بين التخصيب ومنع الانتشار.. لماذا يثير الاتفاق النووي السعودي مخاوف نيودلهي؟

“إدارة ترامب ربطت الاتفاق بالتقارب السعودي مع إسرائيل”
تتشكل ملامح مرحلة جديدة من التعاون النووي المدني بين الولايات المتحدة والسعودية، تمتد تداعياتها إلى الهند، التي تسعى إستراتيجيا إلى تجنب مشكلات انتشار نووي جديدة في محيطها الإقليمي الممتد.
ويمنح الاتفاق الرياض مرونة في تطوير قدرات التخصيب وإعادة المعالجة تتجاوز ما قبلته واشنطن للإمارات عام 2009، ما يهدد مصداقية معايير منع الانتشار الأميركية ويغذي تصاعد التحوط النووي في الشرق الأوسط.
جاء ذلك في تقرير نشرته "مؤسسة أوبزيرفر للأبحاث" الهندية، دعت فيه واشنطن إلى التركيز على التحقق الصارم، وفرض قيود متسقة على أنشطة دورة الوقود النووي، وتعزيز التعاون الإقليمي، بدلا من الحسابات الجيوسياسية.
ووُقّع الاتفاق في يوليو/تموز 2026، محددا شروط التعاون الأميركي مع البرنامج النووي السعودي، ويُعرف باسم "اتفاق 123"، نسبة إلى المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأميركي الصادر عام 1954.
وينظم الاتفاق شروط نقل المواد والمفاعلات والمعدات والتكنولوجيا النووية، إلى جانب متطلبات منع الانتشار.
ولا تقتصر أهميته على الصناعة النووية، إذ تمثل الطاقة النووية بُعدا آخر لإستراتيجية التنويع السعودية، ووسيلة لتعميق الشراكة الأميركية في منطقة أبدت فيها الصين وروسيا اهتماما راسخا.
وأشارت المؤسسة إلى أن الاتفاق وُقّع في مرحلة معقدة من السياسة النووية في الشرق الأوسط، حيث ظل البرنامج النووي الإيراني عاملا رئيسا في الأمن الإقليمي، وارتبطت السياسة النووية السعودية بتطوراته.
كما ربطت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الاتفاق بالتقارب السعودي مع إسرائيل.
ورأى التقرير أن الاتفاق لا يقتصر على كونه خطوة جديدة في التعاون الثنائي، إنما يمثل أداة لترسيخ سابقة ستحدد المسار المستقبلي للشؤون النووية في المنطقة.

سابقة الإمارات
وبموجب اتفاق التعاون النووي الذي أبرمته الإمارات مع الولايات المتحدة عام 2009، تخلت أبو ظبي عن حقها في تخصيب اليورانيوم محليا وإعادة معالجة الوقود المستهلك.
وأوضحت المؤسسة أن الإمارات أصبحت بذلك "المعيار الذهبي" للتعاون الأميركي في مجال البرامج النووية المدنية، بعدما قبلت قيودا على أنشطة تسمح بها معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، لكنها قد تفضي إلى تطوير برنامج للتسلح النووي.
ونفذت الإمارات برنامجها النووي المدني دون تطوير قدرات محلية للتخصيب، ما يثبت، بحسب التقرير، إمكانية تشغيل دولة خليجية برنامجا للطاقة النووية مع قبول قيود إضافية.
في المقابل، تتردد السعودية تقليديا في اتباع النموذج الإماراتي، إذ تتمسك بحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية بموجب المعاهدة، وتسعى إلى إنشاء دورة وقود نووي خاصة بها.
وأشار التقرير إلى أن سعي السعودية إلى تطوير برنامج للطاقة النووية ليس مريبا في حد ذاته، كما أن التخصيب لا يعني بالضرورة وجود برنامج للتسلح النووي، غير أن الوضع الإقليمي يثير قلق الخبراء.
ولفتت المؤسسة إلى أن التجربة الإيرانية أظهرت أهمية امتلاك برنامج وطني لتخصيب اليورانيوم، إذ يمنح الدولة نفوذا أكبر على برنامجها النووي من خلال تقليص اعتمادها على الآخرين وتعزيز كفاءتها التقنية، وهي مزايا تدركها السعودية.
وأضافت أن الإنجازات النووية الإيرانية تمثل للسعودية مسألة إستراتيجية تتجاوز تقديرات منع الانتشار، فقد ترى الرياض في تطوير تكنولوجيا دورة الوقود ضرورة لمجاراة طهران والحفاظ على استقلالها في منطقة مضطربة.
وحذر التقرير من أن السعودية قد تؤدي، من خلال هذه الخطوة، إلى تفاقم التهديدات التي تستشعرها إيران.
وتكمن المشكلة، وفق التقرير، في الموازنة بين الحاجة إلى الطاقة النووية المدنية والتداعيات الأمنية الإقليمية لتطويرها.
معضلة التخصيب
ويزيد الاتفاق من أهمية هذه المسألة، إذ لم يقتصر على الإخفاق في حسم وضع السعودية، بل أتاح لها إمكانية التخصيب ضمن برنامجها النووي المدني، ولو بشكل محدود.
ويحدد الاتفاق مستوى التخصيب الأولي عند 5 بالمئة من اليورانيوم-235، مع إمكانية رفعه إلى 20 بالمئة بناءً على دراسات ومشاورات لاحقة.
وأقرت المؤسسة الهندية بأن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية تجيز التخصيب للأغراض المدنية، وأن التخصيب دون المستوى العسكري لا يثبت وجود برنامج للتسلح النووي.
لكنها شددت على وجود فارق واضح بين الاتفاقين السعودي والإماراتي.
فبينما يُلزم الاتفاق الإماراتي أبو ظبي بعدم إنشاء بنية تحتية محلية للتخصيب وإعادة المعالجة، لا تخضع الرياض لالتزام مماثل.
ودفع ذلك عددا من الخبراء والمنتقدين إلى دعوة واشنطن للتفكير ليس فقط فيما تعتزم السعودية القيام به حاليا، بل أيضا فيما قد تسعى إليه حكومة سعودية مستقبلية في حال امتلاكها بنية تحتية قائمة لدورة الوقود النووي.
ولم ينته مسار الاتفاق بتوقيعه في يوليو/تموز؛ إذ أُحيل إلى الكونغرس.
وفي 16 سبتمبر/أيلول، قدم نواب إلى لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب مشروع القرار المشترك "H.J. Res. 217"، الذي يستهدف رفض الاتفاق.
واستند المشروع إلى خلو الاتفاق من بند يمنع السعودية من تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود محليا، أو يُلزمها بتوقيع البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ورأى التقرير أن هذه الخطوة كشفت المعضلة الكامنة في الاتفاق، وهي ما إذا كانت واشنطن قادرة على تعميق تحالفها الإستراتيجي مع الرياض دون إضعاف قواعد منع الانتشار.
ويحمل الاتفاق بُعدا سياسيا أيضا، حيث ربطه الرئيس ترامب بانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام وتطبيع علاقاتها مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.
وبحسب المؤسسة، قد يؤدي ذلك إلى إخضاع الاتفاقات النووية للمساومات الجيوسياسية. ولتفادي هذا المسار، ينبغي فصل معايير التعاون في مجال الطاقة النووية عن المساومات السياسية، وإخضاع شروط نقل أي تكنولوجيا نووية حساسة لتقديرات منع الانتشار.

أبعاد إقليمية
وأوصت المؤسسة بفرض تدابير تحقق صارمة بعد توقيع الاتفاق، تشمل توقيع السعودية على البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنح المفتشين صلاحيات أوسع للوصول إلى المعلومات والمنشآت.
وأوضحت أن هذه التدابير قد لا تبدد جميع مخاوف الانتشار النووي، لكنها ستحد من الغموض في منطقة تتصاعد فيها تصورات التهديد.
ورأى التقرير أن البرنامج النووي السعودي لا يمكن التعامل معه بوصفه شأنا ثنائيا خالصا بين واشنطن والرياض، إذ ستؤثر القدرات الإيرانية في القرار السعودي الذي سينعكس بدوره على إيران، فضلا عن تأثير العلاقة الأميركية الإسرائيلية والاعتبارات الأمنية.
وأضافت المؤسسة أن دولا أخرى، مثل تركيا ومصر، قد تعيد النظر في برامجها النووية بمرور الوقت.
ودعت إلى أن تشمل أي إستراتيجية طويلة الأمد تعاونا إقليميا وتحققا دوليا، وربما إخضاع منشآت دورة الوقود الحساسة لإدارة متعددة الجنسيات.
وشدد التقرير على ضرورة جعل التعاون الإقليمي خيارا أكثر جاذبية من سعي الدول إلى تطوير قدراتها النووية تحسبا للتهديدات المحيطة بها.
فإذا رأت الدول أن استقلالها الإستراتيجي يتطلب امتلاك قدرات التخصيب، فقد تشهد المنطقة تطور تقنيات مشروعة في حد ذاتها، لكنها تصبح خطيرة عند اجتماعها.
ولفتت المؤسسة إلى أن القدرات الإيرانية قد تؤثر في تصورات التهديد السعودية، مثلما قد تؤثر القدرات السعودية في الحسابات الإيرانية، فيما يتأثر الطرفان بالتقديرات الأمنية الإسرائيلية، وقد يؤدي ذلك إلى وضع يدفع فيه انعدام الأمن الدول إلى مزيد من التطوير النووي.
ودعت المؤسسة واشنطن إلى اعتماد النموذج الإماراتي فيما يتعلق بالتخصيب وإعادة المعالجة، وتعزيز أنظمة التحقق التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفصل الضمانات النووية عن المساومات السياسية، وإنشاء مؤسسات إقليمية تحد من الحوافز إلى امتلاك دورات وقود وطنية.
وأضافت أن السعودية أمام فرصة لإثبات قدرة دولة عربية رئيسية على تطوير برنامج مدني للطاقة النووية دون التسبب في معضلة جديدة لانتشار الأسلحة النووية.
أما بالنسبة إلى الهند، فأشارت المؤسسة إلى أن الاتفاق تتجاوز أهميته منطقة غرب آسيا؛ إذ تمتلك نيودلهي طموحات متنامية في مجال الطاقة النووية المدنية، وطالما دعمت حصول الدول النامية على التكنولوجيا النووية، كما أن لديها مصلحة إستراتيجية في تجنب مشكلات انتشار جديدة في محيطها الإقليمي الممتد.
وأوضحت أن الهند تستطيع المساهمة في دعم البرنامج النووي المدني السعودي، بالتوازي مع الدعوة إلى وضع معايير دولية صارمة تحول دون التنافس الإقليمي على امتلاك قدرات دورة الوقود النووي.
وأكدت أن إتاحة التكنولوجيا النووية للأغراض المدنية ومنع الانتشار ليسا هدفين متعارضين بطبيعتهما.
وخلص التقرير إلى أن نجاح الاتفاق يُقاس بالسابقة التي يرسيها لتطوير البرامج النووية، وليس ببناء المحطات أو التقديرات التجارية أو اتساع نطاق العلاقات الثنائية.
واستطرد: “ففي حين تُظهر التجربة الإماراتية إمكانية اقتران التعاون النووي الأميركي بقيود جدية على الأنشطة الحساسة لدورة الوقود، يمثل الاتفاق مع السعودية حالة مختلفة تماما؛ حيث يفتح الباب أمام التخصيب، ويترك مسائل عديدة تتعلق بالتحقق وتطوير دورة الوقود دون إجابات واضحة”.
وختمت المؤسسة بالتأكيد على “ضرورة فصل واشنطن المعايير الحاكمة للتعاون النووي عن الحسابات الإستراتيجية المرتبطة بالتطبيع السعودي الإسرائيلي وغيره من الروابط الأمنية”.
















