غزة.. أمطار الشتاء تغرق خيام النازحين وتترك أطفالهم في مواجهة البرد

منخفض جوي ضرب قطاع غزة مساء الجمعة تسبب في غرق خيام النازحين في مناطق متفرقة
بين مطرقة القصف الإسرائيلي وسندان الصقيع، تجددت مأساة النازحين في قطاع غزة مع أولى نفحات المنخفض الجوي؛ حيث أغرقت مياه الأمطار الغزيرة ما تبقى من خيام مهترئة أكلها البِلى، وكشفت عن أوضاع إنسانية كارثية، بلغت من القسوة والتردّي حدًا غير آدمي.
وأفادت تقارير ميدانية وبيانات رسمية، فجر 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، بأن أول منخفض جوي ضرب قطاع غزة مساء الجمعة، تسبَّب في غرق خيام النازحين في مناطق متفرقة، مثل المواصي بخان يونس، ومنطقة السلاطين ببيت لاهيا، وبلدة الزوايدة.
ويتوقع أن تشتد فعالية المنخفض الجوي خلال الساعات المقبلة من اليوم، وسط تحذيرات من هطولات رعدية غزيرة ورياح قوية قد تفاقم معاناة آلاف العائلات التي تعيش في خيام تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية من تقلبات الطقس.
وأفادت مصادر محلية بأن مياه الأمطار تسربت إلى خيام النازحين وتجمعت في محيطها خلال وقت قصير من بدء الهطول، ما أدى إلى غرق عدد منها وإلحاق أضرار بمحتوياتها، في مشاهد تعكس هشاشة الأوضاع المعيشية للعائلات التي فقدت منازلها جراء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.
وسبق أن أشار المكتب الإعلامي الحكومي إلى أن نحو 200 ألف خيمة مهترئة معرضة للغرق المحتوم، ما يدفع العديد من العائلات للجوء إلى مبانٍ مدمرة وآيلة للسقوط.
وقال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة: "غزة بدأت تستقبل شتاءً كارثيًا، وبدأ ما كنا نحذر من الوقوع فيه، غرق خيام النازحين، دون أن يتحرك العالم الظالم.
مطلوب التحلي بالإنسانية والأخلاق من كل العالم وإنقاذ غزة المظلومة المكسورة.. كفى أيها الظلمة.. كفى أيها المجرمون..".
وقبل يومين، أشارت وزارة التنمية الاجتماعية في غزة إلى حاجة القطاع العاجلة إلى 200 ألف خيمة جديدة مقاومة للرياح والعوامل الجوية، و300 ألف طرد إيواء (عوازل حرارية، وشوادر وبلاستيك مقوى)، لإنقاذ أكثر من 300 ألف عائلة مهددة بالكارثة.
من جانبه، أكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان حاجة القطاع العاجلة إلى 200 ألف خيمة ومليون شادر، في ظل القيود الإسرائيلية على مستلزمات الإيواء.
وفي السياق ذاته، أفادت وكالة "الأونروا" بأن 94 بالمئة من سكان غزة بحاجة إلى مأوى ومساعدات غير غذائية، وأن 58 بالمئة يواجهون احتياجات إيواء حرجة أو كارثية.
من جانبها، أكدت دائرة الأرصاد الجوية الفلسطينية أن اليوم السبت سيشهد انخفاضًا إضافيًا في درجات الحرارة، مع أجواء غائمة وباردة نسبيًا، وتساقط زخات متفرقة من الأمطار قد تكون غزيرة ومصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحيانًا.
وأضافت أن الرياح ستكون جنوبية غربية إلى غربية نشطة السرعة، مع هبّات قوية أحيانًا، فيما يكون البحر مائجًا، ما يرفع مستوى المخاطر على الخيام والمنشآت المؤقتة غير المثبتة بصورة كافية.
وبحسب النشرة الرسمية، يستمر تأثير المنخفض يوم غد الأحد 8 نوفمبر/ تشرين الثاني، مع فرص لهطول أمطار غزيرة ورعدية أحيانًا، قبل أن تميل الأجواء إلى الاستقرار خلال ساعات الليل وتتراجع فرص الأمطار.
أما الإثنين 9 نوفمبر/ تشرين الثاني، فيُتوقع أن ترتفع درجات الحرارة قليلًا، مع تراجع فاعلية المنخفض وتحول الرياح إلى شمالية وشمالية شرقية، بينما يشهد الثلاثاء أجواء أكثر اعتدالًا واستقرارًا.
وتأتي هذه الكارثة امتدادًا لحرب الإبادة والتهجير المستمرة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والتي أدت إلى تدمير أكثر من 80 بالمئة من الوحدات السكنية وبنيتها التحتية، وإجبار نحو مليوني فلسطيني على النزوح المتكرر إلى مناطق رملية وساحلية تفتقر إلى قنوات تصريف المياه.
ويتزامن ذلك مع إطباق الاحتلال الإسرائيلي حصارًا شاملًا ومنع دخول مستلزمات الإيواء والملابس والأغطية، بالتوازي مع شبه انهيار في المنظومة الصحية.
معاناة موثقة
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تداول ناشطون مقاطع فيديو وصورًا تحمل مشاهد مؤلمة من غزة مع دخول أول موجات الأمطار الشتوية؛ حيث غمرت المياه الخيام المهترئة التي تؤوي مئات الآلاف من النازحين، وأغرقت الفراش والأغطية والملابس داخلها.
وأبرزوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي "إكس" و"فيسبوك"، ومشاركتهم في وسوم عدة، أبرزها #غزة، و#غزة_تغرق، و#ادخلوا_الكرافانات_إلى_غزة، و#أمطار_غزة، أن الخيام القديمة لم تعد تصلح لمواجهة المنخفضات الجوية، وأن الوضع تحول إلى كارثة إنسانية متكررة كل شتاء.
وأكد ناشطون أن المشاهد تكشف عجز العائلات عن إنقاذ مقتنياتها البسيطة، مع بكاء الآباء والأمهات عجزًا عن حماية أطفالهم من الرطوبة والبرد، وسط نقص حاد في مواد الإيواء والخيام البديلة، لافتين إلى أن الأمطار استمرت لساعات طويلة دون توقف، ما حوّل المخيمات إلى برك موحلة.
ملف إغاثي
وجاء كثير من تعليقات الناشطين مليئة بالحسرة على الأطفال الذين ابتلت فراشهم، مع مناشدات متكررة بأن يكون الله عوناً لأهل القطاع في ظل غياب أي حماية حقيقية من العوامل الجوية، داعين إلى تدخل عاجل لإدخال الكرفانات والشوادر والأغطية الشتوية.
وسلطوا الضوء على الواقع الإنساني الأوسع في غزة من نقص غذاء وجوع وأمراض وعوز وإبادة ممنهجة، مقدرين أن المنخفض الجوي ليس مجرد ظاهرة طبيعية بل يكشف عن "فنون الموت البطيء" الناتجة عن الحصار ونقص مستلزمات الإيواء.
وانتقدوا انشغال العالم بقضايا أخرى بينما يواجه النازحون كارثة متجددة وغياب المواقف الرسمية الدولية والعربية والإسلامية المساندة لغزة وأهلها، وتساءلوا عن دور المؤسسات المحلية والدولية والجمعيات والبلديات، وأطلقوا المناشدات والاستغاثات لإنقاذ غزة.
إبادة صامتة
وأبرز مسؤولون وسياسيون وناشطون الجانب السياسي العميق لمعاناة السكان تحت الأمطار، مشيرين إلى أن غرق الخيام وانهيارها ليس مجرد كارثة طبيعية، بل نتيجة مباشرة للقيود المفروضة على إدخال مواد الإصلاح والاستبدال، إلى جانب استمرار إطلاق النار والقصف في بعض المناطق بالتزامن مع المنخفض الجوي.
ورأوا في المشهد دليلاً حياً على أن المعاناة لم تنتهِ بانتهاء بعض العمليات العسكرية، بل تحوَّلت إلى أشكال متعددة تشمل البرد والوحل وفقدان المأوى الآمن، وأن التحذيرات المتكررة من قدوم الشتاء لم تلقَ استجابة كافية من الجهات المعنية.
ودعوا لمحاسبة مجرمي الحرب وكل المسؤولين عن الإبادة بأشكالها كافة في غزة، وطالبوا بتسليط الضوء الإعلامي المستمر على معاناة غزة وأهلها حتى لا تُنسى وسط الأحداث الأخرى.
















