من الملاعب إلى العقارات.. كيف تمدد النفوذ الإماراتي في مانشستر؟

تتهم منظمة "فير سكوير" قيادات المدينة بالمساعدة على ترسيخ نفوذ سياسي إماراتي عبر الرياضة والاستثمار
أراضٍ عامة وقروض بملايين الجنيهات واتفاقيات تقيد الإفصاح.. بهذه الخيوط أعادت صحيفة "الغارديان"، في تحقيقين نشرتهما في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2026، رسم خريطة النفوذ الإماراتي في مدينة مانشستر الكبرى ببريطانيا.
فخلال عقد، ارتفعت مساحة الأراضي المملوكة لشركات مرتبطة بالإمارات بنسبة 39 بالمئة، لتصل إلى 101 هكتار. وتستحوذ شركات مرتبطة بمنصور بن زايد، نائب رئيس دولة الإمارات ومالك الحصة المسيطرة في نادي مانشستر سيتي، على نحو ثلثي الأراضي المملوكة لجهات إماراتية في المنطقة.
وخلف هذه الأرقام، تتكشف علاقة امتدت من مدرجات كرة القدم إلى مشروعات الإسكان ودوائر المسؤولين، وسط اعتراضات تتعلق باستخدام المال العام، وضعف الشفافية، ومدى استفادة السكان من عوائد التنمية.
فكيف تحولت أبوظبي من مالك لنادٍ لكرة القدم إلى شريك استثماري مؤثر في المدينة؟ وما الذي أتاح هذا التوسع؟ ولماذا تتصاعد الاعتراضات على كلفته السياسية والاجتماعية الآن؟

من المدرجات إلى المدينة
بدأ المسار في سبتمبر/أيلول 2008، حين استحوذت مجموعة أبوظبي المتحدة، المملوكة لمنصور بن زايد، على نادي مانشستر سيتي. ومنح النادي المستثمر الإماراتي بوابة إلى جمهور واسع، وإلى مدينة كانت تسعى إلى تجديد مناطقها الصناعية السابقة.
ثم حملت اتفاقية الرعاية مع "الاتحاد للطيران" عام 2011 اسم الشركة إلى الملعب والمجمع المحيط به، موسعة الحضور التجاري الإماراتي إلى ما يتجاوز حدود المنافسة الرياضية.
لكن التحول إلى شريك في إعادة تشكيل المدينة احتاج إلى غطاء سياسي. ففي صيف 2013، شجعت حكومة ديفيد كاميرون المجلس المحلي على إعداد فرص استثمارية لأبوظبي، في سياق توتر العلاقات بسبب موقف لندن من جماعة الإخوان المسلمين بعد الربيع العربي. وهكذا التقت رغبة الحكومة البريطانية في تعزيز علاقاتها بالإمارات مع حاجة السلطات المحلية إلى أموال تحرك مشروعات متوقفة.
وفي يونيو/حزيران 2014، أُعلنت شراكة "مانشستر لايف" بين المجلس ومجموعة أبوظبي المتحدة، باستثمارات مستهدفة تصل إلى مليار جنيه إسترليني خلال عشر سنوات. ورحبت وزارة الخزانة بالمبادرة ضمن خططها لإنعاش شمال إنجلترا، معلنة مرحلة أولى تتجاوز 830 مسكنًا، مع طموح لتحفيز تطوير أكثر من ستة آلاف وحدة في المنطقة.
ويوضح هذا التسلسل أن النفوذ تشكل من خلال تعاون مستويين من السلطة: حكومة محافظة في لندن وقيادة عمالية في مانشستر. كما أن مساعي التجديد العمراني سبقت دخول المستثمر الإماراتي، الذي انخرط في مشروعات وبنية عامة قائمة، ثم أصبح شريكًا في استكمالها.
وبينما يدافع رئيس المجلس السابق ريتشارد ليس عن الشراكة، مقدرا أنها أعادت البناء إلى مناطق عزف عنها المطورون، يرى منتقدوها أن ربط تجديد المدينة بمستثمر شديد الثراء منح أبوظبي موقعًا يتجاوز دور الممول. فقد أصبح استمرار التنمية حجة للدفاع عن العلاقة، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة السلطات على مراجعة شروطها ومساءلة الطرف الذي تعتمد عليه.

الأرض وشروط النفوذ
تجسدت العلاقة في الأرض، وهي مورد تملك السلطات المحلية سلطة التصرف فيه. ووثق باحثون في جامعة شيفيلد، في دراسة نُشرت عام 2022، منح حقوق إيجار لستة مواقع عامة مقابل نحو 4.95 ملايين جنيه إسترليني، بعقود تمتد إلى 99 عامًا. واحتفظ المجلس بالملكية الأصلية، لكن طول مدة العقود منح الشركات سيطرة اقتصادية شبه دائمة على استخدام المواقع وتطويرها.
ولم تقتصر المزايا على المواقع الأولى، إذ منحت اتفاقية تعاون أُبرمت في ديسمبر/كانون الأول 2015 الطرف المرتبط بأبوظبي أولوية الحصول على فرص لتطوير أراضٍ أخرى.
واستمرت الاتفاقية عشر سنوات، وتضمنت اشتراط الحصول على موافقة كتابية مسبقة على الإعلانات المتعلقة بالشراكة، ما جعل حدود الشفافية نفسها جزءًا من الترتيب التعاقدي.
ويدافع المجلس عن هذا البند بوصفه إجراءً لتنظيم الإفصاح بين الشركاء، بينما تركز الاعتراضات على أثره في قدرة الجمهور على معرفة شروط التصرف في أصوله. كما أثار تفضيل شريك بعينه تساؤلات بشأن الفرص المتاحة للمنافسين الآخرين، وكيفية ضمان أفضل عائد للمدينة.
وتزيد بنية الشركات تعقيد الصورة. فالشراكة في التطوير لا تعني اقتسام جميع إيرادات العقارات بالتساوي، إذ تؤكد "مانشستر لايف" أن مبانيها المؤجرة مملوكة لشركات مسجلة في جيرسي، ضمن هيكل تابع للمستثمر، بينما يحصل المجلس على عوائد محددة تعاقديًا.
وتقول الشركة إن المستثمر تحمل تكاليف التطوير ومخاطره، وإن الأراضي قُدمت بشروط تجارية، وإن إيرادات البيع والإيجار تخضع للضريبة البريطانية. لذلك، تتركز المساءلة حول عدالة توزيع القيمة الناتجة عن الاستثمار والأرض العامة معًا، ومدى وضوح العقود التي تحكم هذا التوزيع.
وتكشف هذه الآلية كيف يمكن أن يتسع النفوذ عبر شروط الشراكة، من امتلاك مشروع إلى ضمان موقع متقدم في فرص المدينة المستقبلية، مع بقاء تفاصيل مؤثرة بعيدة عن التدقيق العام.

شبكة تصل إلى المسؤولين
وراء العقود، تظهر شبكة تجمع بين الأعمال والعلاقات السياسية. وفي مركزها منصور بن زايد، نائب رئيس دولة الإمارات ومالك الحصة المسيطرة في مانشستر سيتي، وإلى جانبه خلدون المبارك، رئيس مجلس إدارة النادي والرئيس التنفيذي لشركة مبادلة ورئيس جهاز الشؤون التنفيذية في أبوظبي. وتمنح هذه المواقع المتداخلة العلاقة امتدادًا يتجاوز إدارة فريق كرة قدم.
وتربط شخصيات أخرى بين النادي والتطوير العقاري، إذ يرأس مارتي إيدلمان شركة "مانشستر لايف"، إلى جانب عضويته في مجلس إدارة مجموعة سيتي، بينما يجمع سايمون بيرس بين عضوية مجلسي النادي والشركة العقارية وعمله مستشارًا في جهاز الشؤون التنفيذية.
وعلى الجانب البريطاني، برز ريتشارد ليس وهوارد برنشتاين، الرئيس التنفيذي السابق للمجلس، في بناء الشراكة. وبعد تقاعد برنشتاين من البلدية عام 2017، عينته مجموعة سيتي مستشارًا للتطوير الإستراتيجي، وأصبح عضوًا في مجلس إدارة شركة مشتركة مع المجلس المحلي لتطوير منطقة الملعب. وفي عام 2023، منح ليس منصب الرئيس الفخري للنادي.
وتوضح هذه الانتقالات مدى التقارب بين دوائر صنع القرار المحلي والمستثمر، لكنها لا تثبت بمفردها وقوع مخالفة أو تحقيق منفعة غير مشروعة. وتنبع حساسيتها من أن خبرات وعلاقات اكتسبها مسؤولون داخل المؤسسات العامة أصبحت متاحة للشريك التجاري الذي تعاملوا معه.
وامتدت المساءلة إلى آندي بورنهام، رئيس الوزراء الحالي وعمدة مانشستر الكبرى سابقًا. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2026، أثار الكشف عن اتصالاته بقيادات النادي تساؤلات بشأن مدى اكتمال الإفصاح، بعدما برزت مناسبتا عشاء جمعته بخلدون المبارك عامي 2017 و2018، لم يُفصح عنهما في بيان رسمي.
وأكد مكتبه أن الضيافة أُعلنت وفق الإجراءات المعتادة، بينما نفى بورنهام أن يكون مسؤولو النادي قد ناقشوا معه اتهامات تتعلق بمخالفاتهم المالية. ومع ذلك، أعاد الجدل طرح حدود الفصل بين العلاقات الاستثمارية ومسؤولية السياسيين عن ضمان الرقابة المستقلة وحماية ثقة الجمهور في القرارات العامة.
مال عام وعائد اجتماعي
تكتسب أسئلة الرقابة أهمية أكبر عند تتبع التمويل. ففي عام 2017، ترأس بورنهام اجتماعات وافقت على منح قروض لشركات عقارية مسجلة في جيرسي وتعود ملكيتها النهائية إلى منصور بن زايد.
وبلغ التمويل نحو 55 مليون جنيه إسترليني، وشمل مشروعات "نيو ليتل ميل" و"فيستا ستريت" و"لامبويك". وحصل المشروع الأخير على موافقة لقرض بقيمة 24.5 مليون جنيه لبناء 213 وحدة مخصصة للإيجار الخاص.
وتمحور أحد الأسئلة التي أثارتها هذه الترتيبات حول مبرر تمويل شركات تعود ملكيتها إلى مستثمر بهذه الثروة من صندوق استثمار سكني عام. وتؤكد سلطة مانشستر الكبرى أن القروض سُددت بالكامل، وأن التمويل متاح للمطورين الذين يستوفون الشروط. لكن السداد لا يحسم الجدل بشأن أولويات توجيه الأموال أو مدى حاجة المشروعات إليها. وقد دفع ذلك أعضاء لجنة الرقابة إلى مراجعة إجراءات الموافقة.
وتظهر حصيلة الإسكان جانبًا آخر من المساءلة. فبحسب "الغارديان"، وفرت "مانشستر لايف" 2039 وحدة سكنية، وأضاف مطورون آخرون 2839 وحدة، ليبلغ الإجمالي 4878 وحدة، أي أقل بنحو الخمس من هدف الستة آلاف وحدة الذي رافق إطلاق المبادرة.
والأكثر دلالة أن الإسكان الاجتماعي والميسر لم يمثل سوى 8 بالمئة من الوحدات المنجزة في المنطقة، مقابل سياسة محلية تستهدف تخصيص 20 بالمئة على الأقل لهذه الفئة، من دون مساهمة من "مانشستر لايف" ضمنها.
وتضع هذه الفجوة في الانتفاع بالتنمية جوهر الاعتراضات، خصوصًا حين تسهم الموارد العامة في مشروعات يغلب عليها السكن التجاري.
في المقابل، يقول المجلس إنه حصل على نحو ثلاثة ملايين جنيه بموجب تقاسم الأرباح، إضافة إلى 17.6 مليون جنيه من الضرائب المحلية. وتشير الشركة إلى تأهيل مبانٍ تاريخية، وتوفير مساحات للأعمال، وإتاحة فرص للتدريب.
وهذه منافع ملموسة، لكن تقييم الصفقة يظل مرتبطًا بكيفية توزيعها: كم عاد منها إلى السكان المحتاجين إلى السكن؟ وكم أسهم في تعزيز قيمة أصول المستثمر؟ وهنا ينتقل الخلاف من حجم البناء إلى الغرض الاجتماعي من تمويل المشروعات وتسهيلها.

اعتراضات تتجاوز كرة القدم
تتنوع الاعتراضات بتنوع آثار الشراكة. فعلى المستوى المحلي، أثار باحثون، بينهم جوناثان سيلفر وآدم ليفر وريتشارد غولدينغ، تساؤلات بشأن تقييم الأراضي والعائد العام وشفافية الهياكل المالية. والتقت هذه الانتقادات مع مطالب حملة "العمل من أجل الإسكان في مانشستر الكبرى" بإخضاع التصرف في الأراضي لاحتياجات السكان، ومنح الإسكان الاجتماعي أولوية عند تحديد استخداماتها.
وعلى المستوى الحقوقي، تتهم منظمة "فير سكوير" قيادات المدينة بالمساعدة على ترسيخ نفوذ سياسي إماراتي عبر الرياضة والاستثمار. وأورد تقرير للمنظمة صدر عام 2023 أن مسؤولين تدخلوا لحذف إشارة ناقدة للعلاقة بالإمارات من فعالية لإحياء تاريخ مانشستر الديمقراطي عام 2019. وتضع هذه الواقعة حرية النقد ضمن كلفة العلاقة المثيرة للجدل.
وسبق أن طالبت منظمات، بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، بورنهام باستخدام صلات المدينة للمطالبة بالإفراج عن المدافع الإماراتي عن حقوق الإنسان أحمد منصور. ويتمحور اعتراضها حول مخاوف من أن تتحول المصالح الاقتصادية إلى سبب للصمت عن الانتهاكات، وأن يُستثمر نجاح النادي في تحسين صورة السلطات الإماراتية.
أما على المستوى السياسي، فقد طالب الديمقراطيون الأحرار بالكشف عن لقاءات بورنهام وضيافته وصلاته بمالكي النادي، بما يتيح فحص مدى تأثير المستثمرين في المسؤولين. وهكذا تتقاطع اعتراضات الإسكان والحقوق والشفافية، من دون أن تشكل موقفًا موحدًا رافضًا للاستثمارات الإماراتية.
ويمنح التدقيق الرسمي بعض هذه المخاوف أساسًا، إذ أقر تقرير للمجلس في يوليو/تموز 2026 بأن مراجعات سابقة رصدت ضعفًا في توثيق اتفاقيات التطوير ومتابعتها، رغم ما حققته من منافع اقتصادية.
ورغم أن الأموال الإماراتية تمثل جزءًا من الاستثمار الأجنبي في مانشستر، فإن حضورها يجمع بين رمزية النادي والأرض والعلاقات السياسية. ومن هنا يتحدد الاختبار المقبل: هل تستطيع المدينة إخضاع شريك أسهم في إعادة تشكيلها لمساءلة علنية، أم أن حاجتها إلى استثماراته ستجعل شروط العلاقة أقوى من قدرتها على مراجعتها؟
المصادر
- ‘That’s the way the city works’: how the UAE changed the face of Andy Burnham’s Manchester
- Emirati-linked firms’ ownership of Manchester land ‘up 39%’ in 10 years
- “إنهم جماعة أنانيون”: كيف أسهمت أبوظبي في تشكيل مانشستر الحديثة
- مانشستر سيتي يستأنف حكم إدانته بانتهاكات مالية خطيرة.. فهل ينقذه تمويل أبوظبي؟
- "تهديد إماراتي بسحب المليارات من بريطانيا" - في التليغراف

















