أزمة السعودية تعيد رسم حسابات ليبيا.. هل تنحاز أوروبا إلى حفتر؟

"المشكلة في برلين وبروكسل ولندن ومدريد وباريس وروما لا تقتصر على تشاؤم قادتها"
في اللحظة التي أعلنت فيها السعودية عجزها عن مواصلة إمداد أوروبا بالنفط، وجدت العواصم الأوروبية نفسها أمام أزمة طاقة خانقة، دفعت أصواتا أميركية إلى اقتراح وجهة بديلة عنوانها شرق ليبيا الذي يسيطر عليه الجنرال الانقلابي خليفة حفتر.
ففي مقال بموقع "منتدى الشرق الأوسط" الأميركي، المعروف بارتباطه باللوبي الصهيوني، رأى مايكل روبين، أن أوروبا تسيء قراءة المشهد الليبي بما يفاقم أزمتها، داعيا إياها إلى العمل مع حفتر بدل عبد الحميد الدبيبة لتعويض العجز السعودي بالنفط الليبي.
وروبين مسؤول سابق في وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، متخصص في الشأن الإيراني والتركي والقرن الإفريقي، له تجارب ميدانية في إيران واليمن والعراق، وتعامل مع حركة طالبان قبل هجمات 11 سبتمبر/أيلول.
وأوضح روبين أنه مع إعلان الرياض عجزها عن الحفاظ على شحناتها النفطية إلى أوروبا، أصاب الذعر المسؤولين الأوروبيين، فعقود من الاستثمار الأوروبي في الطاقة البديلة رفعت الأسعار دون أن تلبّي الطلب الأساسي على الطاقة.
ونبّه إلى أن أوروبا تحتاج إلى الوقود الأحفوري، وأنه من دونه سيعاني الأوروبيون، وستضطر عواصمهم في النهاية إلى فرض قيود على استهلاك البنزين أو تقليص الصناعة. مشيرا إلى أن ألمانيا نفسها أدركت أن إبرام صفقات غاز منفصلة مع روسيا يعرّض القارة كلها للخطر.
ورأى أن الأمر لم يكن حتميا، فالمشكلة لا تنحصر في فشل أجيال متعاقبة من القادة الأوروبيين في التعامل بجدية مع تهديد الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأذرعها، أو في السعي إلى الحفاظ عليها، كما في حالة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وفق تعبيره.
حيث زعم أن النزعة التجارية لوزارات الخارجية الأوروبية وخرقها العقوبات ضخّا الأموال في خزائن إيران وأذرعها، وضحّيا بالصحة المالية الأوروبية بعيدة المدى مقابل مكاسب آنية لشركاتها ومواطنيها.
وأضاف أن تساهل أوروبا مع الصين تجاهل أن بكين قد تتشدّد مع الرياض لضمان أن يقدّم ولي العهد، محمد بن سلمان، احتياجات الصين من الطاقة على احتياجات أوروبا.
وزعم أن المشكلة في برلين وبروكسل ولندن ومدريد وباريس وروما لا تقتصر على تشاؤم قادتها، بل تشمل أيضا استعدادهم لمنح “التطرف الإسلامي” غطاء أمميا اعتباطيا على حساب مصالحهم الوطنية، على حد قوله.
ورأى أن هذا العنصر بالذات ما ينبغي للقادة الأوروبيين أن يفكروا فيه وهم يدخلون شتاء باردا.

مخرج مقترح
لكنه رأى أن أمامهم مخرجا، هو شرق ليبيا و"القوات المسلحة العربية الليبية" التي تسيطر، بحسب زعمه، على أكثر من 70 بالمئة من هذا البلد الواقع في شمال إفريقيا، بما في ذلك حقوله النفطية وأنابيبه ومحطات التصدير الكبرى.
وأشار إلى أن المشكلة تعود إلى 15 عاما، فبعد انهيار نظام الزعيم الليبي معمر القذافي، انزلقت ليبيا إلى الفوضى لفترة وجيزة.
ولفت إلى أن ذكرى مقتل السفير الأميركي، كريس ستيفنز، في بنغازي، على يد جماعة "أنصار الشريعة"، لا تزال حاضرة بقوة في الولايات المتحدة، مضيفا أن ما جرى بعد ذلك بالغ الأهمية.
وزعم أن الجنرال السابق في عهد القذافي، خليفة حفتر، حشد المواطنين في بنغازي لاستعادة البلاد، وأنهم فقدوا أكثر من 5000 شخص، لكنهم أعادوا النظام إلى شرق ليبيا، بقتل عناصر الميليشيات وسجنهم أو دفعهم إلى الفرار من مناطق سيطرتهم.
وادّعى أن لدى الليبيين حسا سليما، فهم يعرفون أن بلادهم تملك ثروة طبيعية هائلة، ومع أنهم محافظون دينيا واجتماعيا على المستوى الفردي، فإنهم يدركون أن الجماعات الإسلامية لا تجلب سوى البؤس.
وزعم أنه في مجتمع متديّن كالمجتمع الليبي، لا يحمي الإسلاميون الدين بقدر ما يستخدمون الإسلام لصرف أي تساؤل عن فسادهم وسوء إدارتهم، وولاءاتهم الخارجية في أحيان كثيرة.
وأضاف أنه ما كان ينبغي أن يفاجئ أحدا فوز القوميين الليبيين في الانتخابات التالية، لكن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، ومعاونها جيك سوليفان، والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وممثله الخاص لليبيا إيان مارتن، ومسؤولين أوروبيين، خشوا أن يدفع التهميش الانتخابي بالإسلاميين إلى التمرد.
وذكر أن ردّهم كان الاسترضاء، بإجبار المنتصرين في الانتخابات الليبية على قبول رئيس وزراء إسلامي في طرابلس، اعترفت به الأمم المتحدة زعيما شرعيا لليبيا.
شرق مقابل غرب
وقال روبين: إن ذلك الرجل هو اليوم عبد الحميد الدبيبة، الواجهة لعائلة أعمال من مصراتة، والذي يراه معظم الليبيين، وفق زعمه، أحمق متخبّطا.
وأضاف أن الدبيبة بالكاد يربط جملتين، وأن سجلّه يوحي بأنه أكثر اهتماما بالترويج للأيديولوجيا الإسلامية وإثراء نفسه من إعادة بناء ليبيا.
وضرب مثلا بمطار طرابلس الذي دُمّر في الحرب وظل خارج الخدمة، مع تحويل الرحلات الدولية إلى قاعدة عسكرية سابقة متهالكة، فيما جدّدت بنغازي مطار بنينا الدولي القديم، وتُنجز مطارا حديثا في الجهة الأخرى من المدينة، مصمّما لينافس دبي وقطر.
وذكر أن ثمة فرقا شاسعا في الأمن، فبنغازي وسرت ودرنة وطبرق، وحتى مدن الجنوب مثل سبها والقطرون وتراغن، آمنة عموما، زاعما أنه كثيرا ما يتجوّل سيرا وبالسيارة في بنغازي وسرت من دون حراسة.
وزعم أن طرابلس ومصراتة، الخاضعتين لسيطرة الدبيبة، تبقيان ملاذين للمليشيات، ومنها "أنصار الشريعة"، وأنهما أقرب إلى مقديشو منهما إلى ميلانو.
واتهم الدبيبة برعاية الدعم التركي والقطري والتماس أموالهما، لإبقاء نفسه في السلطة واتّباع إملاءاتهما، بما في ذلك الترويج للأيديولوجيا الإسلامية ومنح عقود ليبية لجهات تركية وقطرية، وتأييد مطالب بحرية تركية أوسع في شرق المتوسط.
ووفق زعمه، فإن الدبيبة دمية وحصان طروادة بلا سند شعبي حقيقي داخل ليبيا، وأن ولايته النظرية انتهت قبل سنوات.
وتساءل روبين عن سبب اعتراف أوروبا بطرف يمكّن المليشيات ويعجز عن تحقيق الاستقرار، بينما يقابله طرف يظهر قدرة واضحة ويسيطر على الأرض والبنية النفطية ويوفّر الأمن.
وزعم أن حفتر وابنه صدام ليسا انفصاليين، وأنهما يدافعان عن السيادة الليبية أكثر ممّن يبيعونها لأنقرة أو الدوحة، أو يعتنقون أيديولوجيات تتجاهل الحدود الوطنية.
ولفت إلى أنهما يتّخذان بنغازي مقرا لحكومتهما لا رغبة في تقسيم ليبيا إلى مكوّناتها قبل القرن العشرين، وإنما لأن تركيا زوّدت حكومة طرابلس بطائرات مسيّرة لحماية مصالحها. مضيفا أن الدستور الليبي الأصلي ينص على عاصمتين متساويتين.

صفقة محتملة
وفي الوقت الذي تلوح فيه أزمة طاقة، دعا روبين أوروبا إلى الاعتراف بالواقع بدل مضاعفة أخطاء كلينتون وبان كي مون، كما لا تزال تميل إدارة ملف ليبيا في الخارجية الأميركية، معتبرا أن ذلك لن يكون خدمة لمصلحة أحادية، وإنما تبادلا للمنفعة.
وزعم أن الليبيين، بمن فيهم سكان طرابلس، يريدون إنهاء التجربة الدولية في استرضاء الإسلاميين، وأنهم قد يربطون الاعتراف بآل حفتر سلطة انتقالية بالتزام بإجراء انتخابات ليبية خلال عام، وإقامة عاصمة موحّدة في مدينة سرت الرمزية، على منتصف الطريق بين بنغازي وطرابلس.
وأوضح أن بإمكانهم عندئذ التعامل مباشرة على النفط الليبي، وهي فكرة ليست جديدة ولا صعبة؛ إذ اشترى الأوروبيون بالفعل، حتى عام 2024، ما يزيد على 21 مليار دولار من النفط الليبي، رغم صعوبة التعامل مع الدبيبة الذي حوّل معظم العائدات.
وأضاف أنه بالعمل مع حفتر، يستطيع الأوروبيون زيادة الإنتاج وتعويض العجز السعودي، فحفتر مباشر وفي موقعه، وقادر على إبرام الصفقة التي يعجز عنها الدبيبة.
وتابع أنه بنقل أمن الطاقة الأوروبي إلى ليبيا، تضمن أوروبا لنفسها تدفّقا نفطيا لا يحتاج إلى العبور من مضيق هرمز أو باب المندب أو قناة السويس، ويصبح النفط السعودي في المقام الأول مشكلة الصين.
وأشار إلى أن أوروبا تؤمّن نفسها بدلا من ذلك بالنفط الليبي وغاز شرق المتوسط.
وختم المسؤول السابق المحسوب على إسرائيل بأن الدبلوماسيين المتخاذلين في العواصم الأوروبية إذا تمسّكوا بالدبيبة، ولم تفعل حكوماتهم شيئا، فإنهم يستحقون الفوضى التي قد تحلّ بالقارة قريبا.
















