ليبيا.. من يحسم شرعية الانتخابات وسط انقسام القضاء؟

تعود جذور المأزق إلى انتقال الصراع على الشرعية السياسية إلى المؤسسات القضائية الليبية
انتقل البحث عن انتخابات ليبية مقبولة النتائج إلى قلب المؤسسة المكلفة بحماية شرعيتها، مع اجتماع لجنة "4+4" في لندن يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026، لمناقشة توحيد القضاء ومتابعة اتفاقها السياسي.
وأمام مرجعيتين تتنازعان الرقابة الدستورية ورئاستين للمجلس الأعلى للقضاء، تواجه اللجنة اختبار تحويل التفاهم بين القوى المتنافسة إلى تسوية تحظى بقبول القضاء وتحفظ استقلاله.
ويتقدم هذا الملف بالتوازي مع مباحثات توحيد المؤسسة العسكرية، بما يربط مستقبل الانتخابات بقدرة الدولة على إنفاذ القانون. فإلى أي مدى تستطيع اللجنة تجاوز الانقسام القضائي؟ وكيف توفق بين ضرورات التوافق السياسي وضمانات الاستقلال؟ وما العوائق التي قد تحول دون الوصول إلى انتخابات يقبل الجميع نتائجها؟

توافق يبحث عن شرعية
خرج اجتماع لندن باتفاق على توسيع المشاورات مع مختلف مكونات المؤسسة القضائية، ومواصلة التواصل مع الفاعلين السياسيين لحشد الدعم لاتفاق 30 أغسطس/آب.
ولم يتضمن البيان الأممي إعلان تشكيل قضائي جديد أو تسوية نهائية لتنازع الاختصاصات. وتعكس هذه النتيجة المرحلة التي بلغتها اللجنة؛ إذ انتقلت من مناقشة ترتيبات الانتخابات إلى محاولة معالجة الخلافات المؤسسية التي قد تعرقلها، مع بقاء القرارات التنفيذية رهنا بتوافق أوسع من المشاركين في الاجتماع.
وتستمد اللجنة وزنها من جمع شخصيات مرتبطة بحكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة في الشرق، إلى جانب شخصيات من مجلسي النواب والدولة.
وقد بدأت اجتماعاتها في روما خلال أبريل/نيسان 2026، ثم تواصلت في تونس، وصولا إلى اتفاق أغسطس الذي تناول إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات، ومعالجة الخلافات حول الإطار الانتخابي، والعمل لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهرا تحت سلطة تنفيذية موحدة. ويتيح هذا التمثيل التفاوض مع مراكز نفوذ تملك التأثير في تنفيذ الترتيبات أو تعطيلها.
لكن حدود هذه القدرة ظهرت عند اعتماد الاتفاق، بعدما أيده مجلس النواب في 14 سبتمبر/أيلول 2026، ورفضه المجلس الأعلى للدولة في 5 أكتوبر/تشرين الأول، مستندا إلى اعتراضات دستورية وقانونية ومؤسسية.
وأوضحت المبعوثة الأممية هانا تيتيه أن الحوار المصغر ليس الآلية الوحيدة لدفع العملية السياسية، مع بحث آلية وطنية أوسع. وهنا يبرز الفارق بين نفوذ اللجنة وصلاحيات المؤسسات، فالتفاهم السياسي يحتاج إلى مسار قانوني يمنحه الإلزام، وإلى قبول قضائي يمنع تحوله إلى مصدر جديد للطعن.
ويضع الاتفاق السياسي الليبي لعام 2015 رئيس المحكمة العليا والنائب العام ضمن المناصب السيادية التي تستلزم التوافق، بما يؤكد أن التعيينات القضائية تخضع لترتيبات مؤسسية أوسع من اللجنة، وأن تجاوزها قد يتيح طعونا جديدة.
صراع المرجعيات
تعود جذور المأزق إلى انتقال الصراع على الشرعية السياسية إلى المؤسسات القضائية، ثم تحوله إلى خلاف على صاحب الاختصاص الدستوري. ففي ديسمبر/كانون الأول 2022 أقر مجلس النواب إنشاء محكمة دستورية، وصدر القانون رقم 5 لسنة 2023 محددا بنغازي مقرا لها.
ونقل القانون إليها الدعاوى الدستورية، وغير اسم المحكمة العليا إلى محكمة النقض، ومنح مجلس النواب صلاحية تعيين التشكيل الأول للمحكمة الجديدة، ما جعل النزاع يتصل بالاختصاص وآلية اختيار القضاة معا.
ورفضت المحكمة العليا هذا المسار، مستندة إلى أحكام دائرتها الدستورية ضد تشريع إنشاء المحكمة البديلة. وفي المقابل، أصدرت محكمة بنغازي في ديسمبر/كانون الأول 2025 حكما عد أحكاما سابقة للدائرة الدستورية منعدمة، استنادا إلى موقفها من انتهاء ولاية الدائرة.
ثم توالت أحكام متعارضة خلال مطلع 2026 بشأن تشريعات المؤتمر الوطني العام وتنظيم المجلس الأعلى للقضاء، لتصبح حجية الحكم والجهة المخولة بإصداره جزءا من النزاع، بدلا من أن تشكلا مرجعا متفقا عليه لحسمه.
وامتد الخلاف إلى إدارة شؤون القضاة، بعدما عدل القانونان 22 و32 لسنة 2023 رئاسة المجلس الأعلى للقضاء وتركيبته، مع دور حاسم لمجلس النواب في تعيين رئيسه.
ووثق تقرير الأمين العام للأمم المتحدة انتقال التنازع في فبراير/شباط 2026 إلى السيطرة على مقر المجلس ونقل إدارات إلى بنغازي. وهكذا تشكل ازدواج عند قمة الإدارة القضائية، يطال التعيينات والنقل والتفتيش، بالتوازي مع ازدواج المرجعية الدستورية.
وهذا يفسر صعوبة اختزال التوحيد في اختيار رئيس توافقي؛ إذ تبقى تسوية الاختصاص والأحكام المتعارضة وآثار القرارات السابقة مطلوبة لضمان عمل المؤسسة على أساس قانوني واحد، وحماية حقوق المتقاضين من تبعات الخلاف. وتشمل المعالجة أيضا وضع الموظفين والميزانيات والأرشيف، كي لا تبقى إدارتان فعليتان تحت عنوان التوحيد.

حدود التسوية
لمعالجة هذا التشابك، نقل العربي الجديد، قبيل اجتماع لندن، عن مصادر مقربة من اللجنة مقترحات لإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء تحت مسمى "المجلس الأعلى للهيئات القضائية"، وإعادة تشكيل الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا من تسعة أعضاء، ومراجعة التشريعات المتعلقة بالقضاء الصادرة بعد 2014. وتأتي هذه التصورات ضمن جهود وساطة قضائية ليبية مستقلة، أكدت البعثة الأممية أن دعمها لها فني ومحدود عند الطلب، وأنها لا تشارك في جلساتها الداخلية.
وفي صيغة سابقة نشرتها بوابة الوسط، يقوم اختيار أعضاء الدائرة على ثلاثة ترشحهم الجمعية العمومية للمحكمة العليا، وثلاثة يختارهم المجلس الأعلى للقضاء، وثلاثة أساتذة متخصصين ذوي خبرة من جامعات طرابلس وبنغازي وسبها.
وتقترح الصيغة أن يعين مجلس النواب رئيس المجلس القضائي من بين ثلاثة مرشحين يختارهم المجلس من أعضائه. وتكشف هذه الترتيبات محاولة الجمع بين التمثيل المؤسسي والجغرافي، لكنها تفتح سؤال استقلال الأعضاء عن الجهات التي تختارهم، وحدود الدور السياسي في التعيين. وتظل هذه التفاصيل مقترحات سابقة، دون إعلان اعتمادها نهائيا في لندن.
ويقابلها اعتراض يتصل بشرعية الطريق إلى الإصلاح. فالجمعية العمومية لمحكمة استئناف طرابلس تمسكت، قبيل الاجتماع، بوحدة القضاء واستقلاله وحجية أحكام المحكمة العليا، ورفضت تعديل قوانينه بإجراءات استثنائية أو قرارات أحادية خارج المسار الدستوري.
ومن جهتها، سبق لمحكمة بنغازي رفض الوساطة، مؤكدة صحة قانون إنشائها. ويضع اختلاف المرجعيات اللجنة أمام معضلة بناء اتفاق تقبله مؤسسات تتنازع أساس اختصاصها.
كما أن التوزيع المتوازن للمقاعد يحتاج إلى ضمانات للكفاءة والنزاهة والحماية من العزل والنقل التعسفي، حتى يتحول التوافق إلى استقلال فعلي، وتبقى الرقابة على السلطات قائمة بعد إعادة تشكيل الهيئات القضائية. ويقر الإعلان الدستوري استقلال القضاء وحق التقاضي، ويحظر تحصين القرارات الإدارية من رقابته.

من يحسم النتيجة؟
تكتسب هذه الضمانات وزنها من الدور الذي يؤديه القضاء في تحديد من يخوض الانتخابات وكيف تُحسم منازعاتها. فالقانون رقم 28 لسنة 2023 بشأن الانتخابات الرئاسية ينظم الطعون في شروط الترشح والنتائج الأولية أمام محاكم الاستئناف، ويتيح الطعن في أحكام محددة أمام هيئة خاصة من مستشاري المحكمة العليا تشكلها جمعيتها العمومية.
وينص على تأمين جلساتها بواسطة اللجنة العسكرية "5+5"، وعلى نهائية حكمها وإلزام مفوضية الانتخابات بتنفيذه. وهذه الهيئة الانتخابية تختلف عن الدائرة الدستورية المختصة بالرقابة على دستورية التشريعات، رغم ارتباطهما بالمحكمة العليا.
ومع أن الإطار الانتخابي يخضع لمسار تعديل، فإن هذه الأحكام توضح اتصال الاعتراف بالمحكمة بقبول النتيجة. فإذا تنازع المرشحون شرعية الهيئة التي تنظر الطعون، أمكن أن ينتقل الخلاف من شروط الترشح إلى إعلان الفائز، وأن يجد الطرف الخاسر سندا مؤسسيا لرفض القرار.
ومن هنا يرتبط التوحيد بضمان مرجعية معترف بها قبل الاقتراع، وإجراءات للطعن، وقدرة متساوية للمتنافسين على الوصول إلى القضاء، دون أن يعني ذلك أن وحدة المؤسسة وحدها تكفي لضمان نزاهة الانتخابات.
وتقدم تجربة سبها مثالا على تداخل الإجراءات القضائية مع موازين القوة. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2021 حذرت البعثة الأممية من استمرار إغلاق محكمة الاستئناف ومنع القضاة من العمل، ومن تهديدات طالت جهات تتولى شكاوى انتخابية.
وتبين الواقعة كيف يمكن تعطيل المنافسة قبل فتح الصناديق عبر إغلاق طريق الطعن. ويمتد الأثر خارج الانتخابات؛ إذ يحتاج المواطن والمحامي والإدارة إلى معرفة القانون الواجب التطبيق والجهة التي يحترم حكمها.
وقد حذرت اللجنة الدولية للحقوقيين من انعكاسات الانقسام على اليقين القانوني والمساواة أمام القضاء. وبذلك يصبح توحيد المرجعية مرتبطا بحقوق يومية، وبالثقة في مؤسسة يفترض أن تحمي الجميع من تعسف السلطة.

اختبار القوة والقانون
غير أن الاتفاق على القواعد والقيادات يواجه اختبارا آخر عند تنفيذ الأحكام. فقد وثق مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان تدخل جماعات مسلحة في القبض والتحقيق والاحتجاز والمحاكمة، وأورد واقعة إطلاق النار حول محكمة للأحوال الشخصية في أبو سليم بطرابلس وتعطيل إجراءاتها خلال يوليو/تموز 2025. وتكشف هذه الوقائع حدود الإصلاح الإداري حين تبقى حماية القاضي وإحضار المتهم وتنفيذ الحكم خاضعة لقوى لا تنضبط لسلطة قضائية مستقلة.
ومن هذه الزاوية، يكتسب تزامن مسار القضاء مع المباحثات العسكرية في أنقرة دلالته. فقد نقل موقع "بوابة الوسط" المحلي، عن مصادر مطلعة، تفاهمات أولية بشأن اتخاذ سرت مقرا لقيادة مشتركة، وبحث توزيع صلاحيات وزارة الدفاع والمجلس الرئاسي. ويمكن لتقدم الترتيبات الأمنية أن يساعد على حماية المحاكم وتنفيذ قراراتها، شرط خضوع أدوات القوة للقانون.
أما عد القضاء جزءا من توزيع النفوذ بين المعسكرين، فيحمل خطر نقل الانقسام إلى داخل المؤسسة الموحدة، حيث تتوازن حصص الأطراف بينما يظل القاضي معرضا لضغوطها.
وكان مجلس الأمن قد رحب باتفاق أغسطس/آب، داعيا الأطراف إلى دعمه وتوحيد المؤسسات. ويتيح الدعم الأممي والاستضافة البريطانية جمع الأطراف وتوفير المساندة الفنية، لكنهما لا يحسمان الخلاف على الاختصاصات أو يضمنان الامتثال الداخلي.
لذلك تتحدد فرص اللجنة بقدرتها على توسيع المشاورات، وربط التسوية بإجراءات قانونية مقبولة، ومعالجة التعيينات والقرارات التي تراكمت خلال الازدواج.
وقد يفضي التقدم إلى توحيد إدارة القضاء مع استمرار النزاع الدستوري، أو إلى تسوية أشمل إذا قبلت المؤسسات قواعد مشتركة والتزمت بها القوى المؤثرة. وقد اتفق المشاركون في لندن على اللقاء مجددا خلال أسبوعين، وعندها سيكون التقدم قابلا للقياس بمدى مشاركة الجهات المعترضة ووضوح ضمانات الاستقلال وخطوات إنهاء ازدواج المرجعية، قبل الانتقال إلى اختبار الانتخابات ونتائجها.
المصادر
- لجنة 4+4 الليبية تجتمع في لندن لبحث توحيد المؤسسة القضائية
- 3 مقترحات لحل الأزمة القضائية.. عبودة ينشر محضر اتفاق لجنة الوساطة
- Remarks of the Special Representative of the Secretary-General for Libya, Hanna S. Tetteh, to the Security Council on the situation in Libya
- محكمة استئناف طرابلس ترفض أي محاولات لتعديل القوانين المنظمة للسلطة القضائية
- خطوة جديدة نحو الانتخابات.. هل ينهي مسار "4+4" أزمة ليبيا؟
















