إسرائيل في مهب الجمود.. تعادل مبدئي بين نتنياهو وآيزنكوت يرهن الكنيست الجديد

شدوى الصلاح | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في ليلة انتخابية سجلت أعلى نسبة مشاركة منذ أكثر من ربع قرن، خرج الاحتلال الإسرائيلي من صناديق الاقتراع دون فائز واضح، إذ أفرزت حالة من التعادل التام والجمود السياسي وغياب الحسم بين معسكر رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو وكتلة المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت. 

وشهدت انتخابات الكنيست التي عقدت في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، نسبة مشاركة قياسية بلغت 77.7%، وهي الأعلى منذ عام 1999؛.

كما حققت الأحزاب العربية الممثلة لفلسطيني الداخل صعودًا لافتًا وتاريخيًا بتوقعات تحصد فيها ما بين 17 إلى 18 مقعدًا، مما يجعلها رقمًا صعبًا في حسابات تشكيل الحكومة المقبلة.

وأظهرت نتائج جزئية لفرز أصوات الانتخابات الإسرائيلية، فجر 28 أكتوبر، تقاربا حادا بين أحزاب المعارضة ومعسكر نتنياهو يبقى كلا المعسكرين بعيدين عن الأغلبية المطلوبة البالغة 61 مقعدًا في الكنيست المؤلف من 120 مقعدًا. 

وبحسب بيانات لجنة الانتخابات التي نشرها موقع صحيفة "يديعوت أحرونوت" حتى الساعة 04:47 بالتوقيت المحلي،  بعد فرز نحو 16.8 بالمئة من مجمل أصوات الناخبين، حصلت الأحزاب خارج معسكر نتنياهو على نحو 819.5 ألف صوت، مقابل نحو 778.4 ألفا لمعسكره.

وشملت نسبة الـ51.3 بالمئة القوائم العربية، التي حصلت مجتمعة على 12 بالمئة من الأصوات، بواقع 8.3 بالمئة للقائمة المشتركة و3.7 بالمئة للقائمة العربية الموحدة "راعم".

وعلى مستوى الأحزاب، تصدر الليكود بزعامة نتنياهو النتائج الجزئية بحصوله على 22.2 بالمئة من الأصوات، يليه حزب "يشار" بزعامة غادي آيزنكوت بـ15.4 بالمئة.

وحلت القائمة المشتركة ثالثة بـ8.3 بالمئة، تلتها قائمة "معا" بزعامة نفتالي بينيت بـ8.2 بالمئة.

ونالت "يهدوت هتوراه" 6.7 بالمئة، و"إسرائيل بيتنا" 6.4 بالمئة، و"القوة اليهودية" 6 بالمئة، و"الديمقراطيون" 5.9 بالمئة.

كما حصل كل من شاس و"الصهيونية الدينية" على 5.7 بالمئة، فيما حصلت "راعم" على 3.7 بالمئة، و"الاحتياط والاقتصادية" على 2.7 بالمئة، و"عمخا يسرائيل" على 1.8 بالمئة.

وبلغ عدد الأصوات الصحيحة التي تم فرزها مليونا و597 ألفا و973 صوتا، فيما بلغ إجمالي الأصوات المفروزة، بما فيها الباطلة، مليونا و605 آلاف و421 صوتا، بما يعادل 28.19 بالمئة من مجمل الأصوات.

وأظهرت البيانات انتهاء فرز 3 آلاف و906 صناديق اقتراع من أصل 11 ألفا و996 صندوقا، بما يعادل 32.6 بالمئة من إجمالي الصناديق.

وتأتي النتائج الجزئية بعد ساعات من إظهار تحديثات لعينات استطلاعات الخروج تقاربا بين معسكري نتنياهو وآيزنكوت، مع احتساب القوائم العربية بصورة منفصلة.

وأظهرت تحديثات لعينتي القناة الإسرائيلية "13" وهيئة البث الرسمية تعادل معسكري نتنياهو وآيزنكوت بواقع 51 مقعدا لكل منهما، مقابل 18 مقعدا للقوائم العربية.

وفي تحديث لاحق لعينة القناة "12"، حصل معسكر نتنياهو على 52 مقعدا، مقابل 49 لمعسكر آيزنكوت، فيما حصلت القوائم العربية على 19 مقعدا.

ولا تمثل عينات استطلاعات الخروج النتائج الرسمية للانتخابات، فيما تستمر عملية فرز الأصوات.

ولم تسفر عمليات فرز الأصوات المستمرة حتى الآن عن فوز مريح لأي من التكتلين الرئيسيين، لتبقى الكلمة الفصل رهنًا باستكمال فرز أصوات "الظروف المزدوجة" (الدبلوماسيين، الجنود في الخدمة، والمرضى) والتي قد تعدل توزيع المقاعد بنسبة طفيفة قبل الإعلان الرسمي النهائي في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.

الردود الرسمية

بعد منتصف الليل، ألقى نتنياهو خطابًا مقتضبًا، لم يعلن فيه النصر الصريح لكنه أكد أن اليمين لا يزال يمثل "الأغلبية الحاسمة للجمهور الصهيوني". 

وحذر بشدة من تشكيل أي حكومة تعتمد على دعم الأحزاب العربية، واصفًا ذلك بـ "العار" والمخاطرة بأمن البلاد، ودعا إلى توحيد الصفوف الصهيونية.

فيما أعلن آيزنكوت أن الانتخابات كانت بمثابة "استفتاء شعبي على القيادة" وأعرب عن ثقته في تشكيل الحكومة المقبلة. 

وقال في تصريح رسمي: "المؤشرات الأولية تعكس فقدان الثقة المطلق في نتنياهو وحكومة السابع من أكتوبر"، محذرًا نتنياهو من استغلال موقعه كرئيس حكومة تسيير أعمال لاتخاذ قرارات أمنية تخدم مصالحه السياسية.

بينما تعهد بينيت ببذل كل الجهود الممكنة لتشكيل حكومة مستقرة تخدم الجميع، مؤكدًا استعداده لتجاوز كافة الخلافات والحسابات الشخصية من أجل مصلحة إسرائيل.

ورحب زعيم المعارضة السابق يائير لبيد، بالنتائج معتبرًا إياها "هزيمة كاملة" لنتنياهو، مضيفًا أن "دولة إسرائيل أنقذت نفسها اليوم" رغم إقراره بأن صياغة الائتلاف لن تكون مهمة سهلة.

وكشف رئيس القائمة العربية الموحدة منصور عباس، عن تلقيه اتصالات من شخصيات في المعسكرين فور صدور العينات، وأبدى استعدادًا مبدئيًا مشروطًا للمشاركة في حكومة آيزنكوت طالما توفرت لها شبكة أمان حقيقية.

ومن جانبه، رفض اليمين الإسرائيلي المتطرف،  إعلانات المعارضة بالانتصار؛ وأكد وزير مالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش مواصلة الخطط الاستيطانية بالضفة الغربية وغزة. بينما حذر وزير أمن الاحتلال إيتمار بن غفير نتنياهو من الدخول في "حكومة وحدة" مع آيزنكوت، معتبرًا إياها "خطأً فادحًا".

سياق الانتخابات

تأتي انتخابات الكنيست الـ26، كأول انتخابات برلمانية يجريها الاحتلال الإسرائيلي منذ هجوم 7 أكتوبر 2023 والحرب على غزة، وسط استقطاب حاد حول أداء الحكومة الأمني والسياسي، وقضايا التجنيد للحريديم، والإصلاح القضائي السابق، ومستقبل الصراع مع إيران وحماس. 

وكانت كتلة نتنياهو قد فازت بـ64 مقعدًا في 2022، لكنها واجهت احتجاجات واسعة وانتقادات داخلية.

تُجرى هذه الانتخابات تحت نظام التمثيل النسبي وبنسبة حسم تبلغ 3.25%. وتكتسب نتائجها أهمية قصوى كونها تمثل محاكمة سياسية لـ "حقبة نتنياهو" الممتدة، وتأتي بالتزامن مع استمرار محاكمته في قضايا فساد، وصدور مذكرات توقيف دولية بحقه. 

ويضع السياق الحالي الكيان الإسرائيلي أمام تحديات تشريعية وتنفيذية ضخمة؛ حيث تطالب المعارضة والشارع الإسرائيلي بإنشاء لجنة تحقيق رسمية مستقلة لكشف إخفاقات أكتوبر 2023، وهو الأمر الذي عرقلته الحكومة الحالية وتعهدت المعارضة بجعله أولويتها القصوى بمجرد وصولها إلى السلطة.

ويتطلب النظام الإسرائيلي 61 مقعدًا لتشكيل حكومة مستقرة، ويفتح غياب الأغلبية لأي كتلة الباب لمفاوضات طويلة قد تشمل حكومة أقلية مدعومة من الخارج أو وحدة وطنية أو حتى انتخابات مبكرة جديدة -بحسب مراقبين-. 

وصعود الأحزاب العربية (المشتركة وراعم) يجعلها لاعبًا محوريًا، رغم تحفظات بعض أحزاب المعارضة على التحالف المباشر معها؛ كما تعكس نسبة المشاركة العالية رغبة شعبية في الحسم بعد سنوات من التوتر.

تسول الأصوات

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تداول ناشطون صوراً لنتنياهو وهو يتجول في مراكز تجارية حاملاً مكبر صوت، ويدعو أنصاره صراحةً إلى الخروج والتصويت لليكود في الساعات الأخيرة قبل إغلاق الصناديق، ورأوا في ذلك مظهراً من مظاهر الضعف والارتباك.

ووصفوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي "إكس"، "فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #الانتخابات_الإسرائيلية، #نتنياهو، #الليكود، وغيرها، ما فعله نتنياهو بـ"الاستجداء" و"الاستغاثة"، خاصةً أنه حذّر من ارتفاع نسب التصويت في المجتمع العربي، وبدا وكأنه يخشى خسارة الأغلبية رغم كل الجهود السابقة.

وعد ناشطون ظهور نتنياهو رفقة زوجته سارّة داخل المولات وهو ينادي بصوت مرتفع تحولاً دراماتيكياً من خطاب القوة إلى نداء مباشر يائس، عادين الخطوة تعكس قلقاً حقيقياً من تقدم المعارضة أو ارتفاع مشاركة العرب، وأنها قد تكون إشارة مبكرة إلى صعوبة تشكيل حكومة يمينية مستقرة. 

ملاحقة قضائية

وتمنى ناشطون هزيمة نتنياهو وسقوطه وتسليمه للمحاكمة بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة وغيرها مما يستوجب ملاحقته دوليا، عادين ذلك خطوة أولى نحو العدالة، ونهاية لحقبة مليئة بالدمار، وربطوا الأمر مباشرة بضرورة محاسبته قضائياً. 

كما شددوا على أن نتنياهو يجب أن يُحاكم على الجرائم المالية والإنسانية طوال فترات حكمه، وأن خسارته تفتح الباب أمام الملاحقة التي طالما حاول تجنبها، وكرروا عبارات مثل "سيواجه الملاحقة القضائية عن جرائمه" و"تقترب ساعة الحساب"، متوقعين قيادته تمرد حال هزيمته لكي لا يحاكم. 

تأييد الإبادة

ورأى ناشطون أن النتائج الأولية – التي أظهرت استمرار نفوذ الليكود وكتلة اليمين المتطرف بنسب كبيرة، مع عدم قدرة أي كتلة على حسم الأغلبية المطلقة بسهولة – تعكس استمرار التوافق الواسع داخل المجتمع الإسرائيلي اليهودي على سياسات الحرب في غزة والإبادة والإجرام في الدول الأخرى.

وعدوا أن الخلافات الداخلية الإسرائيلية تركز على قضايا داخلية مثل التجنيد أو هوية الدولة، بينما تبقى قضية الحرب والعمليات العسكرية في غزة نقطة إجماع شبه كامل بين اليمين والوسط وحتى أجزاء من المعارضة، بعد ثلاث سنوات من العمليات الواسعة.

إجرام متطابق

وأكد كتاب ومحللون وناشطون أن بنيامين نتنياهو ومنافسه غادي آيزنكوت وجهان لعملة واحدة، وأنهما يشتركان في الإجرام والوحشية والصهيونية، وسيطبقان السياسات نفسها التي تخدم الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين.

ورأوا أن الفوز لأي منهما لن يغير من واقع الاحتلال شيئاً، لأن كليهما يهوديان صهيونيان يخدمان المشروع نفسه، ويريدان "ذبح الفلسطيني والعربي بنفس الشدة والقسوة".

وعدوا من يعتقد أن رحيل نتنياهو سيخفف الأوضاع في غزة هو "مغفل"، وأن الاثنين يمارسان الإجرام سواء أكان ظاهراً أمام الكاميرات أم مخفياً وراء الشرعية الدولية، محذرين من أن ايزنكوت أخطر من نتنياهو.

وأوضحوا أن آيزنكوت ليس بديلاً أفضل، بل هو "أكثر تنظيماً ومأسسة" في التطرف، كونه مهندس "عقيدة الضاحية" التي تعتمد التدمير الشامل للمدنيين والبنية التحتية، وأنه شارك في العمليات العسكرية المدمرة على غزة، ويرفض أي دولة فلسطينية.

ووصفوا التغيير المحتمل بأنه "تغيير وجوه فقط أما القلب واحد"، وكلاهما صهاينة مجرمون عملوا في جيش الاحتلال طوال حياتهم، وفلسطين تبقى القضية الأهم.

ويُعد بنيامين نتنياهو الشخصية السياسية الأطول بقاءً في منصب رئيس الوزراء في تاريخ الكيان الإسرائيلي، ويتزعم حزب "الليكود" اليمني، وتركزت سياسته على تعزيز الاستيطان، ورفض حل الدولتين، وبناء تحالفات وثيقة مع تيار اليمين المتطرف والديني القومي لضمان البقاء في السلطة.

وتواجه حكومته اتهامات مباشرة من محكمة العدل الدولية بارتكاب أعمال تدخل في إطار "الإبادة الجماعية" ضد الفلسطينيين في قطاع غزة عقب أحداث 7 أكتوبر. 

كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحقه بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تشمل استخدام التجويع كسلاح حرب، واستهداف المدنيين عمداً.

وقاد نتنياهو طوال سنوات حكمه سياسة ممنهجة لتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وهو ما تصنفه الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية كخرق صارخ للقانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة.

ويواجه نتنياهو محاكمات داخلية مستمرة في إسرائيل بتهم الرشوة، والاحتيال، وإساءة الأمانة في ثلاثة ملفات رئيسية (القضايا 1000، 2000، و4000)، حيث يُتهم بتلقي هدايا فاخرة وتوجيه تسهيلات تنظيمية لرجال أعمال مقابل الحصول على تغطية إعلامية إيجابية.

أما منافسه غادي آيزنكوت هو جنرال عسكري متقاعد، شغل منصب رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي بين عامي 2015 و2019، ودخل المعترك السياسي لاحقاً وانضم إلى تحالفات الوسط والوسط-اليمين، ويُقدم نفسه في الانتخابات الحالية كبديل أمني وسياسي لنتنياهو، مستنداً إلى خلفيته العسكرية الطويلة.

ويُعتبر آيزنكوت المهندس الرئيسي لـ "عقيدة الضاحية" العسكرية، والتي طورها بعد حرب لبنان الثانية عام 2006؛ وتنص على استخدام القوة المفرطة وغير المتناسبة لتدمير البنية التحتية المدنية والمباني في المناطق التي تنطلق منها الهجمات ضد إسرائيل لردع الخصوم. وتصف المنظمات الحقوقية الدولية (مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية) هذه العقيدة بأنها شرعنة لجرائم الحرب والعقاب الجماعي ضد المدنيين.

وتولى آيزنكوت قيادة الجيش الإسرائيلي خلال "مسيرات العودة الكبرى" على حدود قطاع غزة عام 2018. 

ووفقاً لتقارير الأمم المتحدة، أشرف على سياسة إطلاق النار الذخيرة الحية ضد المتظاهرين العزل، مما أسفر عن مقتل المئات وإصابة الآلاف، وهو ما اعتبرته لجان تحقيق دولية انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب.

وقاد آيزنكوت مئات الغارات الجوية السرية والمعلنة داخل الأراضي السورية واللبنانية طوال فترة رئاسته للأركان، والتي تسببت في مراراً بسقوط ضحايا مدنيين وأضرار بالمنشآت الخدمية، فضلاً عن انتهاك سيادة الدول المجاورة خارج إطار تفويض الأمم المتحدة.

صعود عربي

وعد محللون وناشطون صعود الأحزاب العربية في انتخابات الكنيست إنجازاً تاريخياً لافتاً،  حيث حصلت القائمتين العربيتين (المشتركة وراعم/الموحدة) معاً على نحو 17-19 مقعداً، مقارنة بـ10 مقاعد فقط في انتخابات 2022، بفضل نسبة مشاركة عربية قياسية قاربت 80% في بعض المناطق. 

واحتفوا بهذا الصعود كدليل على حيوية المشاركة العربية وقدرتها على التأثير في موازين القوى، محذرين في الوقت نفسه من تكرار أخطاء سابقة مثل عدم استثمار المقاعد في 2015، ومناقشين احتمالات التحالف مع معسكر آيزنكوت أو بقاء الجمود السياسي. 

وأبرزوا نسبة المشاركة المرتفعة كعامل حاسم، ووصفوا النتيجة بأنها مفاجأة تجعل الأحزاب العربية لاعباً رئيسياً رغم التحديات، مع تعليقات تربطها برفض سياسات اليمين وتحولات محتملة في تشكيل الحكومة.