هزيمة حليف نتنياهو.. هل تنهي رهانات اليمين الإسرائيلي في البرازيل؟

داود علي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تجاوزت تداعيات فوز الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في الانتخابات الرئاسية حدود الصراع الداخلي، لتصيب رهانات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي كان يعوّل على انتصار منافسه اليميني فلافيو بولسونارو لتعزيز علاقات تل أبيب مع برازيليا وتخفيف عزلتها الدولية.

وبينما يرفض بولسونارو الاعتراف بالهزيمة، تبرز تساؤلات بشأن مستقبل التحالف الذي نسجه آل بولسونارو مع نتنياهو، وحدود تأثيره في السياسة البرازيلية، في ظل استمرار الخلاف حول الحرب على غزة، وتداخل المصالح العسكرية والاقتصادية والدينية التي تتجاوز نتائج الانتخابات.

من حائط البراق إلى منصة الحملة

لم تولد العلاقة بين آل بولسونارو ونتنياهو خلال الحملة الانتخابية الأخيرة. فقد حضر الأخير حفل تنصيب جايير بولسونارو مطلع عام 2019، ثم رافقه بعد ثلاثة أشهر إلى حائط البراق في القدس المحتلة، ليصبح بولسونارو أول رئيس دولة يزور المكان برفقة رئيس وزراء إسرائيلي.

وجاءت الزيارة قبل أسبوع من انتخابات إسرائيلية، فبدت دعمًا انتخابيًا مباشرًا لنتنياهو، وأغضبت السلطة الفلسطينية التي استدعت سفيرها من برازيليا، وانتهت بافتتاح مكتب تجاري في القدس بدلًا من السفارة التي سبق أن وُعد بنقلها.

وتولى إدواردو، الابن الثالث للرئيس السابق، إدامة هذه الصلة. ففي يناير/كانون الثاني 2025، حين أمرت قاضية برازيلية بالتحقيق مع الجندي الإسرائيلي يوفال فاغداني بتهم ارتكاب جرائم حرب في غزة، إثر شكوى من مؤسسة هند رجب، تحرك إدواردو مع وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي للضغط على السلطات، حتى أُسقط التحقيق وغادر الجندي البلاد.

وقال إدواردو متباهيًا: “سجلت أول فيديو دفاعًا عن الجندي الإسرائيلي”. مضيفًا أن "قرار عدم التحقيق أرسى سابقة".

أما فلافيو، فاختار إسرائيل محطة أولى لجولاته الخارجية بعد إعلان ترشحه، فشارك مع شقيقه إدواردو في مؤتمر بالقدس في يناير/كانون الثاني 2026، ذكرهما فيه نتنياهو بالاسم، وتناول العشاء معه، ووصف لولا من هناك بأنه "معاد للسامية".

وفي يوليو/تموز، ظهر نتنياهو عبر شاشة عملاقة في حفل إطلاق حملة فلافيو في ساو باولو. قائلًا: "فلافيو، صديقي.. أنت بطل عظيم للصداقة بين شعبينا".

ويرى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة أوبرلانديا الفيدرالية ديفيد ماغالهايس، في حديث لموقع "ميدل إيست آي"، أن نتنياهو كان سيستفيد من فوز فلافيو، "خاصة في وقت تتزايد فيه عزلة إسرائيل داخل المجتمع الدولي" بسبب مؤشرات الإبادة في غزة. فعودة الشراكة القديمة "ستكون مناسبة للغاية لنتنياهو"، لأنها تبعث برسالة إلى الناخب الإسرائيلي مفادها أن عزلة بلاده ليست محكمة.

لولا.. الصوت الذي أزعج تل أبيب

على الضفة الأخرى، يقف لولا ضمن القادة الأعلى صوتًا في إدانة الحرب الإسرائيلية على غزة. ففي فبراير/شباط 2024، قارن ما يجري في القطاع بما فعله هتلر باليهود، فردت إسرائيل، على لسان وزير خارجيتها آنذاك يسرائيل كاتس، بإعلانه "شخصًا غير مرغوب فيه". ثم سحبت برازيليا سفيرها نهائيًا في مايو/أيار من العام نفسه، ولا تزال بلا سفير لدى إسرائيل حتى اليوم.

ولم يتوقف لولا عند الخطاب. ففي يوليو/تموز 2025، أعلنت حكومته الانضمام رسميًا إلى دعوى جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية التي تتهم إسرائيل بالإبادة الجماعية، وانسحبت من التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، وجمدت صفقة مدافع مع شركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية.

وفي افتتاح الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2026، عاد لولا ليصف ما يجري في غزة بالإبادة، محذرًا من التدخل الأجنبي في انتخابات بلاده. وفي رسالة قالت صحيفة "فولها دي ساو باولو" إنها استهدفت نتنياهو والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أيضًا، كان لولا قد طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مباشرة في يونيو/حزيران بالبقاء بعيدًا عن السباق الانتخابي.

وهنا تتجلى المفارقة؛ فبينما يتهم فلافيو خصمه بـ"معاداة السامية"، ويعد بأن تصبح البرازيل "شقيقة لإسرائيل"، يبدو موقف لولا أقرب إلى المزاج العام في الشارع البرازيلي. فبحسب استطلاع لمركز "بيو" هذا العام، يحمل ما يزيد قليلًا على نصف البرازيليين نظرة سلبية تجاه إسرائيل، ولا يثق أكثر من 60 بالمئة منهم بنتنياهو.

ويلاحظ أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ساو باولو فيليسيانو دي سا غيماريس أن الناخب البرازيلي الوسيط كان يميل إلى إسرائيل في بداية الحرب، لكن "الناخب هو من اقترب من لولا، وليس العكس".

القدس.. الوعد الأثقل

حمل برنامج فلافيو تجاه إسرائيل ثلاثة تعهدات تتجاوز ما فعله والده. أولها إعادة السفير وقبول أوراق اعتماد سفير إسرائيلي جديد "في اليوم الأول" من ولايته.

وثانيها نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس المحتلة "في بداية الولاية"، وهو ما وصفه في مقابلة مع القناة 14 الإسرائيلية بأنه "التزام شخصي أتعهد به من كل قلبي".

وثالثها الانضمام إلى "اتفاقات إسحاق"، التي أطلقها ميلي ونتنياهو في القدس في أبريل/نيسان الماضي بهدف دمج إسرائيل في البنى الاقتصادية والسياسية والأمنية لدول أمريكا اللاتينية.

ولا يقف الأمر عند السياسة، إذ تبنى فلافيو الرؤية المسيانية الإسرائيلية التي تقدم احتلال الأرض الفلسطينية بوصفه تحقيقًا لنبوءة توراتية. أما نقل السفارة، إن نُفذ، فيمثل خروجًا عن موقف غالبية المجتمع الدولي الذي يتجنب حسم وضع المدينة قبل أي تسوية، وتتضاعف قيمته الدعائية لإسرائيل بعد افتتاح كولومبيا سفارتها في القدس في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وتلميح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى أن البرازيل قد تكون التالية.

وعلى صعيد الملف الفلسطيني، تمنح تجربة الأب مؤشرًا على ما كان يمكن أن يحدث. فمنذ عام 2006، أيدت البرازيل جميع قرارات مجلس حقوق الإنسان الأممي المنتقدة لإسرائيل، وعددها 29، في عهود رؤساء مختلفين، حتى كسر جايير هذا التقليد في مارس/آذار 2019 بالتصويت ضد قرار يتعلق بقتل متظاهرين عزل في غزة، وآخر يدين احتلال إسرائيل للجولان السوري.

وفي ظل حكومة كان سيقودها فلافيو، كان التدخل البرازيلي الرسمي في قضية الإبادة معرضًا للتجميد، كما كان من الممكن أن تتراجع برازيليا عن دورها التقليدي في حشد أصوات دول الجنوب العالمي لصالح الفلسطينيين في المحافل الدولية.

وكان يُرجح أيضًا أن تواجه الشكاوى المرفوعة ضد جنود إسرائيليين أمام القضاء البرازيلي ضغوطًا سياسية أشد، على غرار ما جرى في قضية فاغداني.

السلاح والكنيسة

مع ذلك، لا يقوم الرهان الإسرائيلي على قصر الرئاسة وحده، بل على شبكة نفوذ نُسجت على مدى ربع قرن. فبحسب أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة البابوية الكاثوليكية في ساو باولو برونو هوبرمان، تشكل هذا النفوذ "أساسًا عبر القوات المسلحة والشرطة، ومن هناك امتد إلى الأحزاب والحركات اليمينية المتطرفة".

والمفارقة الأعمق أن العلاقة التسليحية تعمقت خلال ولايتي لولا الأوليين، حين أراد بناء ثقل موازن لانفتاحه على العالم العربي، فاستورد السلاح الإسرائيلي وأنشأ علاقة تبعية تكنولوجية.

وتقول الباحثة إيزابيلا أغوستينيلي دوس سانتوس إن الصفقات بلغت "نحو 190 مليون دولار بحلول 2014"، معظمها مع شركة "إلبيت"، التي استحوذت عام 2001 على شركة "إيه إي إل" البرازيلية لإلكترونيات الطيران، لتخلص إلى أن بولسونارو "لم يدشن حقبة جديدة"، بل كثف مسارًا قائمًا.

ويضيف هوبرمان أن ضباط الجيش والشرطة يتقاسمون تماهيًا أيديولوجيًا مع إسرائيل قوامه "الإسلاموفوبيا ومكافحة الإرهاب"، ما يجعلهم "قناة ضغط داخل الدولة".

وقد ظهرت متانة هذه القناة حين دافع وزير دفاع لولا علنًا عن صفقة مدافع "إلبيت" المجمدة، مقدرا أن معارضيها يتحركون "لأسباب سياسية وأيديولوجية".

أما الركيزة الثانية فهي دينية، إذ يقدر عدد الناخبين الإنجيليين بنحو 40 مليونًا، يمنح 52 بالمئة منهم أصواتهم لفلافيو مقابل 26 بالمئة للولا. وتوسعت الفجوة في جولة الإعادة إلى 62 بالمئة مقابل 32 بالمئة، فيما تضم الجبهة البرلمانية الإنجيلية أكثر من 40 بالمئة من أعضاء مجلس النواب، ما يمنح هذا التيار قدرة على التأثير تتجاوز صناديق الاقتراع.

ويقول ماغالهايس إن هذه الجماعات "كانت أشد المدافعين عن دولة إسرائيل، أو بالأحرى عن إسرائيل متخيلة، محافظة ومتدينة بعمق"، وهو ما يفسر الأعلام الإسرائيلية التي باتت مألوفة في تجمعات اليمين البرازيلي، وصدى تعهد نقل السفارة بين ناخبين يربطون القدس بنبوءات عودة المسيح.

حدود الرهان

لم يكن الطريق إلى القدس معبدًا أمام فلافيو، الذي خسر الانتخابات. فالمصالح التجارية تميل بوضوح إلى العالم العربي؛ إذ صدرت البرازيل إلى الدول العربية عام 2024 بضائع بقيمة قياسية بلغت 23.68 مليار دولار، محققة فائضًا قدره 13.5 مليار دولار، في حين يسجل ميزانها التجاري مع إسرائيل عجزًا متواصلًا. كما أنها أكبر مصدر للحوم الحلال في العالم، وهو قطاع يشكل جزءًا من القاعدة الاجتماعية لليمين نفسه.

وتختزن الذاكرة البرازيلية سابقة واضحة؛ فبعد أيام من إعلان جايير، المنتخب آنذاك، نيته نقل السفارة في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، ألغت مصر زيارة وزير الخارجية البرازيلي إلى القاهرة رغم وصول وفد من رجال الأعمال، ووجهت جامعة الدول العربية مذكرة احتجاج، فتراجع الرئيس واكتفى بالمكتب التجاري. ويبدو أن الابن كان يدرك هذه الحساسية، إذ تضمنت جولته الخارجية الأولى محطات مقررة في البحرين وقطر إلى جانب إسرائيل.

وثمة قيد قانوني لا يقل أهمية؛ فالبرازيل دولة طرف في نظام روما الأساسي، وتلزمها مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية نظريًا باعتقال نتنياهو، ما يجعل استقباله على أراضيها، كما دعاه فلافيو، اختبارًا محرجًا لالتزاماتها تجاه المحكمة، وللقضاء الذي أظهر استعداده لقبول شكاوى ضد جنود الاحتلال.

انتخابيًا، يقلل غيماريس من وزن هذا الملف، مؤكدًا أن "السياسة الخارجية نادرًا ما تحسم الانتخابات في البرازيل"، لأن "الوظائف وتكاليف المعيشة والأمن العام أهم بكثير لمعظم الناخبين". وأضاف أن القضية الفلسطينية باتت "تعزز الولاءات القائمة"، بعدما أصبحت مرتبطة بالانقسام بين اليسار واليمين.

وفي المحصلة، ستبقى شبكات السلاح والكنائس والمؤسسة الأمنية مؤثرة في العلاقة بين إسرائيل والبرازيل، ما يعني أن معركة الموقف البرازيلي من فلسطين لن تُحسم بفوز لولا دا سيلفا وهزيمة فلافيو وحدهما.