعدات لعائلات مستوطنين مدانين بجرائم عنف.
وأشار تحقيق لصحيفة "الغارديان" البريطانية، في ديسمبر/كانون الأول 2023، إلى ما وصفه بـ"التمويل الجماعي بعد أكتوبر 2023"، الذي قدمته منظمات أجنبية، أميركية وبريطانية خصوصًا، للمستوطنين تحت ذريعة مواجهة عملية "طوفان الأقصى".
ورصدت الصحيفة منصة تُسمى "IsraelGives" جمعت أموالًا لمؤسسات إسرائيلية من متبرعين داخل إسرائيل وخارجها، واستضافت ما لا يقل عن 450 حملة تمويل نشطة، منها 204 حملات أُطلقت بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وطلبت تبرعات لشراء معدات تكتيكية أو توفير دعم لوجستي.
وشملت الجهات المستفيدة الجيش الإسرائيلي ووحدات عسكرية ومجموعات أمنية شبه عسكرية مرتبطة بتجمعات إسرائيلية، بينها مستوطنات في الضفة الغربية.
وقدرت الصحيفة قيمة التعهدات المالية الموجهة إلى الجيش والمجموعات شبه العسكرية والمستوطنين منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول بنحو 5.3 ملايين دولار، مشيرة إلى أن نسبة كبيرة من المتبرعين الذين أمكن تحديد مواقعهم كانوا يقيمون في الولايات المتحدة.
كما وثقت تقارير أميركية حملات لجمع التبرعات لمستوطنين فرضت عليهم السلطات الأميركية عقوبات أو اتُّهموا بارتكاب أعمال عنف ضد الفلسطينيين.
وأشار تقرير لوكالة "أسوشيتد برس" إلى أن منظمة غير ربحية في ولاية نيوجيرسي تحمل اسم "World of Tzedaka" استقبلت تبرعات أميركية باستخدام بطاقات الائتمان، مع إتاحة المطالبة بخصومات ضريبية عند استيفاء الشروط.
ولا يقتصر التمويل الخارجي على الولايات المتحدة؛ إذ كشفت صحيفة "الغارديان"، في يونيو/حزيران 2026، أن 32 جمعية خيرية في إنجلترا وويلز تبرعت بما لا يقل عن 28 مليون جنيه إسترليني لمستوطنات في الضفة الغربية، وفق بيانات جمعتها النائبة البريطانية ميلاني وارد.
وشملت الحالات الموثقة تمويل مدارس دينية ومؤسسات تعمل داخل المناطق الاستيطانية. كما أعلنت هيئة الجمعيات الخيرية البريطانية فتح تحقيق رسمي في أغسطس/آب 2026 بشأن تبرعات قدمتها بعض هذه الجمعيات، وهو ما لا يعني بحد ذاته ثبوت ارتكاب جميع الجهات مخالفات.

الغطاء السياسي
لا تقتصر المسألة على المال والفكر؛ إذ تشير تقارير صحفية إلى أن الضغوط السياسية والعلاقات المباشرة بين قادة المستوطنات ومسؤولي الجيش تؤثر في طريقة التعامل مع الاعتداءات في الضفة الغربية.
وكشفت تقارير صحفية عبرية، نقلًا عن مصادر في المنظومة الأمنية الإسرائيلية، أن ضغوطًا سياسية تمارسها قيادة المستوطنين تمنع قادة الجيش الميدانيين من التصدي بفاعلية لعنف المستوطنين أو ما تصفه التقارير بـ"الإرهاب اليهودي".
وأشارت المصادر إلى أن بعض القادة العسكريين باتوا يخشون القيادة السياسية، بما يؤثر مباشرة في تحديد أولوياتهم وتطبيق القانون في الضفة الغربية، وفق ما كتبه الصحفيان ينيف كوفوفيتش وليزا روزوفسكي في صحيفة "هآرتس"، يوم 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
وأكد الصحفيان أن قادة الجيش الإسرائيلي يأخذون التداعيات السياسية لقراراتهم في الحسبان قبل اتخاذ أي إجراء لحماية الفلسطينيين من المستوطنين، خشية تعرضهم لهجمات من وزراء وأعضاء كنيست من اليمين، أو تدخل وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في الترقيات.
وأشارا إلى أن رؤساء مجالس المستوطنات يحافظون على اتصال مباشر ومستمر مع قادة الألوية والفرق، وأحيانًا مع القيادة السياسية، وأن هذه العلاقات تجاوزت التنسيق الأمني لتصبح مركزًا للقوة يؤثر في أولويات الجيش وأنشطته.
وأوضح الصحفيان أن الوقائع تُظهر أن الحوادث المرتبطة بادعاءات المستوطنين تحظى باهتمام فوري وتحقيقات يجريها ضباط كبار، بينما لا تلقى حوادث العنف الخطيرة واليومية ضد الفلسطينيين الاستجابة نفسها، بسبب ضغوط قادة المستوطنين.
بل إن مسؤولين رفيعين، مثل رئيس الأركان وقائد المنطقة الوسطى، يزورون بؤرًا استيطانية غير قانونية، مثل مزرعة "معوز شاؤول". وترسل هذه الخطوات، وفق التقرير، رسائل ضمنية إلى قادة الألوية والفرق بالتساهل مع هذه البؤر والمستوطنين، وعدم إنفاذ القانون بحقهم.
ولبيان هذا التنسيق والتناغم بين جنود الاحتلال والمستوطنين، وبعضهم جنود سابقون أو في قوات الاحتياط، أشارت صحيفة "هآرتس"، في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إلى ما يمكن وصفه بـ"دويتو" يتشكل من الطرفين، ويتجلى في تعاونهما خلال الاعتداءات على الفلسطينيين.
وأوضحت الصحيفة أن جنود الاحتلال يحضرون كلما هاجم المستوطنون قرى فلسطينية، فيحمون المستوطنين من جهة، ويعتقلون الفلسطينيين من جهة أخرى، بذريعة رمي الحجارة والاشتباك معهم، رغم أن الواقعة قد تكون اعتداءً من المستوطنين.
وأشارت الصحيفة إلى حالات عدة، وإلى تسجيل الخط الساخن التابع لـ"صندوق المدافعين عن حقوق الإنسان" 272 مكالمة منذ بداية عام 2026، فضلًا عن 368 حادثة احتجاز غامضة لفلسطينيين على يد الجنود الإسرائيليين، في سياق تنسيق مع المستوطنين، حتى 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
وبموجب هذا التنسيق، اعتُقل 678 فلسطينيًا خلال عام 2026، بينهم 16 امرأة، معظمهم في مراعيهم وحقولهم وحتى داخل منازلهم، فيما احتُجز أشخاص واختفى آخرون لفترات طويلة، من دون أن يقدم الاحتلال معلومات عن أماكن وجودهم.
وبعد إطلاق سراحهم، روى كثيرون منهم أنهم تعرضوا للضرب على أيدي الجنود، بعدما اعتدى عليهم المستوطنون أيضًا، وسرقوا زيتونهم أو أحرقوا محاصيلهم ومنازلهم وسياراتهم.
وتتسم هذه الاعتقالات بنمط متكرر؛ إذ يظهر الجنود بعد دقائق من دخول المستوطنين إلى أراضي الفلسطينيين ومهاجمة السكان، لتوصف الواقعة لاحقًا بما يسميه جيش الاحتلال "الاحتكاك".
وعندها يعتقل الجنود الفلسطينيين المعتدى عليهم ويكبّلونهم ويعصبون أعينهم، مستندين إلى ادعاءات المستوطنين بأن الفلسطينيين هم من بدأوا الهجوم.
وقد أقرّ بهذا السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه مقصود ومرتب، إليشع ييرد، أحد أبرز نشطاء "شبيبة التلال"، التي تُعد جزءًا مما يُوصف بـ"حزب الله اليهودي"، وذلك خلال مشاركته في بودكاست قدمه تمير دورتال. وجاء ذلك عندما سُئل عن هدف هجماتهم بوصفها خطوة إستراتيجية لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم. وفق صحيفة "هآرتس".
وأقرّ الجيش الإسرائيلي، يوم 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تعديلًا على قانون التنظيم والبناء في الضفة الغربية المحتلة، يتيح ربط مبانٍ أُقيمت من دون تراخيص في البؤر الاستيطانية بشبكتي المياه والكهرباء، حتى قبل المصادقة على المخططات اللازمة لشرعنتها.
ووقّع قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي على التعديل في 23 سبتمبر/أيلول 2026. وتؤكد جمعية "بمكوم – تخطيط وحقوق إنسان" أن هذه الخطوة تشكل إجراءً إضافيًا لشرعنة البؤر الاستيطانية على أرض الواقع، وتعميق التمييز بين المستوطنين والفلسطينيين في الضفة الغربية.
المصادر
- Israel's homegrown Hezbollah: Jewish settler violence is destroying Zionism from within
- Israeli Defense Officials: Political Pressure Preventing IDF From Tackling Jewish Terrorism
- UK and allies impose sanctions on firms enabling West Bank settler violence
- المستوطنون يهاجمون والجنود يعتقلون: “تناوب على الإرهاب” لطرد الفلسطينيين من أراضيهم
- معطيات: اليمين والاستيطان يعززان حضورهما في التربية العسكرية الإسرائيلية
- Government document shows 650 youths living in illegal West Bank outposts
















