صفعة لترامب وهزيمة لأيباك.. فوز عبدول في ميشيغان يسقط تحالف المال والتحريض

جماعات مرتبطة باللوبي الإسرائيلي أنفقت مبالغ كبيرة لدعم المرشح الجمهوري المنافس لعبدول
رغم الحملات الشرسة وملايين الدولارات التي ضُخت لإفشاله، أعلن الديمقراطي التقدمي عبد الرحمن السيد "عبدول" الطبيب ذو الأصول المصرية فوزه التاريخي بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، بعدما تمكن من تحشيد القواعد الشعبية والجاليات العربية لصالحه.
وفي انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي لعام 2026، التي عقدت في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، نجح الأميركي من أصل مصري عبد الرحمن السيد، المعروف سياسيا باسم عبدول السيد، في الانتصار على الجمهوري مايك روجرز، رغم حملات شرسة استهدفت إضعاف فرصه.
وكانت جماعات مرتبطة باللوبي الإسرائيلي، وفي مقدمتها لجنة العمل السياسي الكبرى التابعة لـ"أيباك"، قد أنفقت مبالغ كبيرة خلال الانتخابات التمهيدية لدعم منافسته الديمقراطية هالي ستيفنز، التي خسرت أمامه بفارق ضئيل –بحسب ما كشفته تقارير إعلامية أجنبية-.
وأعلن عبدول في 4 نوفمبر فوزه على الجمهوري مايك روجرز في السباق المحموم على مقعد مجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان الأميركية.
وأكدت شبكات التلفزة الأميركية الكبرى، ومن بينها فوكس نيوز وسي إن إن، فوز السيد بعد أن أظهرت المؤشرات المتقدمة تفوقه الواضح وحصوله على ما يزيد قليلاً على 52.4% من الأصوات، مقابل 45.6% لمنافسه الجمهوري مايك روجرز.
ويمثل هذا الانتصار محطة بارزة وغير مسبوقة في السياسة الأميركية؛ إذ يدخل الطبيب والمسؤول الصحي السابق الغرفة العليا للكونغرس كأول مسلم يُنتخب لسيناتور مجلس الشيوخ في تاريخ البلاد.
وجاءت هذه النتائج مدفوعة بكتلة تصويتية ضخمة قادتها مقاطعات كبرى مثل واين وأوكلاند ومدينة ديترويت؛ حيث حظي عبدول بتأييد واسع النطاق من الجاليات العربية والمسلمة والطبقات العاملة.
ويعدّ الفوز انتكاسة ثقيلة وضربة موجعة لمعسكر دونالد ترامب والحزب الجمهوري في ولاية تُعد من أهم الولايات المتأرجحة والحاسمة سياسيًا.
وحقق عبدول فوزه رغم عقبات استثنائية واجهت حملته في اللحظات الأخيرة، وتمثلت في إعلان عضوة الكونغرس الديمقراطية هالي ستيفنز -التي خسرت الانتخابات التمهيدية للحزب أمام عبدول- عن دعمها المفاجئ لمنافسه الجمهوري مايك روجرز قبل يومين فقط من بدء التصويت.
وتعرض عبدول خلال أسابيع الحملة لهجمات شرسة طالت ديانته ومواقفه السياسية؛ حيث حاول الجمهوريون تصويره كـ "إرهابي" و"شيوعي" يشكل خطرًا على الأمن القومي، ودخلت مسألة 'الشريعة الإسلامية' كمعركة انتخابية موجهة ضد اسمه وعقيدته.
ومع ذلك، نجح عبدول في تحويل هذه العقبات إلى زخم مالي وشعبي، مستندًا إلى دعم قيادات بارزة مثل باراك أوباما، وبيرني ساندرز، وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، ليقود "موجة زرقاء" مكنت الديمقراطيين من فرض سيطرتهم على الكونجرس بمجلسيه.
وألقى السيناتور المنتخب عبد الرحمن السيد خطاب النصر أمام حشد غفير من مؤيديه في مقر حملته الانتخابية بمدينة ديترويت، وهتف وسط الجماهير قائلاً: "لقد فعلناها! أنا فخور جداً ويشرّفني أن أقف هنا سيناتوراً منتخباً عن ولاية ميشيغان العظيمة".
وأضاف في ذات اللحظة: "اسمي عبد الرحمن محمد السيد، واليوم اخترنا الأمل على الخوف".
ووجّه عبدول رسالة مباشرة وقوية إلى لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) قائلاً: "لقد أنفقتم 42 مليون دولار ضدي لإفشالي، والآن أقول لكم: شكراً لمنحي فرصة هزيمتكم مرتين".
وفي رسالة ساخرة ومباشرة وجهها لترامب الذي طالما هاجم اسمه وعقيدته، قال عبدول: "ترامب كان يسخر من صعوبة نطق اسمي؛ حسناً يا دونالد، اليوم يمكنك أن تناديني ببساطة: السيناتور".
وأكد التزامه بوعوده الشعبوية قائلاً: "شعاري سيبقى واضحاً وثابتاً: المال خارج السياسة، المال في جيوبكم، والرعاية الصحية للجميع عبر نظام (Medicare for all).. أنتم تستحقون الحصول على رعاية طبية دون أن ينتهي بكم المطاف بمواجهة فواتير باهظة تُثقل كاهلكم".
وعلق عبدول على الهجمات العنصرية قائلا: "لقد أرادوا الإشارة إلى اسمي وإيماني وعقيدتي وكأنها هي المشكلة، لكنني أخبرتكم وأعيدها: ليس اسمي ولا ديني هو ما يرفع أسعار الغاز أو يجعل شراء منزل جديد أمراً غير ممكن.. المشكلة هي جشع الشركات والسياسات الفاشلة، ونحن هنا لنغير ذلك".
بطل ميشيغان
عبدول السيد (ولد في 31 أكتوبر/تشرين الأول 1984 بميشيغان لأبوين مصريين مهاجرين) هو طبيب بارز، وأستاذ وبائيات سابق بجامعة كولومبيا، وحاصل على الدكتوراه في الصحة العامة من جامعة أكسفورد بموجب منحة "رودس" المرموقة.
برز اسمه سياسياً وتكنوقراطياً عندما تولى إدارة دائرة الصحة العامة في مدينة ديترويت عام 2015 عقب إفلاس المدينة؛ حيث قاد بنجاح خطة إعادة بناء المنظومة الطبية وحماية الأطفال من التسمم بالرصاص في المدارس.
وتتمحور مواقف عبدول السيد في الجناح التقدمي الراديكالي للحزب الديمقراطي، حيث يتبنى بقوة مشروع الرعاية الصحية الشاملة للجميع، وإبعاد أموال الشركات والأثرياء عن السياسة، ورفع الحد الأدنى للأجور.
وفي السياسة الخارجية، يتبنى مواقف جريئة وغير مألوفة في واشنطن؛ إذ وصف علناً ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة بأنها "إبادة جماعية"، ودعا صراحة إلى إنهاء الدعم العسكري والمالي الأميركي لإسرائيل، كما يطالب بإلغاء وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك.
وهذه المواقف الراديكالية جعلت عبدول هدفاً أولاً لمعارضة شرسة من دونالد ترامب واليمين المحافظ اللذين شنوا ضده حملات إعلامية تتهمه بمحاولة إدخال "الشريعة الإسلامية" إلى القوانين الأميركية وبأنه يمثل خطراً "إرهابياً".
ولم تقتصر المعارضة على الجمهوريين، بل واجه السيد حرباً شعواء قادتها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "أيباك"، والتي ضخت مالاً سياسياً ضخماً تجاوز 42 مليون دولار دعمًا لمنافسيه في الانتخابات التمهيدية والعامة.
وجاء هذا الإنفاق الإسرائيلي المكثف في محاولة لإفشاله وكسر شوكة التيار التقدمي الداعم للحقوق الفلسطينية في ولاية ميشيغان، والتي تمتلك كتلة تصويتية عربية وإسلامية وازنة، لا سيما في ديربورن وديترويت.
سيناتور مسلم
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، احتفى ناشطون بفوز عبدول بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، مع الإشارة إلى أنه أول سيناتور مسلم في تاريخ الولايات المتحدة، ورأوا في انتصاره كسراً للصورة النمطية السلبية عن المسلمين والعرب، ونهاية لعقود من التهميش السياسي.
وأشاروا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #عبدالرحمن_السيّد، #عبدول_السيد، #انتخابات_التجديد_النصفي، #الانتخابات_الاميركيه، إلى أن فوز عبدول دليلاً على أن التمثيل الحقيقي للجاليات المهاجرة أصبح ممكناً رغم الهجمات والتمويل المضاد.
وتداول ناشطون مقاطع فيديو لخطاب عبدول الأول عقب فوزه والذي توجه فيه بكلمة إلى ترامب، مشيدين بفخره باسمه وعقيدته، وخطابه الذي حوّل "إن شاء الله" إلى "الحمد لله"، مستبشرين بأن فوزه يؤسس لعهد جديد من المشاركة السياسية الحقيقية، ومذكرين بجذوره وأصوله المصرية.
ضربة موجعة
وعد ناشطون فوز عبدول ضربة موجعة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وفشل لحملاته العنصرية والإسلاموفوبية، ورأوا فيه انتصارًا للهوية العربية والمسلمة وهزيمة للخطاب الترامبي، ونقطة مضيئة تعكس تغيرًا في المزاج الأميركي تجاه المسلمين والعرب.
تمثيل مسلم
وتحدث خبراء ومحللون وسياسيون وناشطون عن دلالات فوز مرشحين مسلمين وعرب في انتخابات التجديد النصفي الأميركية، أبرزهم عبدول كأول مسلم في مجلس الشيوخ، وآدم حموي في مجلس النواب، عادّين إياه إنجازًا تاريخيًا يعكس قدرة الجاليات المسلمة على كسر الحواجز والاندماج في النظام الديمقراطي الأميركي رغم الحملات المعادية.
ورأوا في فوز مرشحين إسلاميين انتصارًا رمزيًا للتنوع وتمثيلًا أقوى للقضايا المتعلقة بتكاليف المعيشة والرعاية الصحية ومعارضة الدعم غير المشروط لإسرائيل، مع التأكيد على أنه يفتح أبوابًا جديدة للمسلمين في المؤسسات التشريعية.
كما تحدث أخرون عن انعكاسات هذا الدروس المستفادة من فوز الإسلاميين، مع إشارات إلى أن البلدان العربية خاصة مصر طاردة للكفاءات والمواهب.
هزيمة الصهيونية
ورأى ناشطون أن فوز عبدول رغم إنفاق أيباك عشرات الملايين (أكثر من 30 مليوناً في التمهيدية ونحو 9-12 مليوناً إضافية في العامة، بإجمالي يقارب 42 مليوناً كما ذكر هو نفسه)، دليل قاطع على تراجع نفوذ اللوبي الصهيوني.
ووصفوا الفوز بأنه صفعة لمن ظن أن شراء النفوذ يكفي لإسكات صوت يقول: أوقفوا الإبادة في غزة، وهزيمة للمال السياسي أمام إرادة الشعب، محتفين برسالته المباشرة لأيباك: "شكراً لمنحي الفرصة لهزيمتكم مرتين"، وعدوها إهانة علنية لجماعة الضغط التي حاولت إسقاطه مرتين وفشلت.
وأكد ناشطون أن الفوز يعكس رفضاً شعبياً أميركياً متزايداً للانحياز الأعمى لإسرائيل وتمويل الحرب على غزة، ويُظهر أن القضية الفلسطينية أصبحت عاملاً مؤثراً في الانتخابات.
وربطوا النصر بـ"لعنة الدم الفلسطيني" وصمود غزة، ورأوا فيه انتصاراً للتيار التقدمي المعادي للاحتلال داخل الحزب الديمقراطي، مؤكدين أن الشعب الأميركي اختار "الأمل" على "الكراهية والمال الصهيوني".















