معابر باكستان البرية.. هل تنفذ تعليمات ترامب وتحكم الحصار على إيران؟

"لم تعد المبادلات التجارية بين إيران وباكستان كما كانت في السابق"
مع استمرار الحرب الأميركية على إيران والحصار البحري، أصبحت الحدود البرية مع باكستان أحد أبرز المسارات لنقل البضائع والمستلزمات الحياتية إلى الشعب الإيراني.
لكن توقف الحركة التجارية لمدة أسبوع عبر معبرين رئيسين بين البلدين أربك هذا المسار أيضا، وتسبب في تكدس مئات الشاحنات والشحنات على جانبي الحدود.
ورغم إعادة فتح أحد المعبرين واستئناف جزء من التبادل التجاري، لا تزال القيود على حركة البضائع قائمة، وفق تقرير نشرته النسخة الفارسية من هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".
وكانت إسلام آباد قد علّقت الحركة التجارية عبر معبري غبد-ريمدان وتفتان-ميرجاوه في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2026.
ورأى الموقع أن القرار يتناقض مع سياسة باكستان قبل أشهر، حين سمحت للسفن الإيرانية بالرسو في موانئها، ووفرت للتجار عدة مسارات برية لنقل البضائع إلى إيران، في ظل الاضطرابات التي نالت حركة النقل البحري الإيراني.
وفي 25 أكتوبر/ تشرين الأول، أفادت وسائل إعلام إيرانية وباكستانية بإعادة فتح معبر غبد-ريمدان يوم 24 أكتوبر، واستئناف عبور الشاحنات المحملة بالبضائع، بما فيها الغاز المسال والمواد الغذائية.
لكن صحيفة "داون" الباكستانية أوضحت أن السماح بالعبور اقتصر حتى ذلك الوقت على الشحنات الصادرة بوليصات شحنها في 16 أكتوبر أو قبله.
وبحسب "بي بي سي"، لم تتوقف تداعيات إغلاق المعبرين عند تعطيل المبادلات التجارية بين البلدين، بل أثارت تساؤلات بشأن مستقبل الطرق البرية التي تعتمد عليها إيران لتأمين احتياجاتها من السلع.
وأوضحت أن المسؤولين في إيران وباكستان يعزون القرار إلى تقديرات فنية وأمنية وإدارية، بينما يربطه بعض المراقبين بالضغوط الاقتصادية الأوسع المفروضة على طهران.
وفي تفسير أسباب الإغلاق، ذكر الموقع أن وزارة التجارة الباكستانية ألغت في 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2026 قرارا سابقا بإعفاء الواردات من إيران مؤقتا من تقديم "نموذج الاستيراد الإلكتروني".
وفي اليوم التالي، توقفت حركة التجارة عبر معبري غبد-ريمدان وتفتان-ميرجاوه، ما أدّى إلى اضطراب المبادلات التجارية الحدودية.
وأشار الموقع إلى أن مسؤولين إيرانيين أعلنوا في 20 أكتوبر/ تشرين الأول حل المشكلات الحدودية وإعادة فتح المعابر، بالتزامن مع زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران.
لكن استئناف الحركة التجارية ظل محدودا، رغم تلك التصريحات.
واستشهد الموقع بإعادة تشغيل معبر غبد-ريمدان لتصدير السلع الباكستانية سريعة التلف، والسماح بعبور بعض الشحنات.
في المقابل، ظلت واردات الغاز المسال من إيران متوقفة حتى 24 أكتوبر.

مفاوضات لإزالة العقبات
في هذا الإطار، أوضح موقع “بي بي سي”، أن "الطرفين قدما تفسيرات مختلفة لأسباب توقف التجارة؛ إذ نقلت صحيفة "داون" الباكستانية عن مسؤولين في إقليم بلوشستان، بينهم نائب مفوض منطقة تشاغاي بختيار إسماعيل، والمستشار الإعلامي لرئيس حكومة بلوشستان شاهد ريند، وصفهم الإجراء بأنه مؤقت".
وأردف: "بحسب هؤلاء المسؤولين، فإن القرار يهدف إلى تشديد الرقابة الأمنية ومكافحة التهريب ودعم عمليات مكافحة الإرهاب".
من جهته، عزا المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي توقف حركة العبور والمبادلات التجارية إلى مشكلات فنية وضرورة اتخاذ تدابير احترازية، وأوضح أن مسؤولي البلدين على تواصل ويجرون مفاوضات لإزالة العقبات.
وفي السياق ذاته، أكّد سفير إيران لدى باكستان رضا أميري مقدم أن بلاده لم تفرض أي قيود على تصدير البضائع إلى باكستان، وأن حدودها لا تزال مفتوحة.
مضيفا أن التغييرات التي طرأت على لوائح الاستيراد الباكستانية حالت عمليا دون إرسال الشحنات، في حين تنتظر مئات الشاحنات المحملة بالغاز المسال منذ أسابيع داخل الأراضي الباكستانية تفريغ حمولاتها أو إنهاء إجراءات تخليصها الجمركي.
“ومن زاوية أخرى، أشار ممثلون عن قطاع الأعمال إلى وجود عقبات مصرفية أيضا؛ إذ أوضح بيمان سنندجي، من غرفة تجارة طهران، أن المستوردين الباكستانيين ملزمون بتسجيل نموذج الاستيراد الإلكتروني عبر شبكتهم المصرفية لاستيراد البضائع من إيران، وهي عملية تواجه صعوبات بسبب العقوبات المصرفية المفروضة على طهران”. بحسب التقرير.
في غضون ذلك، ذكر الموقع أن "تداعيات توقف التجارة انعكست سريعا على حركة الشاحنات عند الحدود؛ حيث تكدست أعداد كبيرة منها على جانبيها، وقدرت غرفة تجارة وصناعة كويتا (منظمة تجارية مستقلة ومسجلة في مدينة كويتا عاصمة إقليم بلوشستان) عدد الشاحنات العالقة بنحو ألفي شاحنة".
كما "تحدثت وسائل الإعلام الإيرانية عن طوابير أطول عند معبر ريمدان، وأفادت بأن نحو 3 آلاف شاحنة كانت تنتظر السماح لها بالعبور إلى باكستان".
في سياق متصل، أوضح التقرير أن "الحدود المشتركة بين إيران وباكستان لا تمثل مجرد معبر تجاري، بل تعد أحد الشرايين الاقتصادية المهمة للبلدين".
ومع ذلك، نوه إلى أن "حجم التجارة الثنائية لا يزال أقل بكثير من الهدف الذي تسعى طهران وإسلام آباد إلى تحقيقه، والمتمثل في وصول المبادلات التجارية إلى 10 مليارات دولار".
وبحسب الإحصاءات الرسمية التي تختلف باختلاف المصادر والفترات الزمنية التي تشملها، تتراوح قيمة المبادلات التجارية بين البلدين بين نحو مليار و1.3 مليار دولار.
وفي هذا الصدد، ذكر رئيس منظمة تنمية التجارة الإيرانية دهقان دهنوي أن "نحو 62 بالمئة من صادرات إيران إلى باكستان تتكون من المنتجات المرتبطة بقطاع الطاقة، بما فيها الغاز البترولي والقار والبيوتان والبولي إيثيلين".
وتابع: "في حين تشكل المنتجات الزراعية والحيوانية نحو 70 بالمئة من واردات إيران من باكستان، وتشمل الأرز ولحوم الأبقار والسمسم والمانجو والموز والماشية الحية والجيلاتين".
من جهته، أشار التقرير إلى أنه "خلال العامين الماضيين، لم تعد المبادلات التجارية بين إيران وباكستان كما كانت في السابق، بسبب التوترات بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة".
بدوره، "تطرق عضو غرفة التجارة المشتركة الإيرانية الباكستانية محمد علي نشاطي، في تصريحات لموقع "تجارت نيوز"، إلى المشكلات التي نشأت في باكستان وتأثيرها على التجارة بين البلدين، وكشف عن تراجع كبير في حجم المبادلات التجارية".
مشيرا إلى أن بعض المعابر الحدودية، ومنها معبر ميرجاوه، مغلقة منذ عدة أشهر.

تداعيات مباشرة
وحول تداعيات هذه الإجراءات على الصعيد الاقتصادي في البلدين، قال الموقع: "تقع محافظة سيستان وبلوشستان الإيرانية وإقليم بلوشستان الباكستاني على جانبي الحدود المشتركة، وترتبط المنطقتان بعلاقات ثقافية ولغوية وعائلية تجعل الروابط بينهما تتجاوز طبيعة العلاقات الحدودية المعتادة".
ومن هنا، نوه إلى أن "إقليم بلوشستان الباكستاني يعد من أول المناطق التي تشعر بتداعيات إغلاق الحدود؛ إذ تستورد باكستان يوميا نحو 7 آلاف طن من الغاز المسال من إيران".
ووفقا لشمس الحق، الرئيس السابق لغرفة تجارة ميناء جوادر، فإن أكثر من 4 آلاف طن من هذه الكمية تدخل باكستان عبر معبر غبد-ريمدان.
وأفادت وكالة رويترز بأن انقطاع هذه الإمدادات أدى إلى ارتفاع سعر أسطوانة الغاز المسال التي تزن 12 كيلوغراما، من نحو 16 دولارا إلى 25 دولارا خلال أيام قليلة، بل تجاوز السعر هذا المستوى في بعض المناطق.
علاوة على ذلك، "تحتاج باكستان إلى هذا الوقود مع اقتراب فصل الشتاء، وحذر رئيس جمعية الغاز المسال في البلاد من احتمال تفاقم نقص الإمدادات واستمرار ارتفاع الأسعار".
وفي الوقت نفسه، ذكر التقرير أنه "لا تزال أكثر من ألف حاوية باكستانية محملة بالأرز والموز والبطاطس المخصصة للتصدير إلى إيران عالقة عند الحدود، فيما أوصت غرفة تجارة كويتا أعضاءها بعدم تسجيل أي طلبات تصدير جديدة إلى إيران".
أما بشأن الجانب الإيراني، فأوضح التقرير أن "محافظة سيستان وبلوشستان تعد من أكثر المناطق تأثرا بهذه القيود".
وعزا ذلك إلى أن إذ "التجارة الحدودية والأسواق المحلية تشكل جزءا من اقتصاد المنطقة، ويعتمد عدد من السكان أيضا على باكستان في الحصول على بعض السلع التي يحتاجون إليها".
ولهذا، خلص الموقع إلى أن "العلاقات الاقتصادية والثقافية والعائلية الواسعة بين سكان جانبي الحدود تجعل أي اضطراب طويل الأمد في حركة العبور والمبادلات التجارية يترك آثارا مباشرة على سبل عيش السكان والأنشطة الاقتصادية في المنطقة".

حصار بري
"بالنسبة إلى إيران التي تواجه معدلات تضخم مرتفعة وركودا اقتصاديا وقيودا تجارية ناجمة عن الحرب والعقوبات الواسعة، تعد الحدود البرية مع الدول المجاورة، بما فيها باكستان، من المسارات المهمة للتجارة وتأمين جزء من احتياجاتها من الواردات"، قال الموقع.
وأكمل: "ومن ثم، فإن اضطراب حركة نقل البضائع عبر هذه المعابر قد يؤثر على الصادرات غير النفطية وواردات بعض السلع وعائدات النقد الأجنبي".
وفي هذا السياق، يرى بعض المراقبين أن "إغلاق المعابر الحدودية يأتي ضمن إطار الضغوط الاقتصادية الأوسع المفروضة على إيران".
من جهتها، أوردت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية أن تقييد حركة المرور عبر بعض الطرق البرية الإيرانية، بما فيها الحدود مع العراق وباكستان، قد يزيد الضغوط الاقتصادية على طهران، ويفاقم صعوبات تجارتها الخارجية، بالتزامن مع القيود البحرية والجوية والمصرفية.
ومع ذلك، لفت الموقع إلى أنه "لا تتوافر حتى الآن أدلة تثبت أن توقف المبادلات التجارية على الحدود الباكستانية يمثل جزءا من خطة رسمية ومنسقة لفرض "حصار بري" على إيران".
وأرجع ذلك إلى أن "المسؤولين الباكستانيون ربطوا هذا الإجراء بتقديرات أمنية وإدارية، بينما تحدث المسؤولون الإيرانيون عن مشكلات فنية وتدابير احترازية".
في الوقت ذاته، أشار إلى أن "هذه التطورات تأتي رغم اتخاذ باكستان سابقا إجراءات لتسهيل نقل البضائع إلى إيران؛ إذ أفادت تقارير منشورة بأن إسلام آباد فتحت في 25 أبريل/ نيسان 2026 ستة مسارات برية لنقل بضائع الدول الأخرى إلى إيران".
بالإضافة إلى ذلك، "ألغت باكستان خلال الفترة من 24 مارس/ آذار إلى 21 يونيو/ حزيران 2026 شرط تقديم الضمانات المصرفية وخطابات الاعتماد لاستيراد بعض السلع، بما فيها الأرز واللحوم والخضراوات والأدوية، وهي إجراءات استهدفت تسهيل دخول البضائع إلى إيران".
وبالتوازي مع تصاعد الضغوط الاقتصادية على طهران، ظهرت تكهنات بشأن احتمال تقييد الطرق البرية المستخدمة في التجارة الإيرانية؛ إذ نقلت صحيفة "ديلي تلغراف" في أغسطس/ آب عن "مسؤولين إسرائيليين ومصادر مطلعة أن الولايات المتحدة وإسرائيل ناقشتا إمكانية فرض شكل من أشكال "الحصار البري" على إيران، في إطار مساعيهما لزيادة الضغوط الاقتصادية عليها".
وأضافت الصحيفة أن "أحد الخيارات المطروحة للنقاش تمثل في تشجيع الدول المجاورة لإيران، بما فيها العراق وباكستان، على تشديد الرقابة أو تقييد حركة العبور عبر المعابر الحدودية، وهو إجراء قد يؤثر على تدفقات الواردات والصادرات الإيرانية".
واستدركت: "غير أن تنفيذ مثل هذه الخطة سيواجه تحديات كبيرة، بالنظر إلى تعدد الدول المجاورة لإيران والتعقيدات السياسية واللوجستية المرتبطة بها".

















