عقدة الفرنسية.. لماذا لا يحترم وزراء حكومة المنصوري بالمغرب اللغة العربية؟

"هذا الحزب فقد البوصلة ولم يبق في جعبته أي مشروع يخص لغتنا وهويتنا؟"
رغم رحيل المستعمر الفرنسي عن مستعمراته السابقة بعدد من الدول الإفريقية، إلا أنه أبقى لغته مهيمنة على اللغات الوطنية المحلية، ومن ذلك في المغرب، وسط دعوات لطي هذه الصفحة وإعادة التقدير للغة العربية في التداول المؤسساتي الرسمي بالبلاد.
حيث شكلت لقاءات تسليم المهام بين أعضاء الحكومة الجديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري وأعضاء حكومة سلفها عزيز أخنوش، مناسبة لإعادة الجدل والنقاش في هذا الموضوع، بعد حديث عدد من الوزراء بلغة موليير بدل اللغة الدستورية للمملكة.
وشاهد عموم المواطنين المغاربة مقاطع فيديو لرئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري وهي تتحدث بالفرنسية خلال لقائها بأخنوش، السبت 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2026 بمقر رئاسة الحكومة بالرباط.
“لسنا دولة فرنسية”
وفي هذا الصدد، ذكر موقع "طنجة تايمز"، أن حديث رئيسي الحكومة السابقة والحالية باللغة الفرنسية فيه خرق سافر لدستور المملكة وإهانة بالغة للشعب المغربي.
وأضاف الموقع في منشور عبر حسابه على فيسبوك، "نحن لسنا دولة فرنسية". مشيرا إلى أن "الدستور ينص على اللغة العربية لغة رسمية وإلى جانبها اللغة الأمازيغية".
من جانبه، انتقد رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، فؤاد بوعلي، الحديث باللغة الفرنسية خلال لقاء تسليم المهام بين وزير الصحة المنتهية ولايته والوزير الجديد.
ووفق ما نشر موقع "العدالة والتنمية" بتاريخ 19 أكتوبر، قال بوعلي: إن الحديث الذي سمعناه ليس لوزير الصحة الفرنسي ولا جانبا من مؤتمر صحفي لعمدة بروكسيل، ولا محافظ مدينة بودو يتحدث للصحفيين.
وأردف، بل هو يونس بجيجو، وزير الصحة والحماية الاجتماعية في الحكومة المغربية الجديدة، وهو يلقي كلمة باللغة الفرنسية خلال حفل تسلّم السلطـة من سلفه.
وتابع: "أخبرونا رجاء، هل تسلّم الوزارة أم تسلّم الجنسية الفرنسية معها؟"، مشددا أن "المنصب مغربي، والوزارة مغربية، والمشاكل مغربية، والمواطن مغربي… وحده الخطاب يحمل تأشيرة شنغن".
كذلك وصف الناشط السياسي محمد أمحجور، ما يجرى بأنه إعادة تذكير لنا بـ "عقدة الفرنسية"، أو حينما يغادر "الخواجة" ويترك قَيْدَهُ..
وأضاف أمحجور في منشور عبر فيسبوك بتاريخ 17 أكتوبر، "أتصور مشهدا لتسليم السلط بين وزيرين فرنسيين يخاطب بعضهما البعض وعموم الحاضرين باللغة الألمانية.. ولكم أن تتصوروا مثل هذا المشهد في إسبانيا وإنجلترا واليابان والصين وعموم دول الإفرنج..".
وأردف: "قبل السيادة الغذائية والطاقية وما جاورهما، هناك سيادة لا تحتاج خطة ولا سياسة ولا ميزانية.. تحتاج فقط لسانا يدور من اليمين إلى اليسار..".
من جانبه، رأى الناشط عبيد الله فؤاد، أن "استهلال الوزير لأول ظهور رسمي له باللغة الفرنسية يجسد أزمة صريحة في الشرعية التواصلية والرمزية".
وأضاف فؤاد في تفاعل عبر فيسبوك؛ "إذ كيف لقطاع يعد العصب الرئيس للدولة الاجتماعية أن يدار بلسان أجنبي يصنع جدارا عازلا بين الإدارة والمواطن ويغيب التواصل المباشر مع نبض الشارع".
ورأى الناشط أن الانزلاق نحو لغة أجنبية منذ أول كلمة يسقط شرط الحس السياسي الذي نصّت عليه الأغلبية، والافتقار لأبسط أدوات الخطاب السياسي القادر على التعبئة وإعادة بناء الثقة.
وفي مواجهة هذا المد ومعرفة كلفته على المغرب والمنطقة، دعا الفاعل المدني المهتم باللغة العربية أحمد القاري، إلى خلق تعاون بين مجموعة من المتخصصين والباحثين لإنجاز دراسات حول تكلفة الفرنسة في دول المغرب العربي.
وأضاف القاري في منشور عبر فيسبوك بتاريخ 21 أكتوبر، "يمكن تقسيم العمل إلى دراسات فرعية قطاعية على مستوى كل بلد، والبداية يمكن أن تكون بدراسة تكلفة إقحام الفرنسية في عمل وزارة المالية وأجهزتها رغم اضطرارها للعمل جزئيا على الأقل باللغة العربية بسبب مقتضيات قانونية وبسبب عمل السلطتين التشريعية والقضائية بالعربية حصريا".
وشدد الفاعل المدني على أن استخدام اللغة العربية في الوزارة يوضح أن إمكانية التخلص من الفرنسية قائمة، لكن عنادا تاريخيا للمتفرنسين يحول دون اتخاذ ذلك القرار.
هندسة قبلية
أكد الأمين العام لحزب النهضة والفضيلة، محمد كفيل، أن حديث وزير الصحة المغربي الجديد باللغة الفرنسية في أول إطلالة إعلامية له لم يكن مجرد تفصيل عابر، بل كان مناسبة لإعادة طرح سؤال أعمق من اللغة ذاتها: من يملك القرار حين تظل النخب التي تدير الدولة أسيرة منظومة ثقافية واقتصادية تشكلت خارج حدودها؟
وأوضح كفيل في مقال رأي نشره موقع "موطني نيوز" المحلي بتاريخ 18 أكتوبر، أن من يتأمل المسارات الدراسية والتكوينية لعدد من أعضاء الحكومة، يلاحظ حضورا لافتا للتكوين الفرنسي في سيرهم الذاتية.
وذكر أن من بين الأسماء التي تستحق التوقف عند مساراتها: يونس بجيجو، عبد الوافي لفتيت، نزار بركة، نبيل بنعبد الله، محمد المهدي بنسعيد، عز الدين الميداوي، أحمد رحو، جلال شرف، سمير بلفقيه، وفاطمة الزهراء المنصوري.
وأشار كفيل إلى أن الدراسة في فرنسا لا تعني في حد ذاتها تبعية سياسية أو اقتصادية؛ لكن اجتماع هذه الخلفيات داخل دوائر تدبير الشأن العام يفتح نقاشا ضروريا حول طبيعة النخب التي تصنع القرار، والمرجعيات التي تستند إليها، ومدى قدرة المدرسة الوطنية على إنتاج بدائل مستقلة.
ولذلك، يتابع الأمين العام للحزب: "لا أرى أن من السذاجة السياسية التساؤل عما إذا كان هذا النمط مجرد صدفة، أم أنه يعكس استمرار تأثير يتجاوز التعليم إلى هندسة القرار الاقتصادي والثقافي".
وأشار كفيل إلى أن الاستعمار العسكري انتهى، لكن الاستقلال لا يُقاس برفع العلم وحده؛ بل بمدى امتلاك الدولة قرارها الاقتصادي، واستقلالها الثقافي، وقدرتها على التفكير بلغتها دون أن تستعير من الخارج شرعية المعرفة أو مفاتيح التحديث.
وهنا، يقول الكاتب، "تكمن إحدى أعقد مفارقات المغرب: دولة مستقلة سياسيا، لكنها ما زالت تمنح اللغة الفرنسية مكانة تتجاوز وظيفتها كلغة أجنبية، حتى أصبحت في قطاعات واسعة بوابة للنفوذ والامتياز وصناعة القرار".
وشدد أن الإشكال أصبح في أن الفرنسية تحولت إلى شرط غير معلن للوصول إلى مراكز القرار، كما أصبح التكوين الفرنسي معيارا ضمنيا للكفاءة، بينما تُدفع اللغة الوطنية إلى الهامش في الإدارة والاقتصاد وإنتاج المعرفة.
وأكد كفيل أن "الدول لا تنهض باستعارة لسان غيرها، بل ببناء العلم والمؤسسات والاقتصاد بلغتها، مع الانفتاح على العالم من موقع الندية لا التبعية"، منبها إلى أن الاستقلال الثقافي والتحرر من التبعية الفكرية شرط للتحرر الحقيقي.
وعليه، رأى الأمين العام للحزب أن الاستقلال الذي لا يتحول إلى استقلال في اللغة والمعرفة والاقتصاد يظل استقلالا منقوصا، منبها إلى أن المغرب يحتاج إلى تحرير قراره من كل علاقة غير متكافئة، وإعادة التقدير إلى لغاته الوطنية، ومراجعة اتفاقياته ومصالحه على أساس الشفافية والمنفعة المتبادلة.

حسابات إيديولوجية
وفي تفاعله مع الموضوع، ذكر الكاتب والباحث الأكاديمي إدريس الكنبوري، أن أكاديمية اللغة العربية التي تحدث عنها خطاب ملكي ما تزال ترقد منذ ربع قرن في درج منسي.
وتابع الكنبوري في منشور عبر فيسبوك بتاريخ 20 أكتوبر، أن "المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية" الذي نص عليه دستور 2011 مضت عليه 15 سنة دون أن يرى النور، مثله مثل ربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويرى الكاتب أن هذا التعطيل يندرج في إطار صراع إيديولوجي ضد اللغة العربية، وأنّ اللغة العربية في المغرب تخضع لموازين القوة السياسية والايديولوجية لا للمعايير الثقافية الوطنية.
وشدّد الكنبوري أن هذا الصمت حولها يكشف وجود مؤامرة عليها، لأن خطاب بعض المتشددين المعادين للعربية يربطها بالهوية الإسلامية، بل هناك من يربط بينها وبين الإسلاميين، ويرى أن إقصاءها جزء من استهداف الهوية الإسلامية.
ونبَّه الباحث الأكاديمي إلى أننا إذا ربطنا الموضوع بالجدل حول مدونة/قانون الأسرة والرغبة في ضرب الجوانب الشرعية فيها، أدركنا أن اللغة العربية ليست مجرد لغة بل مضمون حضاري معرض للاستهداف.
وتوقف الكنبوري عند تصريح سابق لنبيل بنعبد الله الذي عين وزيرا للتربية الوطنية في حكومة المنصوري، قال فيه قبل عام إنه يجب تجديد أو تحديث مفردات مدونة الأسرة كالمهر والعدة والطلاق البائن وغيرها لتصبح مفردات معاصرة، مما يبين أن اللغة العربية حاضرة في كل القضايا المتعلقة بالإسلام في المغرب، وبأنها ليست مجرد أداة للكلام بل وعاء للإسلام.
وخلص الكنبوري إلى التأكيد أن الهوية الإسلامية للمغرب مستهدفة، وأن محنتها تكمن في أن خصومها كثيرون ومتعددو المشارب من الأمازيغي المتطرف إلى الفرانكوفوني والمتصهين ودعاة الدارجة والمتلاعبين بالآيات وأصحاب الإصلاح الديني والقرآنيين.
قراءة سياسية
قال العالم اللساني عبد العلي الودغيري: إن الفصل الخامس من دستور 2011 تحدث بوضوح عن اللغة العربية وتنميتها وتطويرها وحمايتها، حيث نص بشأنها على الآتي: "تعمل الدولة على حمايتها وتطويرها، وتنمية استعمالها".
وذكر الودغيري لـ "الاستقلال"، أن عرض رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري لبرنامج حكومتها بالبرلمان يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، تجاهل الحديث عن هذا النص الدستوري تماما.
وعليه، تساءل العالم اللساني عن السبب الذي يجعل الحكومات المتوالية تقفز عن هذه الفقرة الهامة من الدستور، وكأنها ليست منه.
واسترسل، مع أنها تبذل الجهود القصوى لترسيخ وجود اللغة الأجنبية عبر التعليم والإعلام والإدارة وغيرها، مع أن وجودها غير دستوري، وتعمل على توسيع نطاقها وفرض هيمنتها بكل ما تستطيع وما لا تستطيع.
ودعا الودغيري الحكومة إلى التفكير على الأقل في تفعيل القانون الصادر بالجريدة الرسمية منذ 2003، الذي ينص على إحداث أكاديمية محمد السادس للغة العربية، وإحيائه وفك أسره بعد تجميد دام ثلاثة وعشرين عامًا، دون تقديم أي عذر أو تفسير لهذا التجميد الظالم، وكأن الدولة يحق لها أن تسنّ القوانين حين تشاء، ثم تعود لطمسها وتجميدها حين تشاء أيضا.
وشدد المتحدث ذاته أن الحكومة مطالبة بأن تدعم اللغة العربية ماديا ومعنويا، وأن تفرد ذلك في باب واضح لخدمتها تطبيقا وتفعيلا للمقتضيات الدستورية.
وفي هذا الصدد، تساءل الودغيري عن مشروع حزب الاستقلال الذي قدّمه لهذه الحكومة التي يشارك فيها بالنصيب الأوفر، من أجل النهوض بوضعية العربية وحمايتها وتنميتها وتطويرها، وهو الحزب الذي بنى تاريخه النضالي الحقيقي كله على الدفاع عن العربية والثقافة الإسلامية.
وزاد، أم أن هذا الحزب فقد البوصلة ولم يبق في جعبته أي مشروع يخص لغتنا وهويتنا؟ وتخلت قيادته عن مبادئ حزبها وزعيمها وباعت مجدَ روّادها الماهدين بثمن بخس لا يزيد عن بضعة مقاعد وزارية في حكومة لا تهش ولا تنش؟
وخلص إلى أن "لسان حال أعضاء الحكومة الحالية، خاصة قيادة حزب الاستقلال كمن يردد ما صرنا نسمعه من بعض سفهاء قومنا، حين يقولون: العربية استنفدت حقها ولم تعد في حاجة إلى دعم لا مادي ولا معنوي".

نداء مجتمعي
ولارتباط مشكل الفرنسة وهيمنتها على المجال العام بالتعليم، فقد سبق لـ "حركة التوحيد والإصلاح" أن حذّرت من التراجعات الملموسة في موضوع اللغة العربية في المناهج والبرامج الدراسية للموسم 2026-2027.
وذكرت الحركة في منشور عبر موقعها الإلكتروني بتاريخ 03 أكتوبر 2026، أن هذه التراجعات تتجلى في تهميش قيم الهوية الحضارية للأمة، وتغييب القضايا التربوية الجامعة كالقضية الفلسطينية، فضلا عن تقليص أدوار اللغة العربية في تدريس المواد العلمية.
وأكّدت الحركة أن هذا المسار يتناقض مع المقتضيات الدستورية والمرجعيات الوطنية للإصلاح التي تعتمد اللغة العربية لغة تدريس أساسية، إلى جانب الاستمرار في تغييب الإطار التربوي الإيجابي للتناوب اللغوي.
وأوضح المصدر ذاته أن المنهاج المدرسي الحالي يعاني من ضعف انسجام منظومة القيم وتهميش المكانة التاريخية والحضارية للمملكة المغربية داخل الأمة الإسلامية.
وأردف، وإلى جانب ذلك، تكاد تغيب قضية فلسطين والقدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك التي تشكل جوهر اهتمام الشعب المغربي والأمة قاطبة.
وعلى صعيد لغات التدريس، انتقدت الحركة الاستمرار في فرض تدريس المواد العلمية بلغة أجنبية دون مراعاة التأهيل والتعميم المتوازن للغتين الرسميتين العربية والأمازيغية، مع تعميق التخبط اللغوي في الثانوي والعالي.
وطالبت الحركة بالحرص على تربية الأجيال الناشئة وفق القيم المغربية الجامعة والاعتزاز بالهوية الإسلامية والحضارية.
كما دعت إلى إعادة التقدير للغتين الرسميتين، لا سيما اعتماد اللغة العربية لغة أساسية لتدريس المواد الدراسية كافة اقتداء بالدول المتقدمة تربويا، وتفعيل التناوب اللغوي بمدلوله التربوي المنسجم لإنهاء الإقصاء اللغوي المسجل حاليا.

















