كيف تحقق عائلة حفتر أرباحا طائلة من الحرب الأميركية على إيران؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

أدى الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، على خلفية الحرب الأميركية على إيران، إلى توفير فرصة اقتصادية مواتية لليبيا، خصوصا المنطقة الشرقية الخاضعة لسيطرة الجنرال الانقلابي خليفة حفتر وأبنائه.

وجاء ذلك وسط تزايد تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد، رغم استمرار الانقسام السياسي بين سلطتين متنافستين.

وفي هذا السياق، سلطت صحيفة "لوريان لوجور" الناطقة بالفرنسية الضوء على تنامي الاستثمارات الأجنبية في ليبيا، مشيرة إلى أن هذه التدفقات لم تسهم في تقريب وجهات النظر بين المعسكرين المتنافسين.

وبحسب تقرير الصحيفة، فإن بنغازي لم تعد مجرد معقل لخليفة حفتر، الرجل القوي في شرق ليبيا، بل بدأت تتحول تدريجيا إلى مركز للاستثمار في بلد لا يزال منقسما بين مركزين متنافسين للسلطة.

وأوضحت أن هذا التحول يتجلى في مشروع إنشاء مجمع تركي ليبي للحديد والصلب بقيمة 2.5 مليار دولار، إلى جانب زيارات وفود صناعية فرنسية، ونشاط شركات مصرية تسعى إلى التوسع في الأسواق الإفريقية.

وأشارت الصحيفة إلى أن طرابلس، مقر حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها من الأمم المتحدة، لا تزال تمثل المركز الإداري والمالي للبلاد.

في المقابل، تواصل بنغازي، معقل الحكومة المنافسة المعروفة باسم "حكومة الاستقرار الوطني"، والمدعومة من خليفة حفتر، ترسيخ موقعها مركزا جاذبا للاستثمارات.

ونقلت الصحيفة عن جيسون باك، رئيس مؤسسة "ليبيا أناليسيس" للاستشارات والأبحاث الإستراتيجية المستقلة، ومؤلف كتاب "ليبيا والفوضى العالمية المستمرة"، قوله: إن "هذا الأمر يحدث في الواقع منذ أكثر من سبع سنوات".

ووفقا للصحيفة، بدأت سلطات شرق ليبيا جذب الشركات الأجنبية لتمويل إعادة إعمار بنغازي ودرنة قبل الهجوم الذي شنه حفتر على طرابلس عام 2019.

واعتمدت تلك السلطات في جهودها على مؤسسات من بينها هيئة الاستثمارات العسكرية، لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية وتمويل مشاريع إعادة الإعمار.

صناعة موجهة نحو التصدير

وأوضحت الصحيفة أن "هذه العملية اكتسبت منذ ذلك الحين طابعا مؤسسيا، من خلال هيئات تخضع لسيطرة عائلة حفتر، وفي مقدمتها صندوق تنمية وإعادة إعمار ليبيا، الذي يديره بلقاسم حفتر، أحد أبناء المشير خليفة حفتر".

ونقلت عن باك قوله: "هياكل السلطة واضحة للغاية، فعائلة حفتر تسيطر على كل شيء، أما في الغرب، فهناك عدد كبير من المليشيات والمؤسسات شبه السيادية، ولذلك فإن الأمور أكثر تعقيدا بكثير".

وبحسب رأيه، فإن "هذه المركزية قد تجعل تنفيذ العقود وسداد المستحقات أكثر قابلية للتنبؤ بالنسبة إلى الشركات الأجنبية، رغم افتقار النظام إلى الشفافية".

ومن هذا المنظور، تقدر أن "المشروع التركي الليبي "توسيالي" يمثل مرحلة جديدة في التحول من إعادة الإعمار إلى إقامة صناعة موجهة نحو التصدير".

وأضافت: "يعتمد المشروع على استخدام الغاز الليبي لإنتاج حديد منخفض الانبعاثات الكربونية مخصص للأسواق الأوروبية والإفريقية، بما يجمع بين عدة مزايا يتمتع بها الشرق الليبي، تتمثل في موارده من الطاقة وإطلالته على البحر المتوسط ووجود سيطرة سياسية أكثر مركزية".

علاوة على ذلك، "يعكس المشروع تحولا جيوسياسيا أوسع؛ إذ كانت أنقرة قد تدخلت عسكريا لمساعدة طرابلس، حليفتها آنذاك، على صد هجوم حفتر خلال عامي 2019 و2020، ما أدى حينها إلى استبعادها بشكل شبه كامل من شرق ليبيا".

واستدركت: "غير أن تركيا أصبحت اليوم أحد أبرز الشركاء الاقتصاديين لبنغازي".

وفي هذا السياق، أوضح باك: "منذ التقارب بين تركيا ومصر، المعروفة بعلاقاتها الوثيقة مع عائلة حفتر، أصبحت أنقرة مستعدة للعمل في شرق ليبيا، واستثمرت جهودا كبيرة في نجاح عائلة حفتر ومشروعات إعادة الإعمار التابعة لها".

باختصار، ترى الصحيفة أن أنقرة "وسعت اتصالاتها مع خليفة حفتر وأبنائه، مع الحفاظ على علاقاتها العسكرية والاقتصادية مع طرابلس، في محاولة لحماية مصالحها لدى المعسكرين الليبيين".

مكاسب نفطية

من جانب آخر، ذكر التقرير أن "مؤسسات اقتصادية مصرية وليبية تدرس إنشاء سلاسل إمداد تربط الصناعة المصرية بالبنية التحتية اللوجستية الليبية، وصولا في نهاية المطاف إلى أسواق تشاد والنيجر والسودان ومالي".

وأردف: "وفي السياق ذاته، تبحث القاهرة وطرابلس إمكانية إنشاء خط أنابيب نفطي بطول نحو 800 كيلومتر، يربط مدينة طبرق شرقي ليبيا بمدينة الإسكندرية في مصر، بما يوفر لنفط الشرق الليبي منفذا جديدا إلى منشآت التكرير المطلة على البحر المتوسط".

بالإضافة إلى ذلك، "أدت الحرب ضد إيران والاضطرابات التي أصابت طرق التجارة في الخليج إلى زيادة القيمة الإستراتيجية للموارد النفطية والغازية الليبية".

وفي ضوء هذه المعطيات، ذكرت الصحيفة أن "المؤسسة الوطنية للنفط الليبية تسعى إلى جذب استثمارات تتراوح بين 30 و40 مليار دولار لتطوير احتياطيات البلاد، ورفع إنتاج النفط من مستواه الحالي البالغ نحو 1.4 مليون برميل يوميا إلى مليوني برميل بحلول عام 2030".

ونقلت عن رئيس المؤسسة مسعود سليمان، قوله لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية في أغسطس/ آب 2026: إن أكثر من 60 حقلا مكتشفا للنفط والغاز لا تزال بحاجة إلى التطوير.

ومع ذلك، نوَّهت إلى أن "جاذبية قطاع الطاقة الليبي لا تزال تصطدم بحالة عدم الاستقرار التي تشهدها البلاد".

واستشهدت الصحيفة بما "حدث خلال شهر أغسطس/ آب عندما استهدفت ضربات بطائرات مسيرة مصفاة الزاوية غربي ليبيا ومحطة كهرباء مجاورة، ما كشف مجددا هشاشة البنية التحتية للطاقة وصعوبة ضمان استقرار تدفق الإمدادات".

تكريس الانقسام

وفي سياق تحليلي أوسع، أشارت الصحيفة إلى أن "تدفق رؤوس الأموال الأجنبية نحو المناطق الخاضعة لسيطرة حفتر قد يوحي بأن ازدهار بنغازي يأتي على حساب طرابلس، غير أن الباحث جيسون باك يقدم قراءة أكثر تحفظا لهذا التصور".

وأوضح باك أن "غرب ليبيا لم يكن يتمتع تاريخيا بثقل اقتصادي أكبر"، مذكرا بـ"تركز الموارد النفطية في الشرق والأهمية التاريخية لمدينة بنغازي".

وأضاف: "رغم أن نظام معمر القذافي أهمل الاستثمار لفترة طويلة في المنطقة الشرقية التي كانت تعرف بمعارضتها له، فإن نوعا من التكافؤ الاقتصادي كان قد تحقق بالفعل بحلول عام 2016 تقريبا".

واستطرد: "منذ عشر سنوات، يتلقى شرق ليبيا استثمارات أكثر من الغرب".

أما بشأن غرب ليبيا، فقال التقرير: "أطلق رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة الذي يتولى منصبه منذ مارس/ آذار 2021، مشروعات كبرى للبنية التحتية ضمن برنامجه "عودة الحياة"، وسعى بدوره إلى جذب رؤوس الأموال الأجنبية".

وذكر أنّ "الدبيبة كثف مساعيه لجذب الاستثمارات الأجنبية، لا سيما خلال زيارات أجراها إلى قطر والإمارات العربية المتحدة عام 2026".

ومع ذلك، تقدر الصحيفة أن "حكومته لا تزال مضطرة إلى التعامل مع الجماعات المسلحة والمؤسسات المتنافسة ومراكز القوى المحلية التي تتنازع النفوذ".

في المحصلة، يرى باك أن "هذه الاستثمارات لا تغير موازين القوى القائمة، بل تعكس بالدرجة الأولى نجاح حفتر والدبيبة في ترسيخ سلطة كل منهما"، في وقت ينص فيه اتفاق جرى التوصل إليه برعاية الأمم المتحدة على إجراء انتخابات خلال عامين، تمهيدا لإعادة توحيد البلاد.