تعديل مسار طريق التنمية.. حسابات جديدة تضم أربيل وكركوك وأنقرة

يهدف المشروع إلى ربط جنوب شرق آسيا والخليج العربي بأوروبا، انطلاقًا من ميناء الفاو العراقي
في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، واضطراب طرق التجارة والنقل التقليدية بفعل الحروب والتوترات الإقليمية، يبرز مشروع طريق التنمية بوصفه أحد المشاريع الإستراتيجية التي تسعى تركيا والعراق إلى تنفيذها، وسط تحديات سياسية وإقليمية تتجاوز الجوانب الفنية والاقتصادية.
ويهدف المشروع إلى ربط جنوب شرق آسيا والخليج العربي بأوروبا، انطلاقًا من ميناء الفاو العراقي، مرورًا بالأراضي العراقية وصولًا إلى تركيا. كما يشكل بديلًا لممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا الاقتصادي الذي يتجاوز الأراضي التركية ويمر عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل وقبرص اليونانية واليونان.
وفي مقال نشرته صحيفة "إندبندنت" بنسختها التركية، تناول الكاتب التركي يوسف ياسامانلي التحديات التي تواجه المشروع، مشددًا على أهمية إشراك إقليم كردستان ومدينتي أربيل وكركوك في تحديد مساره، بعد ذلك ضرورة للحفاظ على المصالح التركية والعراقية وضمان نجاح المشروع.

تحديات سياسية وإقليمية
يواجه تنفيذ المشروع تحديات سياسية وإقليمية تتجاوز الجوانب الفنية والاقتصادية؛ إذ تبرز إيران ضمن الأطراف التي لا تنظر بإيجابية إلى المشروع، رغم عدم إعلان معارضتها رسميًا.
وقد تجلى ذلك، وفق الكاتب، في اغتيال رجل الأعمال بيشرو دزيي من أربيل عام 2024، عبر هجوم صاروخي استهدف منزله، بعدما طُرح اسمه لتنفيذ المشروع وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية، وأسفر الهجوم عن مقتله ومقتل طفلته البالغة من العمر 11 شهرًا.
واستدرك الكاتب بأن العقبات لا تقتصر على الموقف الإيراني، بل تمتد إلى الخلافات داخل العراق. فقد رفض وزير النقل العراقي وهب سلمان الحسني التوقيع على اتفاقية المشروع، خلال مراسم التوقيع التي جمعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في أنقرة، ولم يتم التوقيع إلا بعد تدخل رئيس الوزراء.
بالإضافة إلى ذلك، لم تتمكن الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل من التوصل إلى تفاهم بشأن مسار المشروع.
وفي أعقاب التطورات السورية، ظهرت مقترحات تدعو إلى تعديل المسار وربطه مباشرة بتركيا عبر معبري ربيعة ونصيبين، دون المرور بشمال العراق.
لكن رغم ما قد يوفره هذا الخيار من تسهيلات، فإنه يطرح إشكالية إستراتيجية تتعلق بمستقبل الدور التركي في شبكات النقل الإقليمية؛ إذ إن تجاوز شمال العراق قد يفتح المجال أمام مسارات بديلة تتجاوز تركيا نفسها مستقبلًا عبر سوريا ولبنان.
لذلك، فإن ضمان مرور طريق التنمية عبر العراق وصولًا إلى تركيا يمثل ضرورة للحفاظ على موقع أنقرة الإستراتيجي، ومنع الاستغناء عنها في مسارات التجارة المستقبلية.
مسار المشروع
واستدرك الكاتب بأن الإشكالية لا تتعلق بضمان وصول الطريق إلى تركيا فحسب، بل أيضًا بطبيعة المسار الذي سيعتمده داخل العراق. فالمقترحات المطروحة تتجه إلى المرور بمناطق صحراوية قليلة السكان، متجاهلة مدنًا تمتلك أهمية تاريخية وتجارية وثقافية وسياسية، وفي مقدمتها أربيل وكركوك.
وهذا التوجه يثير تساؤلات حول مدى انسجام المسارات المقترحة مع الهدف الأساسي للمشروع، المتمثل في تحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز الترابط التجاري.
وتوضح الخريطة السكانية للعراق أن التجمعات السكانية الرئيسية، لا سيما شمال بغداد، تتركز بصورة أساسية شرق نهر دجلة، نتيجة العوامل الطبيعية والجغرافية.
لذلك، فإن تصميم طريق التنمية عبر مناطق نائية وصحراوية، بدلًا من ربطه بالمراكز السكانية والتجارية، قد يحد من قدرته على تحقيق أهدافه التنموية.
وفي هذا السياق، تبرز أربيل وكركوك بوصفهما مدينتين تقعان على خط طول قريب من بغداد، وهو ما يتيح إمكانية إدراجهما ضمن مسار المشروع، ويساعد على تقليل المخاطر الأمنية.
فمن الصعب تحقيق التنمية والازدهار من خلال طريق يتجاوز مراكز حضرية رئيسية ويركز على مناطق محدودة النشاط السكاني والاقتصادي. ولا يمكن تجاهل الأهمية الإستراتيجية والاقتصادية والسياسية التي تتمتع بها المدينتان عند تحديد مسار المشروع.

ضرورة إستراتيجية
وأردف الكاتب بأنه لا يمكن فصل مسار طريق التنمية عن موقع إقليم كردستان في المعادلة العراقية وطبيعة علاقاته مع تركيا. فالتعاون بين أنقرة وأربيل يمثل أحد العناصر التي ينبغي أخذها في الحسبان، خصوصًا أن الاستقرار الإقليمي يتطلب تنسيقًا بين الأطراف المعنية، وليس الاكتفاء بالتفاهمات الثنائية بين الحكومتين التركية والعراقية.
وفي هذا الإطار، شددت أكاديمية الاستخبارات الوطنية التركية، في تقرير صدر في يونيو/ حزيران 2025 بشأن حرب الأيام الاثني عشر بين إيران وإسرائيل، على أهمية إقامة حوار وتعاون مع إقليم كردستان العراق لتعزيز الاستقرار الإقليمي.
وانطلاقًا من ذلك، يتعين على أنقرة إجراء مشاورات جدية مع حكومة الإقليم بشأن المشروع، والتوصل إلى تفاهمات تضمن مشاركته وعدم تهميش مصالحه.
كما أن الدستور العراقي لعام 2005، لا سيما المادتين 117 و140، يوفر أساسًا دستوريًا لحقوق إقليم كردستان، بما في ذلك الاعتراف بالإقليم ومعالجة قضية المناطق المتنازع عليها. وبالتالي، يستطيع الإقليم التمسك بحقوقه الدستورية وتقديم مطالبه القانونية بشأن المسارات التي قد تمس مصالحه.
وتابع الكاتب بأن التجارب السابقة تؤكد أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه الإقليم في العلاقات التركية العراقية. ففي عام 2015، وخلال فترة التوتر بين أربيل وبغداد، تمكنت تركيا من إنشاء قاعدة عسكرية في بعشيقة بدعوة من حكومة الإقليم، وذلك في إطار الجهود المرتبطة بمكافحة تنظيم داعش.
كما أظهر الإقليم موقفًا داعمًا لأنقرة عقب إسقاط الطائرة الروسية في العام نفسه. فعندما هددت موسكو بقطع إمدادات الغاز الطبيعي عن تركيا، قدم الإقليم ضمانات تتعلق بأمن الإمدادات، رغم حساسية الموقف.
وتكشف هذه المحطات أن العلاقة بين تركيا وإقليم كردستان لا تقتصر على المصالح الاقتصادية والتجارية فحسب، بل تشمل أيضًا أبعادًا أمنية وجيوسياسية. ولذلك، فإن الحفاظ على التعاون بين الجانبين يمثل عاملًا مهمًا في إنجاح المشاريع الاستراتيجية طويلة الأمد.
التفاهم الثلاثي
إن مستقبل طريق التنمية يتطلب الانتقال من مرحلة الاتفاقات العامة إلى مشاورات مباشرة وجادة بين أنقرة وبغداد وأربيل. فنجاح المشروع لا يتوقف على إنشاء خط للنقل يربط ميناء الفاو بتركيا وأوروبا فحسب، وإنما يرتبط أيضًا بقدرته على مراعاة التوازنات الجغرافية والسياسية داخل العراق، وضمان استفادة المدن والمناطق الواقعة على امتداده.
ويرى الكاتب أن تجاوز أربيل وكركوك أو تهميش دور إقليم كردستان قد يضيف عقبات سياسية جديدة إلى التحديات التي تواجه التنفيذ، في حين أن إشراك الإقليم والمدن الرئيسة في تحديد المسار يمكن أن يسهم في بناء تفاهمات أوسع بشأن المشروع.
فطريق التنمية ليس مجرد ممر للنقل والتجارة، بل هو مشروع إقليمي تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية. لذلك، فإن نجاحه يتطلب رؤية شاملة تضمن مشاركة الأطراف المعنية، وتحافظ على موقع تركيا الإستراتيجي في طرق التجارة الإقليمية والدولية.

















