أزمة منفذ الشيب.. صراع مصالح حدودية أم تمرد سياسي على حكومة الزيدي؟

يوسف العلي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

أثار تهديد رئيس مجلس محافظة ميسان، مصطفى دعير المحمداوي، بإعلان العصيان المدني و"فصل المحافظة عن جسد العراق"، احتجاجًا على إغلاق منفذ حدودي مع إيران، تساؤلات بشأن طبيعة التصعيد، وما إذا كان يعكس تمردًا سياسيًا مدعومًا من قوى نافذة، أم يمثل ورقة ضغط لإجبار الحكومة الاتحادية على إعادة فتح المنفذ.

وتضع الأزمة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي أمام اختبار لقدرته على فرض سلطة الحكومة الاتحادية، وسط اعتراضات سياسية واحتجاجات شعبية، وتحذيرات من أن يؤدي التراجع عن قرار الإغلاق إلى تشجيع محافظات أخرى على تحدي بغداد، وفتح مواجهة أوسع بشأن النفوذ على المنافذ الحدودية.

تصعيد محلي

بدأت الأزمة عقب قرار الحكومة العراقية، في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إغلاق منفذ الشيب حتى إشعار آخر، وسط اعتراضات محلية على التداعيات الاقتصادية والمعيشية للقرار، مقابل تأكيدات حكومية بأن الإغلاق جاء لمعالجة خروقات أمنية خطيرة مرتبطة بعمليات التهريب والتزوير.

وقال مستشار الحكومة العراقية عبد الأمير تعيبان: إن السلطات اضطرت إلى إغلاق المنفذ بعد رصد عمليات تهريب مخدرات وأموال مزورة من العملتين العراقية والأميركية، باستخدام تقنيات متطورة، إلى محافظات جنوبي البلاد، بينها ميسان وذي قار، محذرًا من تداعياتها على المواطنين والاقتصاد الوطني.

ووصف تعيبان تلك العمليات بأنها "أخطر من الصواريخ"، متهمًا "مجموعات منفلتة وتجارًا" من الجانب الإيراني بالوقوف وراء الخروقات، دون تحديد هوياتهم. وفي المقابل، أعلنت وزارة الداخلية الإيرانية استياءها من قرار الإغلاق، مؤكدة أن طهران لم تتلق إخطارًا مسبقًا بشأنه من السلطات العراقية.

وفي 25 أكتوبر/تشرين الأول، منح رئيس مجلس محافظة ميسان، خلال مؤتمر صحفي عقده عند المنفذ، الحكومة الاتحادية مهلة ثلاثة أيام لإعادة فتحه، مهددًا بإعلان العصيان المدني وإغلاق الطرق و"فصل المحافظة عن جسد العراق" إذا لم تستجب لمطلبه بحلول الخميس التالي.

وتزامنت التهديدات مع احتجاجات شهدتها المحافظة، قطع خلالها عشرات المحتجين طريق بازركان الحيوي المؤدي إلى الشركات النفطية، رفضًا لاستمرار إغلاق المنفذ، وسط انتشار أمني. وأظهر ذلك انتقال الاعتراضات من التصريحات السياسية إلى تحركات ميدانية تضغط على الحكومة الاتحادية.

وفي اليوم التالي، رد الزيدي بتوجيه إجراء تحقيق مع رئيس مجلس المحافظة، مؤكدًا ضرورة الالتزام بالقانون والسياقات الدستورية والإدارية، قبل أن تصدر محكمة تحقيق الكرخ الثالثة مذكرة قبض بحقه، وفق أحكام المادة 224 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل.

لكن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس المحافظة أعلن، في 27 أكتوبر/تشرين الأول، إخلاء سبيل المحمداوي بعد مثوله أمام القضاء. وشكر الأخير الأمين العام لحركة "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، والقضاء العراقي، مؤكدًا استمرار دفاعه عن حقوق المحافظة.

وبالتزامن، أعلن عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية صكر المحمداوي تشكيل لجنة للتحقيق في أسباب الإغلاق، بينما حذر النائب محمد الفرطوسي من ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وانقطاع مصادر رزق مئات العائلات، وتعطيل سفر مرضى للعلاج، واصفًا المنفذ بأنه "شريان اقتصادي" لميسان.

ولاءات سياسية

وفي قراءة لطبيعة التهديدات، رأى الباحث السياسي العراقي لطيف المهداوي، في تصريح لـ"الاستقلال"، أن موقف رئيس مجلس محافظة ميسان ربما كان تصرفًا فرديًا هدفه إثبات الولاء لإيران على حساب بلاده، رغم توليه منصبًا رسميًا في مؤسسات الدولة العراقية.

وأوضح المهداوي أن المحمداوي ينتمي إلى حركة "عصائب أهل الحق"، الممثلة بدورها في الحكومة العراقية، ولديها منصب نائب رئيس الوزراء، مقدرا أن هذه المعطيات تثير تساؤلات بشأن دوافع التصعيد السياسية، ومدى ارتباطه بالتنافس على إظهار الولاء لطهران.

وقال: إن "القوى السياسية والمليشيات المرتبطة بإيران تتسابق لإثبات ولائها في مثل هذه الأزمات"، موضحًا أن بعض الشخصيات تتخذ مواقف تصعيدية حتى دون قناعة فعلية بها، سعيًا إلى الظهور الإعلامي، أكثر من امتلاك استعداد لتنفيذ تهديداتها بالاعتصام أو الانفصال.

ورأى المهداوي أن تصريحات رئيس مجلس المحافظة تضمنت "إهانة حقيقية للحكومة العراقية ورئيسها علي الزيدي"؛ لأن قرار إغلاق المنفذ صدر عن أعلى سلطة تنفيذية في البلاد، ما يجعل التهديد بالانفصال تحديًا مباشرًا لقرار حكومي، وليس مجرد اعتراض إداري محلي.

وتساءل الباحث عما إذا كان بإمكان مسؤول محلي في إيران تهديد سلطات بلاده بالانفصال، احتجاجًا على قرار حكومي، منتقدًا ما عدّه غياب الموقف الوطني لدى مسؤولين عراقيين عندما تتعارض قرارات بغداد مع مصالح أو توجهات مرتبطة بإيران.

من جهته، وصف الباحث السياسي والمستشار السابق لوزارة الدفاع العراقية معن الجبوري، خلال مقابلة تلفزيونية في 25 أكتوبر/تشرين الأول، تهديد المحمداوي بأنه "تمرد مدبر مسبقًا على الدولة والدستور العراقي"، مقدرا أن خطورته تتجاوز الخلاف بشأن منفذ حدودي إلى تهديد وحدة البلاد وسلطة مؤسساتها.

وشبه الجبوري هذه التهديدات بمواقف انفصالية لدى الدروز في سوريا، متهمًا أحزابًا ومليشيات موالية لإيران باستغلال المعابر الحدودية لأغراض تتجاوز التجارة المشروعة، بينها تهريب المخدرات والأسلحة ومواد غير صالحة للاستهلاك، وهي اتهامات لم يقدم خلال مداخلته أدلة تثبتها.

وتعكس هذه المواقف تباينًا في تفسير التصعيد، بين من يراه محاولة سياسية منظمة لتحدي الدولة، ومن يرجح أنه استعراض للولاء والنفوذ دون نية فعلية للانفصال، بينما يبقى موقف القوى المرتبطة بإيران وحجم دعمها المباشر للتهديدات محل تساؤل.

هيبة الدولة

يثير الإفراج السريع عن رئيس مجلس محافظة ميسان تساؤلات إضافية بشأن قدرة الحكومة الاتحادية على التعامل مع التهديدات الموجهة إليها، لا سيما بعد انتقال الأزمة من خلاف بشأن قرار إداري إلى تصريحات تضمنت العصيان المدني وقطع الطرق وفصل المحافظة عن العراق.

وفي هذا السياق، أعرب الباحث السياسي لطيف المهداوي عن استغرابه من سرعة الإفراج عن المحمداوي دون فرض عقوبة عليه، متسائلًا عما إذا كانت السلطات ستتعامل بالطريقة نفسها مع مسؤول محلي في محافظة أخرى ذات غالبية سنية يصدر عنه تهديد مماثل.

وقال المهداوي متسائلًا: "هل لو كان رئيس مجلس محافظة الأنبار أو صلاح الدين أو نينوى هو من صدر عنه مثل هذا التصريح، فهل سيكون القرار الإفراج عنه أم معاقبته وإعفاؤه من منصبه؟"، في إشارة إلى مخاوفه بشأن تفاوت التعامل مع المسؤولين.

وفي موقف مماثل، دعا المحلل السياسي العراقي غالب الدعمي، عبر منصة "إكس" في 27 أكتوبر/تشرين الأول، إلى وقف ما وصفه بالتمرد الذي تمارسه بعض المؤسسات على الدولة، وتدخلها في ملفات تقع ضمن الصلاحيات الحصرية للحكومة الاتحادية.

وأكد الدعمي أن "المنافذ تعد مناجم ذهب تدرّ أرباحها على مافيات خارجة عن القانون"، مقدرا أن القرار الحكومي بمنع مجلس محافظة ميسان من التدخل في ملف منفذ الشيب كان في محله، نظرًا إلى طبيعة الصلاحيات المرتبطة بإدارة الحدود.

ويضع هذا الموقف الخلاف في إطار أوسع من المطالب الاقتصادية المحلية؛ إذ يثير تساؤلات بشأن الجهات المستفيدة من حركة المنافذ الحدودية، ومدى قدرتها على التأثير في القرارات الحكومية، خصوصًا في ظل الاتهامات المتعلقة بعمليات التهريب التي تحدث عنها المستشار الحكومي.

وحذّر المستشار السابق في وزارة الدفاع معن الجبوري من أن رضوخ الحكومة للتهديدات سيشكل تراجعًا عن هيبة السلطة الاتحادية، ويمنح القوى الداعمة للتصعيد فرصة لفرض إرادتها على مؤسسات الدولة، بما قد يحول أزمة منفذ الشيب إلى سابقة تستفيد منها أطراف أخرى.