أردوغان ومنظمة شنغهاي.. مناورة جيوسياسية أم تحول في بوصلة تركيا؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

بعد اختتام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مشاركته في قمة منظمة شنغهاي للتعاون بالعاصمة القرغيزية بيشكيك، في سبتمبر/ أيلول 2026، أعلن أن أنقرة ستواصل تعزيز علاقاتها مع المنظمة، ووصفها صراحة بأنها "مكمل للأمم المتحدة".

وفي تصريحات أدلى بها للصحفيين على متن طائرة الرئاسة خلال عودته إلى تركيا، كشف أردوغان بصورة أكثر وضوحا عن رغبة بلاده في أن تصبح عضوا كامل العضوية في منظمة شنغهاي للتعاون.

خطوة عدّها موقع "تينسنت" الصيني "تنقل طموحات أنقرة التاريخية بشأن إعادة هيكلة النظام العالمي إلى قلب آليات التعاون في أوراسيا".

إضفاء الشرعية

وأشار التقرير إلى أنه "منذ عام 2013، عندما بدأ أردوغان في انتقاد هيكل مجلس الأمن الدولي علنا تحت شعار (العالم أكبر من خمسة)، شكّك الرئيس التركي مرارا في فاعلية نظام العضوية الدائمة الحالي في مجلس الأمن، وطرح تصورا يقضي بتناوب 20 دولة على عضوية المجلس".

ووفقا له، "يتمثل المطلب الأساسي لأنقرة في كسر منظومة الامتيازات التي تحتكرها القوى الكبرى حاليا، والحصول لنفسها على مقعد دائم في آلية صنع القرار على قدم المساواة مع تلك القوى".

في هذا السياق، يرى الموقع أنه "في ظل صعوبة حصول تركيا على مقعد دائم في إطار منظومة الأمم المتحدة، وجهت أنقرة أنظارها نحو منصة دولية متعددة الأطراف تعتمد مبدأ (الإجماع الكامل)"؛ إذ تمنح قواعد التصويت في منظمة شنغهاي للتعاون كل دولة عضو كامل العضوية حق النقض على القرارات الرئيسة. 

من هنا، قدر الموقع أنه "بالنسبة إلى تركيا التي تطمح منذ فترة طويلة إلى امتلاك دور قيادي في وضع أجندة العمل متعدد الأطراف، لكنها تؤدي دورا ثانويا ضمن إطار الأمم المتحدة، فإن الانضمام رسميا إلى منظمة شنغهاي يعني الحصول مباشرة على حق المشاركة في أعلى مستويات صنع القرار، وهو ما تطمح إليه بشدة".

"بعبارة أوضح، يحاول أردوغان، من خلال رفع مكانة منظمة شنغهاي للتعاون إلى مستوى (مكمل للأمم المتحدة)، إضفاء شرعية على طموحات بلاده التوسعية نفوذا داخل المنظمة". وفق وصفه.

أداة للضغط

على الجانب الآخر، أوضح التقرير أن محاولات تركيا للتقارب مع الغرب لم تحقق تقدما ملموسا، وقال: "رغم عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ظلت مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي متعثرة لعقود".

وتابع: "ورغم أن تركيا تحتل موقعا إستراتيجيا مهما في منظومة الجغرافيا السياسية الغربية، بحكم سيطرتها على المضائق في البحر الأسود وموقعها كحلقة وصل بين أوروبا وآسيا، فإنها واجهت لفترة طويلة تهميشا من جانب أميركا وأوروبا في قضايا الأمن والسياسة الخارجية".

وبحسبه، "دفع هذا العجز في الثقة داخل المعسكر الغربي أنقرة إلى تطوير إستراتيجية عملية تقوم على تحقيق التوازن في الاتجاهين".

وأوضح أنه "في كل مرة تصل فيها مفاوضات أردوغان مع واشنطن أو بروكسل إلى طريق مسدود، يسارع إلى تفعيل ورقة (التوجه شرقا) كأداة دبلوماسية للضغط".

ومن ثم، يعتقد الموقع أن "إبداء الانفتاح الواضح على منظمة شنغهاي للتعاون، والتأكيد على قدرتها على أن تكون مكملة للأمم المتحدة، يشكل إشارة واضحة إلى استخدام تركيا هذه الورقة للضغط على المعسكر الغربي".

ووفق تقديره، فإن "أنقرة تسعى من خلال ذلك إلى إظهار قدرتها على التحرك عبر مسارات متعددة خارج المدار الغربي، بما يعزز أوراقها التفاوضية في مفاوضات شراء الأسلحة مع الناتو، وملفات الحقوق والمصالح في شرق البحر المتوسط، والمنافسة الجيوسياسية في سوريا".

واستطرد: "تتمثل خلاصة هذا النهج القائم على التحرك بين الشرق والغرب في استخدام المنظمات متعددة الأطراف في أوراسيا كورقة ضغط على طاولة المفاوضات، فكلما عززت أنقرة حضورها داخل منظمة شنغهاي للتعاون، تضاعفت ثقتها وقدرتها على المساومة مع الغرب".

دعم ملموس

إلى جانب الحسابات المتعلقة بالنفوذ على المستوى الجيوسياسي، يرى التقرير أن "اهتمام تركيا بمنظمة شنغهاي للتعاون يرتبط ارتباطا وثيقا بواقعها الاقتصادي الداخلي الصعب".

وعزا ذلك إلى أن تركيا "عانت خلال السنوات الأخيرة من ضغوط التضخم المرتفع، واستمر سعر صرف الليرة في التقلب، فيما تعرضت احتياطيات النقد الأجنبي لضغوط واضحة".

"ومن ثم، تحتاج أنقرة بصورة ملحة إلى فتح قنوات للتعاون في الاقتصاد الحقيقي تكون مستقلة عن المنظومتين المالية والتجارية الغربية". وفق تحليله.

في هذا الإطار، ذكر الموقع أن "منظمة شنغهاي للتعاون تغطي كتلة سكانية واقتصادية ضخمة على مستوى العالم، كما تضم دولا تمتلك احتياطيات مهمة من الطاقة وشبكات واسعة للنقل والخدمات اللوجستية البرية".

وأردف: "وبالنسبة إلى تركيا التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة، وتسعى في الوقت ذاته إلى تطوير ممر النقل الدولي العابر لبحر قزوين، فإن تعميق التعاون العملي مع دول المنظمة يرتبط مباشرة بأمن إمدادات الطاقة محليا، وتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للخدمات اللوجستية".

واستطرد: "وفي ظل القيود المفروضة على دور تركيا في المنصات الدولية التقليدية، يحتاج أردوغان إلى الانخراط في ممرات اقتصادية واعدة في أوراسيا، للحصول على مكاسب عملية تتمثل في تسهيلات تجارة الطاقة، واتفاقيات مبادلة العملات، والاستثمارات في البنية التحتية".

وعليه، خلص التقرير إلى أنه "يمكن لهذه المكاسب الاقتصادية أن تُترجم مباشرة إلى دعم ملموس لحكومته في الداخل، وأن توفر مسارا للتعامل مع الانتقادات الموجهة إلى قدرة الحكومة على إدارة الاقتصاد".

تدقيق صارم

وتطرق الموقع الصيني لموقف المنظمة من انضمام أنقرة لها قائلا: "رغم سعي تركيا إلى توظيف منظمة شنغهاي للتعاون لتوسيع حضورها وصوتها على الساحة الدولية، فإن طبيعة المنظمة وآليات عملها لا تسمحان لها بقبول محاولات تركيا توظيف عضويتها فيها للمناورة جيوسياسيا بصورة غير منضبطة".

ووفقا له، "تتجسد روح شنغهاي في الثقة المتبادلة، والمنفعة المتبادلة، والمساواة، والتشاور، واحترام تنوع الحضارات، والسعي إلى تحقيق التنمية المشتركة، فيما تستند أسس التعاون إلى الثقة الإستراتيجية الراسخة، ومبادئ عدم الانحياز وعدم المواجهة".

في هذا السياق، أشار التقرير إلى "تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون لعام 2026، حيث شدد بوضوح على أن عملية توسيع عضوية المنظمة يجب أن تسير بصورة تدريجية وحذرة ومدروسة، مع ضرورة الحيلولة دون تأثير متغيرات خارجية تفتقر إلى موقف سياسي مشترك في هيكل التعاون القائم".

وبحسب تحليل الموقع، "يعكس ذلك إدراكا واضحا لدى الدول المؤسسة بأن طلبات الانضمام التي تحمل خلفية قوية مرتبطة بالناتو، فضلا عن الطابع الانتهازي المحتمل لها، تستدعي قدرا كبيرا من الحذر".

وتابع: "تسعى منظمة شنغهاي للتعاون إلى بناء نظام دولي أكثر عدلا وإنصافا، ولا يمكن أن تتحول إلى ساحة تستخدمها دول بعينها لتعزيز أوراقها الدبلوماسية أو للمساومة مع أطراف ثالثة".

ومن ثم، خلص إلى أنه "إذا حاولت تركيا الاحتفاظ بصفة الحليف العسكري لحلف شمال الأطلسي ، وفي الوقت ذاته تحويل منظمة شنغهاي للتعاون إلى أداة لموازنة ما تعده تجاهلا غربيا لها أو للمطالبة بامتيازات سياسية، فمن المرجح أن تواجه تدقيقا صارما وعوائق إجرائية ضمن آليات المنظمة القائمة".

بعبارة أخرى، "يقوم منطق عمل المنظمة على الثقة المتبادلة الراسخة بين أعضائها، وبالتالي إن محاولات استخدام أنقرة المنظمة كأداة للمساومة مع الحفاظ على مكانتها كحليف عسكري في الناتو ستواجه حتما عقبات في مسار التوسع".