سيناريو غزة يتكرر بالضفة.. إجلاء قسري لعائلات الخليل وهدم ممنهج للمنازل

شدوى الصلاح | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في مشهد يعيد إلى الأذهان ذروة عمليات التنكيل الجماعي، دخلت الضفة الغربية نفقًا قاتمًا من التصعيد الميداني والسياسي، غداة عملية إطلاق نار استهدفت برجًا وحاجزًا عسكريًا غرب مدينة الخليل، وأدّت إلى مقتل جنديين وإصابة ثلاثة آخرين من قوات الاحتلال الإسرائيلي.

واستغلّ الاحتلال الإسرائيلي العملية لشن حملة انتقامية واسعة، فارضًا إغلاقًا شاملًا وطوقًا أمنيًا محكمًا على مناطق في الضفة الغربية المحتلة، بالتزامن مع تهجير قسري لمئات العائلات وهدم منازل ومنشآت تجارية.

كما شن حملة اقتحامات واسعة امتدت ليلًا إلى 15 بلدة ومدينة فلسطينية، وسط استغلال اليمين المتطرف للتصعيد ورقةً انتخابية، عبر الدعوة الصريحة إلى تفكيك السلطة الفلسطينية وتهجير السكان.

وفي صباح 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026، استشهد شابان فلسطينيان برصاص قوات الاحتلال، بعد تنفيذهما عملية إطلاق نار أدت إلى مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين في مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة.

وقبل إعلان جيش الاحتلال الإسرائيلي مقتل الجنديين، وصف الإسعاف الإسرائيلي حالة اثنين من المصابين بالحرجة، والثالثة بالمتوسطة.

وكان جيش الاحتلال قد تحدَّث في البداية عن تلقيه بلاغًا بوقوع عملية أسفرت عن إصابة شخصين. مشيرًا إلى أن قواته تطارد المنفذين، قبل أن يعلن لاحقًا تمكنه من قتلهما وفرض "طوق أمني" على عدد من القرى الفلسطينية في المنطقة.

وأشارت وسائل إعلام عبرية إلى أن تبادل إطلاق النار بين المنفذين وقوة من جيش الاحتلال استمر 20 دقيقة، فيما ذكرت وسائل إعلام فلسطينية أن العملية استهدفت حاجزًا عسكريًا إسرائيليًا في منطقة فرش الهوا، عند المدخل الشمالي لمدينة الخليل.

وفي حين أفادت وسائل إعلام عبرية بأن إطلاق النار استهدف مجموعة من المستوطنين في المنطقة، ذكرت وسائل أخرى، منها "والاه" وإذاعة جيش الاحتلال، أن إطلاق النار استهدف جنودًا.

وقالت القناة 15 الإسرائيلية: إن الفلسطينيين اللذين قتلا برصاص الجيش "يبلغان من العمر 27 عامًا، وينتميان إلى حركة حماس".

وأفادت تقارير بأن العملية نفذها فلسطينيان هما حمودة وأحمد الجعبة، من مدينة الخليل، وينتميان إلى عائلة مستهدفة تاريخيًا من قبل الاحتلال، ويرتبطان بصلة قرابة مباشرة بالقيادي المبعد في حركة حماس ماجد الجعبة.

ويتزامن هذا التصعيد مع ارتفاع قياسي في اعتداءات المستوطنين، بحماية جيش الاحتلال، على المزارعين الفلسطينيين؛ إذ سجل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" أكثر من 160 هجومًا خلال الأسبوعين الأولين من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، شملت إحراق الأشجار وسرقة المحاصيل وتهجير السكان.

إجراءات عقابية

وعلى إثر العملية، أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بفرض إغلاق "فوري" على مدينة الخليل، والاستعداد لفرض "إغلاق شامل" على جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة.

كما صادق رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير على فرض طوق أمني حول مدينة الخليل وقرى أخرى في المنطقة، وفق هيئة البث الإسرائيلية.

وزعم زامير العثور على "كمية كبيرة من الذخيرة" داخل المركبة التي وصل بها الفلسطينيان اللذان نفذا الهجوم. مضيفًا أن "التحرك السريع للجنود حال دون وقوع هجوم أكثر خطورة". وفق تعبيره.

وتنفيذًا لذلك، شدد جيش الاحتلال إجراءاته العسكرية عند مداخل محافظات الضفة الغربية المحتلة ومخارجها، وأغلق عددًا كبيرًا من الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية في جنوب الضفة ووسطها وشمالها، ما أعاق حركة الفلسطينيين وتنقلهم بين المدن والبلدات.

وأفادت مصادر محلية بأن القوات الإسرائيلية أغلقت مداخل وحواجز وبوابات في بلدات وقرى بمحافظة الخليل، جنوبي الضفة الغربية.

وأعلن جيش الاحتلال بدء عملية عسكرية واسعة في الضفة الغربية، بمشاركة جهاز الأمن العام "الشاباك" وحرس الحدود والإدارة المدنية، تتركز في المنطقة التي انطلق منها منفذا الهجوم. واقتحمت قواته الخليل بنحو 20 آلية عسكرية، وسط إغلاق مداخل المحافظة وتشديد القيود على حركة المواطنين.

وبدأت القوات عمليتها في الحي الذي انطلق منه منفذا عملية الخليل، مدعية أنها تستهدف ما تسميه "البنية التحتية الإرهابية"، ومصادرة الأسلحة ووسائل القتال.

وأوضح الجيش أن العملية تجري بمشاركة جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" وقوات من حرس الحدود.

وقال: إن قواته ستنفذ عمليات تمشيط ومداهمة وتفتيش واسعة في المنطقة، زاعمًا أن العملية تهدف إلى الكشف عن أسلحة وبنى عسكرية، في إطار مساعٍ لإعادة تشكيل الواقع الأمني فيها.

وأضاف أن قواته ستسمح لسكان المنطقة المستهدفة بالمغادرة عبر ثلاثة منافذ، بعد إخضاعهم للتفتيش والاستجواب الأمني، في إجراء يفرض قيودًا إضافية على حركة المواطنين خلال العملية العسكرية.

كما أجبرت قوات الاحتلال عشرات العائلات الفلسطينية على إخلاء منازلها في منطقتي الجلدة وعين دير بحة بمدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية المحتلة.

وأظهرت مقاطع فيديو نشرتها منصات فلسطينية عائلات تغادر منازلها ليلًا سيرًا على الأقدام في منطقة الجلدة، فيما حمل بعض أفرادها ما تيسر من أغراضهم، بعدما اقتحمت قوات الاحتلال المنطقة بعشرات الآليات، ترافقها جرافات عسكرية.

كما وثقت مقاطع أخرى توجيه جيش الاحتلال نداءات عبر مكبرات الصوت إلى سكان منطقة عين دير بحة، طالبهم فيها بجمع أغراضهم وإخلاء منازلهم.

وأفادت مصادر محلية بأن قوات الاحتلال أخلت عشرات المنازل في محيط منزلي منفذَي الهجوم، وحاصرت منزل أحدهما في حي الجلدة وشرعت في هدمه، كما أبلغت مئات العائلات في عين دير بحة ومحيطها بضرورة الإخلاء.

وتأتي هذه الإجراءات العقابية الصارمة قبل أيام قليلة من الانتخابات العامة الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وسط اتهامات من أطراف فلسطينية، بينها رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري، لليمين الإسرائيلي بتصعيد الأوضاع الميدانية والدموية لكسب أصوات المستوطنين وتثبيت نفوذه السياسي.

تحريض متطرف

وبعد ساعات من تنفيذ العملية، تباهى وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش بهدم مبانٍ فلسطينية في منطقة الخليل، جنوبي الضفة الغربية المحتلة، متوعدًا الفلسطينيين بدفع "أثمان باهظة للغاية" في حال التعرض لليهود.

ونشر سموتريتش تدوينة على منصة "إكس"، أرفقها بمقطع فيديو يظهر فيه مرتديًا سترة واقية، بينما تعمل آلية ثقيلة خلفه في موقع الهدم.

وقال سموتريتش: "نوجه رسالة لا لبس فيها إلى أعدائنا: إذا عبثتم مع اليهود، فستدفعون أثمانًا باهظة للغاية"، في إشارة إلى الفلسطينيين.

وادّعى أنه "في إطار خلق الردع وجباية ثمن الاعتداءات القاسية اليوم في منطقة الخليل، أصدرت تعليماتي بهدم صف من المباني غير القانونية، التي تُهدم بالفعل في هذه اللحظات".

وبذلك، ربط الوزير الإسرائيلي علنًا بين هدم المباني ومعاقبة الفلسطينيين على خلفية العملية، مقدمًا عمليات الهدم بوصفها وسيلة للردع وفرض الثمن.

ويعد سموتريتش من أبرز الداعين إلى ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل، ويتولى، إلى جانب وزارة المالية، صلاحيات واسعة تتعلق بالشؤون المدنية والاستيطان في الضفة الغربية.

وتأتي تهديدات سموتريتش قبل أيام من انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، التي أظهر استطلاع إسرائيلي للرأي أن معسكر نتنياهو قد يخسر ثلاثة مقاعد، ليتراجع إلى 48 مقعدًا، مقابل 54 مقعدًا لمعسكر المعارضة اليهودية.

وفي تصريحات للصحفيين من موقع العملية في الخليل، حرّض وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، زعيم حزب "القوة اليهودية"، على منع الفلسطينيين من التنقل عبر الطرق في الضفة الغربية المحتلة، زاعمًا أن حياة المستوطنين والجنود أهم من حرية حركتهم.

وقال بن غفير: "قبل نحو عامين أو عامين ونصف، عندما قلت إن حرية الحركة لسكان مناطق السلطة (الفلسطينية) أقل أهمية من حق اليهود في الحياة، هاجموني كثيرًا".

وأضاف: "يجب وقف حركتهم على المحاور، ويجب التوقف عن السماح لهم بالتحرك على طرقات في يهودا والسامرة (الضفة الغربية). حياة المستوطنين وحياة الجنود وحياة أفراد الشرطة أهم بمليون مرة من حرية الحركة".

وانتقد بن غفير، وهو مستوطن في الخليل، إزالة الجيش الإسرائيلي حواجز في محيط مستوطنة "كريات أربع" ومدينة الخليل، مقدرا أنها تتيح للفلسطينيين ممارسة حياة طبيعية.

وحث على التضييق على الفلسطينيين، قائلًا: "يجب عدم السماح بنسيج حياة طبيعي، ويجب عدم إعطائهم نسيج حياة طبيعيا. طالما أن هناك إرهابًا، فليعيشوا حياة غير طبيعية". وفق تعبيره.

وفي سياق متصل، جدد بن غفير دعوته إلى حل السلطة الفلسطينية، مشيرًا إلى أنه يكرر هذه الدعوة منذ نحو أربع سنوات خلال الاجتماعات الأمنية واجتماعات المجلس الوزاري المصغر "الكابينت".

رد طبيعي

وفي بيانات منفصلة، عدّت حركتا "حماس" و"الجهاد الإسلامي" والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عملية إطلاق النار في الخليل ردًا "طبيعيًا" على جرائم الاحتلال الإسرائيلي المتواصلة بحق الفلسطينيين.

وقالت حركة "حماس" في بيان: إن العملية تأتي في "إطار الرد الطبيعي والمشروع على الجرائم المتواصلة والاعتداءات الغاشمة بحق أهلنا وأرضنا ومقدساتنا في الضفة الغربية والقدس المحتلة، واستمرار العدوان على شعبنا في غزة".

ودعت الحركة الفلسطينيين في مختلف المدن والقرى والمخيمات إلى "الاستنفار الشامل" في مواجهة المستوطنين الذين قالت: إنهم "عاثوا فسادًا في أرض الضفة".

كما دعا أبو عبيدة، المتحدث باسم "كتائب القسام"، الجناح المسلح لحركة "حماس"، الفلسطينيين إلى "الانتفاض في وجه المحتل الغاصب دفاعًا عن أقصاهم وأسراهم، ومجابهةً للعدوان على الضفة ومخيماتها، ونصرةً لأهلهم في غزة الذين يرفضون الظلم والاستسلام".

بدورها، وصفت حركة "الجهاد الإسلامي"، في بيان، العملية بأنها "رد على جرائم الاحتلال والمستوطنين".

وقالت: إن الرد "كان وما يزال وسيبقى حاضرًا في الميدان لمواجهة اعتداءات جيش الاحتلال وعصابات المستوطنين الذين يزرعون الإرهاب والقتل والتدمير والبؤر الاستيطانية في طول الضفة الغربية وعرضها، ويدنسون يوميًا مقدسات المسلمين، ويجاهرون بسعيهم لتهويد المسجد الأقصى".

وأشارت الحركة إلى أن الحكومة الإسرائيلية تدرك أن الفلسطينيين قادرون على "توجيه ضربات موجعة إلى المنظومة الأمنية"، مؤكدة أن دعوات "تهجير شعبنا وتهويد المقدسات لن تمر دون رد"، وفق البيان.

وفي سياق متصل، قالت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في بيان: إن العملية تمثل "ردًا طبيعيًا على جرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني".

وأضافت: "حواجز الاحتلال التي تخنق مدن الضفة الغربية وقراها وتقطع أوصالها وتحولها إلى كانتونات معزولة، لن تصبح أمرًا طبيعيًا يقبل به الفلسطينيون، مهما تصاعدت سياسات القمع والتضييق".

عملية بطولية

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، أشاد ناشطون بالعملية التي نفذها الشابان في الخليل، ووصفوها بالبطولية وباركوها، مقدرين أنها رد طبيعي ومشروع على السياسات الإسرائيلية اليومية في الضفة الغربية، بما فيها الإذلال عند الحواجز، لا سيما حاجز فرش الهوا، واعتداءات المستوطنين، وانتهاك حرمة الحرم الإبراهيمي، والمسّ بكرامة الأسرى.

ورأى ناشطون، في تدوينات وتغريدات على منصتي "إكس" و"فيسبوك"، أن العملية تمثل ضربة للردع الإسرائيلي المزعوم، وإثباتًا لاستمرار المقاومة رغم الحصار والضغوط. وتداولوا وسومًا عدة، أبرزها #الخليل و#الضفة_الغربية و#الاحتلال_الإسرائيلي، للتعبير عن مواقفهم إزاء العملية وتداعياتها.

وأكد ناشطون ما وصفوه ببطولة الشابين اللذين استشهدا بعد اشتباك دام نحو 20 دقيقة، وأسفر عن خسائر في صفوف الجنود، ودعوا إلى الانتفاض وتقديم الدعم الشعبي، رافضين التشكيك في العملية أو وصفها بالإرهاب، ومقدرين أن انتقادها يتجاهل سياق القمع الإسرائيلي المستمر.

وقاحة استعمارية

وتداول ناشطون مقاطع مصورة توثق حالة الاستنفار الأمني والارتباك الإسرائيلي الواضح عند حاجز "فرش الهوى" غرب الخليل، منتقدين بشدة التوجيهات الإسرائيلية الفورية الصادرة بهدم منشآت تجارية وعمارة سكنية لا علاقة لأصحابها بالعملية، والتهجير القسري للأهالي.

وأكدوا أن الرد الإسرائيلي الفوري جاء عقابيا جماعيا؛ إذ صدرت أوامر بهدم منشآت تجارية وعمارة سكنية لا صلة لأصحابها بالعملية، مع إجبار مئات العائلات على إخلاء منازلها قسراً بحقيبة واحدة فقط، في مشهد وُصف بالتهجير المنظم.

وعد ناشطون لجوء حكومة الاحتلال لتدمير البنى التحتية وسبل العيش يعكس عجزاً أمنياً أمام العمليات الفردية، ورغبة انتقامية تهدف لكسر الحاضنة الشعبية وترهيب السكان، مؤكدين أن مثل هذه الإجراءات لا تحقق أمناً بل تغذي المزيد من الغضب والمقاومة.

توظيف سياسي

وقدم خبراء ومحللون وناشطون قراءة تحليلية سياسية وإستراتيجية لتصريحات نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، بعد عملية فرش الهوى في الخليل، مؤكدين أنهم يحاولون توظيف دماء الشعب الفلسطيني في الضفة كدعاية انتخابية.

وأشاروا إلى أن تصريحات نتنياهو وبن غفير وسموتريتش (التي شملت تهديدات بعملية واسعة في الضفة على غرار ما حدث في مخيمات جنين، وإجلاء سكان أحياء في الخليل، وهدم بنى تحتية، وفرض طوق أمني، وتحذير من "سابع أكتوبر جديد" من الضفة) تأتي في توقيت حساس قبل أيام من انتخابات الكنيست. 

ورأوا فيها محاولة لاستغلال الحدث أمنياً لتعزيز صورة اليمين كحامٍ للأمن، وتحويل الإخفاق الأمني إلى ورقة انتخابية، محذرين من أن هذه الدعوات، تكشف نية اليمين المتطرف تحويل الضفة إلى ساحة عمليات مشابهة لغزة، عبر تدمير البنية التحتية وتشجيع الهجرة وفرض سيادة إسرائيلية كاملة، بعيداً عن أي حل سياسي.

كما حذّروا من خطورة توظيف التصعيد لإعادة تشكيل الضفة جغرافياً وسياسياً، وإضعاف الوجود الفلسطيني، وتهيئة الظروف للاحتلال الدائم والتهجير القسري، ، وتنفيذ مخططات ضم الضفة بالكامل وإلغاء أي كيان سياسي فلسطيني.