مدريد تعيد رسم موقع سبتة ومليلية داخل الاتحاد الأوروبي.. ما القصة؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

بعد أزمة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية، لم تعد مدريد تناقش فقط كيفية حماية السياج والشاطئ، أو إعادة من عبروا الحدود، أو إصلاح ما كشفته الأزمة من ثغرات أمنية، بل شرعت في العمل على إعادة تعريف موقع سبتة ومليلية داخل الاتحاد الأوروبي نفسه.

وفي نهاية يوليوز/تموز 2026، عبر أكثر من 70 ألف شخص من المغرب إلى سبتة، في محاولة للهجرة غير النظامية، بعدما تلقوا دعوات إلى ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وتقع سبتة ومليلية على الساحل الشمالي للمغرب، وتخضعان للإدارة الإسبانية، فيما تطالب الرباط باستعادتهما، وتعد المدينتان من أبرز نقط عبور للمهاجرين غير النظاميين من إفريقيا نحو أوروبا.

ثلاثة مسارات

ومباشرة بعد أزمة "العبور الجماعي"، طرحت إسبانيا مشروعا جديدا لتعزيز اندماج سبتة ومليلية في الاتحاد الأوروبي، يتضمن ثلاثة مسارات، الأول هو الاتحاد الجمركي؛ حيث اقترحت إدخال المدينتين في الإقليم الجمركي الأوروبي، مع الاحتفاظ بنظام ضريبي خاص يلائم وضعهما.

أما المسار الثاني، فيتمثل في الحضور الدائم في لجنة الأقاليم الأوروبية. 

وتملك إسبانيا حاليا 21 عضوا أصليا في اللجنة ومثلهم من الأعضاء المناوبين، يمثلون جماعاتها وأقاليمها. 

وما تقترحه الحكومة هو ضمان وجود دائم لسبتة ومليلية داخل الوفد الإسباني، بدل أن يبقى حضورهما خاضعا لترتيبات التمثيل والتناوب.

في حين يتعلق المسار الثالث، بالحصول على وضع "الأقاليم الأبعد" للاتحاد الأوروبي، أو على صيغة قريبة منه. 

وتسمح هذه الصفة للاتحاد بتكييف عدد من قواعده مع خصوصيات المنطقة، في مجالات مثل الجمارك والضرائب والمساعدات الحكومية والزراعة والصيد والوصول إلى الصناديق الأوروبية.

وتسري على مدينتي سبتة ومليلية الخاضعتين للإدارة الإسبانية معاهدات الاتحاد الأوروبي، لكن اندماجهما في البناء الأوروبي ظل منذ انضمام إسبانيا عام 1986 ناقصا واستثنائيا.

فالمدينتان ليستا جزءا من الإقليم الجمركي للاتحاد الأوروبي، ولهذا تخضع حركة البضائع بينهما وبين بقية المجال الجمركي الأوروبي لإجراءات خاصة، حتى وإن تمتعت المنتجات ذات المنشأ المحلي أو الأوروبي بإعفاءات جمركية وفق بروتوكول انضمام إسبانيا. 

كما أنهما خارج نظام الضريبة الأوروبية على القيمة المضافة، وتطبقان بدلا منها ضريبة محلية على الإنتاج والخدمات والاستيراد.

أما على مستوى الأشخاص، فهناك وضع استثنائي آخر، فالمدينتان تشكلان حدودا خارجية لمنطقة "شنغن" مع المغرب، لكن إسبانيا احتفظت منذ انضمامها إلى اتفاق "شنغن" برقابة إضافية على المسافرين القادمين منهما بحرا أو جوا إلى بقية الأراضي الإسبانية.

وهذا يعني، أن الشخص الذي يدخل سبتة من المغرب يمر عند الحدود الخارجية، لكنه يخضع أيضا لمراقبة أخرى إذا أراد الانتقال منها إلى إسبانيا. 

وتصف الخارجية الإسبانية هذا النظام اليوم بأنه "فلتر مزدوج" فريد داخل أوروبا.

ويرجع السبب في هذا النظام، إلى أنه رغم انضمام إسبانيا إلى المجموعة الأوروبية، إلا أنها أبقت على نموذج اقتصادي وتجاري خاص لسبتة ومليلية، يقوم تاريخيا على الضرائب المنخفضة والتجارة العابرة للحدود وصلاتهما المباشرة بالمناطق المغربية المجاورة.

لكن بعد أربعة عقود، بدأت الحكومة الإسبانية تنظر إلى هذا الوضع نفسه بوصفه قيدا ينبغي تجاوزه.

رهان جديد

ومباشرة بعد أزمة سبتة، يبدو أن مدريد أصبح لديها رهان جديد يتجلى في أنه إذا كانت سبتة ومليلية تمثلان الحدود الجنوبية البرية الوحيدة تقريبا بين الاتحاد الأوروبي والقارة الإفريقية، فإنه لا ينبغي أن تتحمل إسبانيا وحدها تكلفة حمايتهما. 

وبناء على هذا الرهان رفعت مدريد وتيرة تحركاتها لتعميق اندماج سبتة ومليلية في الاتحاد الأوروبي عبر تصريحات وزيارات رسمية متتالية لمسؤولين حكوميين، آخرها زيارة عاهل إسبانيا فيليبي السادس للمدينتين، ناهيك عن صدور عدة مواقف من قيادات أوروبية تدعم أوربية المدينتين.

ففي 3 سبتمبر/أيلول 2026، أعلن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز أمام البرلمان أن الوقت حان لتصحيح ما عدّه "نقصا في الطموح" رافق انضمام إسبانيا إلى المجموعة الأوروبية سنة 1986. 

واقترح سانشيز، إدماج سبتة ومليلية في الاتحاد الجمركي الأوروبي مع الحفاظ على نظام ضريبي ملائم، ومنحهما حضورا دائما داخل لجنة الأقاليم الأوروبية، ثم الاعتراف بهما بوصفهما من "الأقاليم الأبعد" للاتحاد الأوروبي.

وبعدها، انتقل وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس إلى بروكسل؛ حيث عقد يومي 8 و9 سبتمبر 2026 لقاءات مع مسؤولين في المفوضية ومؤسسات الاتحاد.

وناقش ألباريس، بحسب الخارجية الإسبانية، "الخيارات" الممكنة لانضمام المدينتين إلى الاتحاد الجمركي، والصيغ التي قد تعترف بخصوصيتهما الجغرافية، كما دفع نحو تمثيل دائم لهما في الوفد الإسباني داخل لجنة الأقاليم الأوروبية.

وجاءت من بروكسل إشارة عملية إلى أن أزمة سبتة أصبحت بالفعل ملفا أوروبيا؛ إذ أعلنت المفوضية في 9 سبتمبر 2026، منح إسبانيا 114.7 مليون يورو من التمويل الاستثنائي للتعامل مع تداعيات أحداث 30 و31 يوليو، منها أموال لمراقبة الحدود، والتجهيزات الأمنية، والاستقبال والإعادة. 

لتأتي بعد ذلك، أول زيارة للعاهل الإسباني فيليبي السادس، رفقة زوجته ليتيسيا، إلى مدينتي سبتة ومليلية، يومي 13 و14 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

وتُعد هذه الزيارة الأولى لفيليبي السادس إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش عام 2014، والثانية لملك إسباني، بعدما زار والده خوان كارلوس الأول، سبتة، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2007، والتي أثارت حينها أزمة دبلوماسية مع الرباط.

وقال فيليبي، خلال هذه الزيارة: إن "سبتة ومليلية جزء لا يتجزأ من الواقع السياسي والوطني الذي تمثله إسبانيا. وسيادة بلادنا ووحدة أراضيها ليستا موضع تفاوض".

وتأتي الزيارة التي وصفتها منابر إعلامية إسبانية بـ"التاريخية" للتعبير عن التضامن مع سكان المدينة، عقب عملية الاقتحام الجماعي التي شهدتها سبتة، في عملية أسفرت عن غرق 141 شخصا.

وإضافة إلى التحركات الإسبانية على المستوى الداخلي، تلقت مدريد دعما خارجيا من عدة قادة ودول أوروبية، أبرزهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي وصف الاقتحام الجماعي لمدينة سبتة بأنه "هجوم على أوروبا".

وفي 30 سبتمبر 2026، رأى ماكرون في ندوة صحفية مشتركة مع رئيس الحكومة سانشيز، بمدريد، أن "إسبانيا كانت ضحية هجوم متعدد".

وبهذه التصريحات انخرط ماكرون في التوجه الأوروبي الذي أعرب عنه بيان الاتحاد الأوروبي في 17 سبتمبر 2026، ورئيسة المفوضية الأوروبية أوسولا فان دين لاين، بأن ما تعرضت له سبتة هو "هجوم" وأن سبتة هي "حدود أوروبية".

بدوره، رأى رئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي، جوردان بارديلا، أن مدينة سبتة "أرض إسبانية وأوروبية ينبغي أن تبقى كذلك"، وذلك خلال زيارة أجراها رفقة سانتياغو أباسكال، زعيم حزب "فوكس" الإسباني اليميني المتطرف، لسبتة، تزامنا مع احتفالات إسبانيا بعيدها الوطني.

وفي 12 أكتوبر 2026، قال بارديلا، أحد أبرز وجوه اليمين المتطرف الفرنسي: إن الوضع في سبتة يعكس ما وصفه بـ"الخطر الوجودي" الذي يهدد أوروبا، مضيفا أن المدينة تقدم صورة عن المستقبل الذي ينتظر القارة إذا لم تستعد دولها السيطرة بصورة عاجلة على حدودها الوطنية والأوروبية.

وتحدث بارديلا عن تعرض سكان المدينة، لتهديدات بالنهب والاعتداءات، مستندا إلى وقائع قال: إن الصحافة الإسبانية وثقتها، دون أن يقدم في تصريحاته معطيات تفصيلية تسمح بتحديد حجم تلك الحوادث أو نتائج التحقيقات بشأنها.

حسم السيادة

وفي تعليقه على تصاعد التحركات الإسبانية لتعزيز إدماج سبتة ومليلية في الاتحاد الأوروبي، قال الإعلامي والكاتب المختص في الشؤون الاسبانية والعلاقات المغربية الإسبانية، نبيل دريوش: إن "إدماج ملف سبتة ومليلية في الاتحاد الأوروبي ليس جديدا، فقد ابتدأ منتصف الثمانينات من القرن الماضي بدخول إسبانيا إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية".

وأضاف دريوش لـ"الاستقلال"، أنه "منذ تلك الفترة تحاول إسبانيا نقل النقاش حول هذا الموضوع في مواجهة المغرب إلى نقاش أوروبي لتقوية موقفها، وهو في الحقيقة علامة ضعف وليست قوة".

وأوضح أن هذه الإستراتيجية كانت واضحة في أزمة عام 2021؛ حيث دفعت مدريد بروكسل في مواجهة مفتوحة مع المغرب، واتسعت رقعة الاستنجاد ببروكسل خلال هذه الأزمة؛ حيث شملت جميع السياسيين من اليمين واليسار، بل حتى الملك فليبي السادس أكد أمام ماكرون خلال حفل عشاء رسمي بمدريد أخيرا على أن حدود سبتة هي "حدود أوروبية".

وفي 29 سبتمبر 2026، أجرى ماكرون، أول زيارة دولة لرئيس فرنسي إلى إسبانيا منذ عام 2009، وذلك بهدف تعزيز العلاقات الفرنسية الإسبانية وتفعيل معاهدة الصداقة الموقعة بين البلدين عام 2023، إلى جانب بحث التعاون الاقتصادي والقضايا الأوروبية المشتركة.

🇫🇷 🇪🇸 Visite d'État en Espagne : Emmanuel et Brigitte Macron reçus par le roi d'Espagne Felipe VI et la reine Letizia au palais royal de Madrid, au son de la Marseillaise https://t.co/0WJorg1hXL

— L'Echiquier social (@EchiquierSocial) September 29, 2026

وسجل دريوش، أن "هناك خطوة أخرى غير مسبوقة قام بها سنتياغو أبسكال زعيم حزب فوكس اليميني المتطرف وهي احتفاله بالعيد الوطني الإسباني بسبتة المحتلة واصطحابه لرئيس حزب التجمع الوطني الفرنسي جوردان بارديلا معه للمدينة المحتلة، وكأنه يستقوي به".

وأكد أن الساسة الإسبانيين والمؤسسة الملكية يبذلان كل الجهود من أجل "أوربة" هذه الحدود ووضع متاريس أكبر أمام مطالب المغرب التاريخية لتعقيد الملف بشكل أكبر والتمترس خلف الاتحاد الأوروبي.

وأشار دريوش، إلى أنه "تم خلال زيارة الملك فليبي السادس وعقيلته ليثيسا إلى سبتة المحتلة، رفع أعلام كبيرة للاتحاد الأوروبي إلى جانب الأعلام الإسبانية، وهي رسالة مقصودة وواضحة".

ويرى مراقبون، أن توجه مدريد نحو تعميق اندماج سبتة ومليلية داخل الاتحاد الأوروبي، يمنحها قدرة أكبر على تقديم أي أزمة حدود أو هجرة بوصفها لا تمس إسبانيا وحدها، بل تمس أيضا حدود الاتحاد ومصالحه.

ويخلصون إلى أن إسبانيا تسعى عبر محاولات "أوربة" سبتة ومليلية إلى إدخال بروكسل بصورة أعمق في حماية الوضع الذي تديره في المدينتين.