من بغداد إلى بانياس.. النفط والأمن يعيدان صياغة التحالف العراقي السوري

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في خطوة تُدشن عهداً سياسياً واقتصادياً جديداً في المنطقة، جاءت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى العاصمة السورية دمشق ولقاؤه الرئيس أحمد الشرع، لتكسر سنوات من القطيعة الرسمية وتؤسس لمرحلة شراكة تتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية.

ولم تقف الزيارة عند حدود الاتفاقيات النفطية والأمنية فحسب، بل تُوجِّت بإعلان الزيدي تبرعاً شخصياً سخياً بقيمة 10 ملايين دولار لترميم وتلبية احتياجات الجامع الأموي ومرقد السيدة زينب، في رسالة دعم مالي وعقائدي مباشرة حملت دلالات سياسية واجتماعية بالغة الأهمية.

وفي العاصمة السورية دمشق، جرت مراسم استقبال رسمي لرئيس وزراء العراق علي الزيدي، في مطار دمشق الدولي، في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وذلك في أول زيارة رسمية له إلى سوريا منذ توليه منصبه منتصف مايو/أيار الماضي.

وكان في استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع، وسط مراسم استقبال شهدت استعراض حرس الشرف؛ ثم ترأس الزيدي والشرع في قصر الشعب "جلسة المباحثات الموسعة بين وفدي البلدين".

وأكد الزيدي، حسب بيان منفصل أورده مكتبه الإعلامي، أن "الشعبين العراقي والسوري، هما شعب واحد في بلدين".

وأشار إلى "العمل على تطوير الشراكة والتعاون المشترك في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز التعاون الأمني وتوحيد المواقف إزاء القضايا الإقليمية والدولية، والعمل لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.

فيما أعرب الرئيس السوري عن تقديره الكبير لزيارة الزيدي والوفد المرافق له، مؤكداً عمق العلاقات الثنائية وحرص سوريا على تحقيق أعلى مستويات التعاون بين البلدين.

وناقش الجانبان خلال اللقاء عددا من القضايا، من بينها تصدير النفط العراقي عبر خط بانياس بطاقة تصديرية تصل إلى مليوني برميل يوميا، وزيادة حجم التبادل التجاري، وكذلك العمل المشترك لتطوير القطاع الزراعي، لتحقيق التكامل الغذائي والاقتصادي.

كما ناقشا ملف السوريين المحتجزين والذين جرى نقلهم إلى العراق أخيرا؛ حيث تعهد الرئيس الشرع بتحمل سوريا لمسؤولياتها الكاملة تجاههم، مشدداً على انفتاح دمشق على عودة العلاقات الثقافية وحرية التنقل للزوار العراقيين.

وزار الزيدي رفقة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، الجامع الأموي في دمشق، واطلع على المعالم التاريخية لهذا الأثر الإسلامي، كما زار مرقد السيدة زينب وأدى مراسم الزيارة والصلاة داخل الصحن الشريف، واطلع بعدها على معالم المرقد، حسب بيانات مقتضبة لمكتبه.

وتبرع الزيدي بمبلغ 10 ملايين دولار من حسابه الشخصي، بواقع 5 ملايين دولار تلبية لاحتياجات المرقد المقدس (مرقد السيدة زينب)، و5 ملايين دولار للجامع الأموي، تبعا للبيان. 

وكان الشرع قد أكد أن العلاقات المجتمعية بين العراق وسوريا ينبغي أن تسبق العلاقات السياسية، مشيراً إلى أن البلدين تجمعهما روابط تاريخية ومصيرية، فيما شدد على أهمية تعزيز التعاون المشترك.

وتأتي هذه الزيارة في وقت يسعى فيه البلدان اللذان يتشاركان حدودا تمتد لأكثر من 600 كيلومتر- إلى تقوية علاقاتهما الثنائية وتعزيز التعاون الاقتصادي والنفطي بينهما.

ويُعد الزيدي أول رئيس حكومة عراقية يزور دمشق منذ سقوط حكم بشار الأسد في نهاية عام 2024، رغم زيارة عدد من كبار المسؤولين السياسيين والاستخباراتيين والقضائيين العراقيين العاصمة السورية منذ ذلك الحين.

وتأتي الزيارة في ظل بدء العراق أخيرا تصدير كميات محدودة من النفط عبر سوريا، عقب تعطّل حركة الملاحة في مضيق هرمز إثر اندلاع حرب الشرق الأوسط.

وكان البلدان قد وقّعا في تموز/يوليو الماضي مذكرة تفاهم لإحياء خط أنابيب "حديثة بانياس" لنقل النفط العراقي، إلى جانب توقيع مذكرة تفاهم مع ائتلاف من 3 شركات أبرزها "شفيرون" الأميركية لتنفيذ المشروع.

ويعود تاريخ هذا الخط إلى عام 1952، لكنه خرج عن الخدمة منذ عام 2003 بعد تعرّضه لأضرار نتيجة الغزو الأميركي للعراق، ويُعد منفذا حيويا لتصدير النفط العراقي عبر البحر المتوسط.

وسبق للشرع والزيدي أن التقيا في سبتمبر/أيلول الماضي في نيويورك على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة بحضور وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني؛ إذ تناولا سبل تعزيز التنسيق السياسي والأمني وتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري.

وتأتي هذه الزيارة كجزء من جولة إقليمية لرئيس الوزراء العراقي شملت الأردن والسعودية لتعزيز التفاهم.

مواقف متباينة

شهدت الزيارة حراكاً سياسياً واسعاً ومواقف متباينة بين الترحيب والتحفظ؛ فعلى الصعيد العراقي الداخلي، باركت القوى السياسية القريبة من الإطار التنسيقي والتحالفات الحاكمة هذه الخطوة، مقدرة أن الانفتاح على سوريا الجديدة يحمي الأمن القومي العراقي ويفتح منافذ اقتصادية حيوية للنفط العراقي بعيداً عن تعقيدات مضيق هرمز. 

في المقابل، انتقدت قوى معارضة وبعض نواب البرلمان خطوة التبرع الشخصي الضخم، مقدرين أن الأولى توجيه مثل هذه المبالغ لدعم البنية التحتية أو العائلات النازحة داخل العراق، ومطالبين بتوضيح حول مصدر هذه الأموال الشخصية لرئيس الوزراء.

وعلى الصعيد السوري، قوبلت الزيارة بترحيب رسمي وشعبي كبيرين، وعدتها الحكومة السورية بمثابة اعتراف إقليمي صريح بشرعيتها الجديدة وإشارة واضحة على تعافي دمشق ودورها المحوري في المحيط العربي. 

أما على الصعيد الدولي والإقليمي؛ فقد راقبت العواصم الكبرى الزيارة باهتمام؛ حيث رأى محللون غربيون أن التنسيق العراقي السوري السريع يعكس رغبة بغداد في عدم ترك فراغ سياسي في دمشق، بينما رأت أطراف إقليمية أن الملف النفطي والأمني سيكون الاختبار الحقيقي لنجاح هذه التفاهمات على أرض الواقع.

اتجاه صحيح

وعلى منصات التواصل، رحَّب ناشطون بزيارة الزيدي إلى سوريا وتبرعه بمبلغ 10 ملايين دولار من حسابه الشخصي (5 ملايين للجامع الأموي و5 ملايين لمرقد السيدة زينب)، وعدوها خطوة بالاتجاه الصحيح وعملاً قومياً شجاعاً يعيد التأكيد على روابط الأخوة التاريخية بين الشعبين العراقي والسوري.

وأكدوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #علي_الزيدي، #أحمد_الشرع، #سوريا، #العراق، وغيرها، أن زيارة الزيدي تفتح صفحة جديدة من التعاون في مرحلة التعافي وبناء السلم الأهلي بعد التغيرات السياسية في سوريا. وأشار ناشطون إلى أن الزيارة والمبادرة المالية تمثل دعماً عملياً من العراق لجاره، بعيداً عن الحسابات الضيقة، وتعزز الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة.

ورأوا أن اختيار التبرع بالتساوي بين معلم سني بارز (الجامع الأموي) وموقع شيعي مقدس (مرقد السيدة زينب) يحمل رسالة ذكية عابرة للطوائف، عادّين المبادرة رمزاً للوحدة العربية والإسلامية في مواجهة أي استغلال طائفي. 

وفسروا ذلك بأنه يهدف إلى قطع الطريق أمام محاولات إثارة الفتن الطائفية في سوريا الجديدة، ويؤكد رفض الانقسامات المذهبية، ويدعم بناء مجتمع مدني متماسك قائم على الاحترام المتبادل للمقدسات. 

من أين لك؟

في المقابل، أعرب ناشطون عن استيائهم من تبرع رئيس الوزراء العراقي بمبلغ 10 ملايين دولار من ماله الخاص للجامع الأموي ومرقد السيدة زينب في دمشق، وركزوا على التناقض بين هذا التبرع للخارج وبين الأوضاع المعيشية الصعبة داخل العراق، وتساءلوا عن أولويات التبرع.

وأشاروا إلى أن  آلاف العراقيين لا يزالون يعيشون في المخيمات، وملايين آخرين في مساكن متواضعة (بيوت من "تنك")، مقدرين أن الأولوية يجب أن تكون لحل مشاكل المواطنين العراقيين أولاً. 

ووصف بعضهم التبرع بأنه يأتي من شخص "مدعوم من طهران" واتهموه بـ"سرقة أموال العراق"، مطالبين بالتركيز على الاحتياجات الداخلية بدلاً من الإنفاق خارج الحدود.

الرئيس العراقي تبرع بـ 10 مليون دولار من ماله الخاص لـ مقام السيدة زينب و الجامع الأموي, أثناء زيارته لسوريا. (964) https://t.co/xkC4AeCUa8

— Abdullah AL-Khmais (@AZK_SA) October 29, 2026

انفتاح عربي

وقدَّم محللون وكتاب وناشطون قراءات وتحليلات لزيارات رئيس وزراء العراق الخارجية في الفترة الأخيرة  السعودية (منتصف أكتوبر 2026) والأردن (حوالي 26 أكتوبر) وسوريا (28 أكتوبر 2026)، مُثْنين على التحركات بوصفها انفتاحاً عربياً يعيد العراق إلى محيطه.

وأكّدوا أن هذه الزيارات تعزز التعاون الاقتصادي والأمني، خاصة في ملفات النفط والحدود والطاقة، ووصفوها بأنها خطوات إستراتيجية تكسر الجمود التاريخي، وتفتح آفاقاً للتكامل الإقليمي بعيداً عن الاصطفافات الطائفية، مع التركيز على الرمزية الإيجابية في الزيارات.

ورأوا أن التحركات تفتح صفحة جديدة مع سوريا الجديدة، وتساعد في تهدئة التوترات الإقليمية (بما في ذلك بين سوريا والأردن)، وتعيد العراق إلى دوره الطبيعي كممر اقتصادي وطاقة. 

أبعاد اقتصادية

وتحدث ناشطون عن البعد الاقتصادي لزيارة الزيدي؛ إذ رأى محللون اقتصاديون وناشطون أن الزيارة حققت اختراقاً إستراتيجياً كبيراً من خلال طرح ملف خط أنابيب بانياس (أو كركوك-بانياس)؛ إذ يمنح العراق منفذاً بديلاً على البحر المتوسط.

وأوضحوا أن نجاح هذا المشروع سيعيد للعراق ثقله الجيوسياسي على البحر المتوسط ويقلل من ارتهانه للمنافذ البحرية الجنوبية ومضيق هرمز، خاصة في ظل التوترات الإقليمية، كما يعيد  للعراق ثقله الجيوسياسي كلاعب نفطي له خيارات تصديرية متعددة، مع تعزيز التكامل الاقتصادي والأمني مع سوريا.

ورأى ناشطون أن المشروع ليس مجرد صفقة نفطية، بل خطوة تعيد رسم خرائط الطاقة في المنطقة؛ حيث تصبح سوريا واجهة بحرية للعراق، وتوفر عوائد عبور وتكاملاً زراعياً وتجارياً، فيما حذّر آخرون من التحديات التقنية واللوجستية والتمويلية التي قد تؤخر الوصول إلى الطاقة المستهدفة.