مجلة صهيونية تحرض على جمعيات أميركا الخيرية: متى توقف واشنطن التمويل؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

“الكلمات قد تكون قاتلة، لكن الأيديولوجيا وحدها لا تكفي للحفاظ على بقاء التنظيمات أو بناء شبكاتها الممتدة عبر الحدود أو تمويل عملياتها؛ فالمال يظلّ عصبها الأساسي”.

انطلاقا من هذا الادعاء، تحرض مجلة "منبر القدس للشؤون الاستراتيجية" (The Jerusalem Strategic Tribune) الأميركية الصهيونية، ضد ما وصفته بـ"اتساع" الشبكات المالية العابرة للحدود التي تربط فروع جماعة الإخوان المسلمين، مثل حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

وتصدر مجلة "منبر القدس للشؤون الإستراتيجية" باللغة الإنجليزية، ويرأس تحريرها إسرائيلي، وتركز على العلاقات بين واشنطن وتل أبيب والتحريض ضد المسلمين والفلسطينيين.

وفي تقريرها، زعمت المجلة أن "المسألة لم تعد مجرد طرح نظري، والأدلة بشأنها بدأت تظهر وتتبلور تباعا".

أدلة مزعومة

ففي يونيو/حزيران 2026، اتهمت وزارة العدل الأميركية أحد المقيمين في سان دييغو بجمع نحو 600 ألف دولار عبر حملات وُصفت بأنها إنسانية، وتحويل جزء منها إلى حماس، على أن تبقى هذه الاتهامات رهن الإثبات أمام القضاء.

وفي يوليو/تموز من العام نفسه، قالت وزارة الخزانة الأميركية إنها كشفت بنية "متعددة الطبقات" تدير فيها فروع للإخوان ومنظمات واجهة موجَّهة من حماس قنوات لجمع الأموال عبر الحدود، مستخدمة واجهات خيرية وشبكات مصرفية سرية لتحريك الأموال وإخفائها.

ثم في الأول من سبتمبر/أيلول، أعلنت وزارة العدل أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) صادر أكثر من 560 ألف دولار من العملات المشفّرة كانت موجَّهة إلى حماس، في إطار تفكيك بنية لجمع التبرعات والتجنيد.

ورأت المجلة أن هذه القضايا تقود إلى سؤال جوهري عمّا لم يُكتشف بعد.

وأشارت إلى أن إدارة دونالد ترامب انتقلت من النقاش إلى الفعل؛ إذ صنّفت فروعا بعينها للإخوان، واستهدفت شبكات مالية تقول السلطات الأميركية إنها تربط تلك الفروع بحماس.

وكان الرئيس ترامب قد وقّع في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أمرا تنفيذيا حمل الرقم 14362، يوجّه وزارتي الخارجية والخزانة إلى بحث تصنيف فروع بعينها للإخوان في لبنان والأردن ومصر منظمات إرهابية أجنبية.

ولم يصنّف الأمر التنفيذي أي جهة بذاتها؛ إذ اكتفى بتحديد مهلة 30 يوما لإعداد تقرير مشترك بين الوزارتين، ثم 45 يوما لاتخاذ إجراءات التصنيف والعقوبات.

ويترتّب على التصنيف، حال إقراره، تجميد الأصول وحظر التعاملات المالية ومنع الدخول إلى الأراضي الأميركية، مستندا إلى ما وصفه الأمر بضلوع الجماعة في العنف، ومنه هجمات صاروخية على إسرائيل عقب السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ورأت المجلة أن التصنيف ينبغي أن يكون بداية الإستراتيجية. فالاكتفاء به يعني التوقف عند أول الطريق، بينما المطلوب البناء عليه لتفكيك البنية المالية الأوسع خلف هذه الشبكات.

ولفتت المجلة إلى أن سيباستيان غوركا، نائب مساعد الرئيس والمدير الأول لمكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي؛ ونانسي دحدوح، مديرة مكافحة الإرهاب لملف الحركة الجهادية العالمية والتهديدات السنّية، عملا مباشرة على هذا التحدي.

وأضافت المجلة أنهما يعرفان الملف عن قرب، وأسهما في ترسيخ هذه الرؤية داخل الإدارة، وفي نقل القضية من النقاش إلى خطوات ملموسة.

إستراتيجية منسّقة

ونبّهت المجلة إلى أن التحدي الآن يكمن في البناء على ما تحقق، وفي بلورة إستراتيجية منسّقة قادرة على كشف البنية المالية الأوسع خلف هذه الشبكات العابرة للحدود، وتعطيلها.

وذكرت أن وزارات الخزانة والخارجية والعدل، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ومجتمع الاستخبارات، يملكون بالفعل صلاحيات وقدرات هائلة، وأن بوسع مجلس الأمن القومي أن يجعلها جزءا من إستراتيجية متماسكة في مواجهة شبكات لا تعترف بالحدود البيروقراطية ولا الوطنية.

ودعت المجلة التابعة للوبي الصهيوني إلى أن يكون الرد عابرا للحدود ما دامت الشبكات كذلك، وذلك عبر تعميق التعاون مع حكومات وأجهزة استخبارات وسلطات مالية موثوقة في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا.

وأوجزت هدفها في عبارة واحدة هي تتبّع المال؛ فمن يجمعه؟ ومن يتلقاه؟ وأي الجمعيات الخيرية تحوّله؟ وأي الشركات والوسطاء الماليين يحرّكونه؟

وتساءلت أين يلتقي المديرون والمتبرعون والمستفيدون المشتركون؟ وأين يعبر المال من ولاية قضائية إلى أخرى؟ والأهم، أين ينتهي به المطاف في نهاية المسار؟

وأشارت المجلة إلى أن الأسئلة نفسها تستحق أن تُطرح داخل الولايات المتحدة، فالنظام الخيري وغير الربحي الأميركي يتيح حرية استثنائية في جمع الأموال لأغراض دينية وإنسانية واجتماعية.

وطالبت السلطات الفيدرالية بأن تفحص، عند توافر الأدلة، ما إذا كان أحد يستغل هذه الحماية أو الصفة غير الربحية أو جمع التبرعات لإخفاء تدفقات مالية تصبّ في مصلحة منظمات مصنّفة إرهابية.

وزعمت أن القضية عندها قضية سلوك ومال وأدلة، فيما يبقى الدِّين خارج دائرة النقاش.

وتُعدّ جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في مصر عام 1928، حركة عابرة للحدود تنتشر فروعها في عدد من الدول، بأوضاع قانونية متباينة تتراوح بين الحظر والاعتراف الرسمي، وهو ما يعقّد أي تصنيف شامل لها.

وحذّرت منظمات حقوقية من أن تصنيفا أميركيا قد يوفّر غطاء لمزيد من الحملات الأمنية في دول مثل مصر، ومن تبعات تطول منظمات المجتمع المدني العاملة في قضايا حقوق الإنسان بالمنطقة.

ولا يُعدّ هذا التوجّه جديدا في واشنطن، فقد جرت محاولات متكرّرة لتصنيف الجماعة منذ ولاية ترامب الأولى، تعثّرت بفعل عقبات قانونية وتحفّظات داخل وزارتي الخارجية والدفاع، وتوازيها اليوم مشاريع قوانين معروضة على الكونغرس تحمل الغرض ذاته.

وأفادت المجلة بأن وزارة الخزانة قدّمت بالفعل ما يدعو إلى تعميق النظر؛ إذ وصفت واجهات خيرية وشبكات مالية سرية ووسطاء وبنى عابرة للحدود مرتبطة بحماس وفروع الإخوان.

ورأت أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تتجاوز إصدار قوائم تصنيف جديدة نحو رسم خريطة كاملة لهذه البنية.

وأوضحت أن ذلك يعني رصد منظمات قد تبدو غير مترابطة، لكنها تشترك في وسطاء ماليين أو مديرين أو متبرعين أو مستفيدين أو شركاء أجانب.

ويعني تتبّع الوجهة النهائية للأموال دون التوقف عند غرضها الإنساني المعلن، وربط المعلومات لدى مختلف الأجهزة الأميركية بما هو متاح من معلومات استخباراتية ومالية لدى حكومات أجنبية موثوقة.

تحرّك استباقي

ورأى المنبر الصهيوني أن هنا يكمن تفرّد القوة الأميركية، فالدور الدولي للدولار، واتساع النظام المالي الأميركي، وصلاحيات الخزانة في فرض العقوبات، والقدرات الاستخباراتية، وعلاقات واشنطن بحكومات العالم، أدوات استثنائية لكشف الشبكات المالية غير المشروعة أينما توافر الاختصاص القانوني اللازم.

وأضافت المجلة أن هناك اليوم منظمات وشبكات قد تبقى قانونية ومشتّتة وتبدو غير مترابطة، إلى أن تكشف علاقات مالية أو وسطاء مشتركون أو صلات تنظيمية عن بنية أكبر.

ودعت إلى عدم افتراض وجود تلك الصلات سلفا، وفي الوقت نفسه إلى عدم انتظار هجوم جديد لاكتشافها، والتحقق من وجودها عبر تحقيق منهجي وأدلة.

ورأت المجلة أن 7 أكتوبر/تشرين الأول أظهر مجددا عواقب الاستهانة بالشبكات والنوايا والقدرات، وأن أمام واشنطن اليوم فرصة للتحرك استباقيا نحو منابع هذه الشبكات.

وختمت المجلة داعية الرئيس ترامب إلى منح غوركا ودحدوح وفريق مكافحة الإرهاب تفويضا أوسع لتنسيق هذا الجهد داخل مؤسسات الدولة الأميركية ومع شركائها في الخارج.