بعد غارات الأردن.. كيف توازن دمشق بين الغضب الشعبي وحسابات الاستقرار الإقليمي؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026، توجَّه وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى جنوب البلاد لتقديم العزاء لعائلات ضحايا غارات جوية أردنية شُنت قبل ثلاثة أيام.

وبحسب موقع أميركي، فإن هذه الزيارة تعكس سعي دمشق إلى الموازنة بين غضب شعبي من سقوط مدنيين، وحرص على تجنب التصعيد مع جار عربي في منطقة مضطربة.

جاء ذلك في تقرير نشره موقع "المونيتور"، ذكر فيه أن سبعة مدنيين، بينهم نساء وأطفال، قُتلوا في محافظتي درعا والسويداء، وفق السلطات السورية. وكان خمسة منهم من عائلة واحدة، بينهم ثلاثة أطفال.

وتداولت مواقع التواصل أسماء الضحايا وصورهم، فيما أعلنت فرق الطوارئ السورية أنها تعاملت مع هجمات في أربعة مواقع.

في المقابل، أكد مسؤولون أردنيون أن الغارات قتلت 20 عنصرا على الأقل من تنظيم الدولة، وأنها جاءت "ردا" على عملية قتل جماعي شهدتها محافظة الكرك الأردنية قبل أيام.

ففي 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أطلق مسلحون النار على موكب جنازة في كنيسة، فقتلوا تسعة أشخاص وأصابوا أكثر من 30.

وأفاد الموقع بأنه لم يطلع على أي دليل يثبت تدمير منشآت إرهابية في غارات 26 أكتوبر/تشرين الأول. كما لم يطلع على ما يثبت مقتل أي شخص غير المدنيين السبعة الذين حددت السلطات السورية هوياتهم وتداولت المواقع صورهم.

وقال وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي: إن الهجمات هدفت إلى تحييد "تهديدات مؤكدة وعمليات إرهابية وشيكة كانت تستهدف أمن الأردن"، واستندت إلى "معلومات ميدانية".

وفي 29 أكتوبر/تشرين الأول، صرح الشيباني بأن الأردن أبدى أسفه لسقوط ضحايا مدنيين.

نظريات مؤامرة

ونقل الموقع عن الإعلامي زيدون الزعبي، من سكان درعا، قوله: إن "الناس في درعا لا يفهمون لماذا حدث لهم هذا".

وأشار الزعبي إلى أن بعض السكان طرحوا نظريات مؤامرة، لكنه استبعد أن يكون للأردن "أي مصلحة في زعزعة استقرار الجنوب". وأوضح أنه ينتمي إلى عشيرة موزعة بين الأردن ودرعا، ولا يوجد "أي غضب على الإطلاق" تجاه الشعب الأردني.

ورأى أن الحكومة السورية اتخذت "موقفا حازما"؛ فـ "الجميع يعلم أن لا أحد يريد التصعيد مع الأردن". وحذّر من أن التصعيد "سيساعد إسرائيل على مواصلة عدوانها" على الأراضي السورية.

في المقابل، يرى آخرون ضرورة أن يعترف الأردن بخطئه؛ إذ لم يقدم أي دليل يدعم روايته عن استهداف إرهابيين.

وعن مشاعر الأهالي، قال الصحفي إبراهيم الحريري، ابن درعا: إن "الموقف الذي اتخذه الأردن كان مؤلما لهم". وأضاف أن "قتل الأطفال والنساء الأبرياء أعاد إليهم مشاهد قتل الأبرياء على يد نظام الأسد السابق، والمشاهد التي تحدث الآن في غزة".

وتابع الحريري أن السوريين "يرون في إسرائيل خطرا عليهم، بينما يستبعدون تلقائيا فكرة أن يريد الأردن إلحاق الأذى بهم". وأشار إلى أنهم يعتقدون أن إسرائيل "ربما تعمدت نشر معلومات مضللة لزرع الشقاق بين البلدين الشقيقين".

وتتصاعد مخاوف سكان الجنوب السوري من إسرائيل منذ سقوط نظام الأسد المدعوم من إيران في ديسمبر/كانون الأول 2024، حتى إن رجلا قابلته وسيلة إعلام محلية في موقع الهجوم ظن في البداية أن الإسرائيليين هم من شنوه.

وروت معدة التقرير، الصحفية شيلي كيتلسون، أنها عاشت، في الأشهر الأولى من 2025، ما واجهه كثيرون في دمشق. فعند محاولة مشاركة الموقع، كان المستلم يتلقى موقعا في الأردن، بعيدا عن الموقع الفعلي للهاتف.

وعزا السكان المحليون ذلك إلى تشويش إسرائيلي على نظام تحديد المواقع العالمي.

ووثقت منظمة "إيتانا" غير الربحية، في تقرير صدر أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2026، نحو 3200 عملية برية إسرائيلية بين ديسمبر/كانون الأول 2024 وسبتمبر/أيلول 2026. ووقعت هذه العمليات في المنطقة منزوعة السلاح المحددة عام 1974 وفي الأراضي السورية.

وشملت العمليات إقامة نقاط عسكرية دائمة وتسيير دوريات ومداهمات واعتقالات تعسفية. وسجل سبتمبر/أيلول 2026 أعلى حصيلة شهرية بواقع 361 عملية، فيما وصلت القوات الإسرائيلية إلى مسافة نحو 27 كيلومترا من وسط دمشق.

تنسيق غائب

ورأت المديرة الأولى في مركز صوفان، كارولين روز، وهي خبيرة أميركية بارزة في تجارة الكبتاغون، أن الغارات الأردنية جاءت أساسا ضمن "حملة بدأها الأردن في 2022-2023"، استهدفت في البداية تهريب المخدرات عبر الحدود.

ووصفتها بأنها "حملة ضربات فاشلة تمتد الآن إلى مكافحة الإرهاب"، مستدركة "أعتقد أنهم تعلموا هذا الدرس بعد رؤية الضحايا المدنيين".

وأفادت روز بأن النصف الثاني من 2021 شهد "ارتفاعا كبيرا في التهريب البري لم يعرف الأردنيون حقا كيف يتعاملون معه"، في إشارة إلى تجارة الكبتاغون.

وبيّنت أن الجيش الأردني كان "يرسل مزيدا من القوات إلى الحدود، لكن الظروف الشتوية وصعوبة الطقس كانت تعرقل اعتراض محاولات التهريب ووقفها".

وتغير ذلك في 16 يناير/كانون الثاني 2022، حين "ساءت الأمور" بمقتل نقيب في الجيش الأردني على يد مهرب مسلح. وتكررت خلال 2022 و2023، وحتى 2024، حوادث بادر فيها المهربون بإطلاق النار على القوات الأردنية.

وذكّرت روز بأن ذلك "دفع الحكومة الأردنية إلى تغيير قواعد الاشتباك، أي تخفيفها مع المهربين مرات عدة". غير أن هذه التغييرات لم توقف التهريب عبر الحدود أو تقلصه بشكل ملحوظ.

ولفتت إلى أن عمّان لم تشعر في عهد نظام الأسد بأن مخاوفها تُعالج، فنفذت ضربات منفردة، خاصة في درعا والسويداء. وأعلنت أنها ستستهدف مصانع ومستودعات وأماكن اجتماعات، وحتى منازل كبار مهربي الكبتاغون.

وأبرز هؤلاء مرعي الرمثان الذي تفيد تقارير بارتباطه بنظام الأسد. وقد قتلت ضربة في مايو/أيار 2023 على مجمعه السكني زوجته وأطفاله الستة، وأثارت الضربات الأردنية حينها إدانة نظام الأسد بسبب غياب التنسيق.

ودون التعليق على الروايتين المتعارضتين، شددت روز على صعوبة منع الإرهاب العابر للحدود "دون تنسيق مباشر مع السلطات السورية".

وأردفت "أعتقد أنهم سيواجهون صعوبة في ذلك، خاصة أنه من الواضح جدا عدم وجود خط تواصل قوي في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية".

نهج براغماتي

وبحسب مراقبين، تعاملت الحكومة السورية مع الهجوم الأردني كما تعاملت مع الهجمات الإسرائيلية. فقد اتبعت نهجا متزنا، وأدركت أن عدم الاستقرار الإقليمي لا يخدم السكان ولا الحكومة نفسها.

وقيّم الزعبي أداء الحكومة دبلوماسيا بأنه "جيد"، لكنه نبّه إلى أن "المشكلة أنها لا تتواصل بشكل صحيح مع الشعب السوري".

وأثنى الحريري على تعامل الحكومة "الهادئ والواضح" مع قضايا قابلة للانفجار؛ إذ "استوعبت صدمة" عمليات القتل والاتهامات الأردنية "دون التفريط في حقوق الضحايا".

ونوّه الحريري بتشكيل لجنة أردنية سورية مشتركة للتحقيق في ملابسات الحادثة، معربا عن أمله في أن تفضي إلى قدر من العدالة.

الكلمات المفتاحية