ورقة ضغط أم جبر للضرر.. ماذا وراء قرار إسبانيا منح الجنسية للصحراويين؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في خطوة رأى مراقبون أنها “ضربة جديدة” للعلاقات الإسبانية المغربية، خاصة بعد أزمة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية، صادق الكونغرس الإسباني (مجلس النواب)، على مشروع قانون يهدف إلى تسهيل حصول الصحراويين على الجنسية الإسبانية.

ففي 10 سبتمبر/أيلول 2026، ‎حصل النص القانوني، الذي تقدم به حزب "سومار"، وهو حزب يساري صغير يشارك في الحكومة مع الحزب الاشتراكي، على 168 صوتا مؤيدا، مقابل 31 صوتا معارضا و145 امتناعا عن التصويت.

تغذية الخلاف

وصوت الحزب الاشتراكي الإسباني وشريكه في الحكومة "سومار" ومعظم القوى الحليفة للحكومة لصالح النص، بينما امتنع الحزب الشعبي وحزب "خونتس"، وصوت "فوكس" اليميني المتطرف ضده.

ولا يصبح النص قانونا نافذا بمجرد تصويت مجلس النواب؛ إذ لا تزال أمامه المراحل التشريعية اللاحقة، وفي مقدمتها الإحالة على مجلس الشيوخ، لاستكمال المسار التشريعي. وإذا صودق عليه نهائيا ونشر في الجريدة الرسمية، يدخل حيز التنفيذ بعد أربعة أشهر. 

ومباشرة بعد مصادقة مجلس النواب على مشروع قانون منح الجنسية للصحراويين، أصدرت وزارة الخارجية المغربية بيانًا رسميًا بشأن أزمة سبتة، نفت فيه أي تورط مغربي في موجة العبور الجماعي، وانتقدت ما عدته اتهامات خاطئة صادرة عن أطراف سياسية إسبانية. 

ونهاية يوليو/تموز 2026، عبر أكثر من 70 ألف شخص من المغرب إلى سبتة، في محاولة للهجرة غير النظامية، بعدما تلقوا دعوات إلى ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما أدى إلى تصاعد الانتقادات في إسبانيا الموجهة إلى الرباط ورئيس الوزراء بيدرو سانشيز.

وتقع سبتة على الساحل الشمالي للمغرب، وتخضع للإدارة الإسبانية، فيما تطالب الرباط باستعادتها، وتعد المدينة من أبرز نقط عبور للمهاجرين غير النظاميين من إفريقيا نحو أوروبا.

ورغم أن بيان الرباط لم يشر صراحة إلى مشروع قانون الجنسية الصحراوية، لكنه عبّر في إحدى فقراته عن الأسف لكون "مؤسسات تشريعية وقضائية إسبانية تتبنى مبادرات غير موفقة تغذي الخلاف"، في إشارة فسرها مراقبون بأنها تقصد التشريع القانوني الجديد.‎

فحوى القانون

‎ينص مشروع القانون الجديد على تقدير وجود "ظروف استثنائية" تبرر منح الجنسية الإسبانية عبر آلية "التجنيس بمرسوم خاص" أو “Carta de naturaleza” للصحراويين المولودين في إقليم الصحراء الغربية قبل 29 سبتمبر 1977، حتى في حال عدم إقامتهم القانونية في إسبانيا.

‎ وكانت فترة الإدارة الإسبانية قد بدأت عام 1884 وانتهت بانسحاب إسبانيا من الإقليم عام 1975، على أن يعتمد مشروع القانون 29 سبتمبر 1977 تاريخا مرجعيا للاستفادة من آلية الحصول على الجنسية.

ولا يشترط النص وثيقة واحدة بعينها لإثبات هذه الصلة، بل يمكن الاستناد، بحسب الحالة، إلى بطاقة هوية إسبانية، حتى لو كانت منتهية الصلاحية، أو شهادة ميلاد، أو دفتر عائلة، أو وثائق تثبت العمل لدى الإدارة الإسبانية في الصحراء. 

ويمنح المشروع أبناء المستفيدين المباشرين من الدرجة الأولى مهلة خمس سنوات، بدءا من تسجيل جنسية أحد والديهم في السجل المدني، للتقدم بدورهم للحصول على الجنسية الإسبانية.

‎كما يعدل النص القانون المدني الإسباني لخفض مدة الإقامة القانونية المطلوبة للصحراويين المعنيين، للحصول على الجنسية من المسار العادي البالغ عشر سنوات إلى سنتين، بما يضعهم في هذه النقطة ضمن الفئات التي تستفيد أصلا من مدة إقامة مخفضة، مثل مواطني دول أميركا اللاتينية والفلبين، وغينيا الاستوائية، والبرتغال، وأندورا.

‎أما عدد المستفيدين المحتملين من مشروع قانون التجنيس، فلا يوجد رقم نهائي رسمي واحد، غير أن التقديرات المتداولة بالنسبة إلى الصحراويين المولودين في ظل الإدارة الإسبانية، تتراوح بين نحو 70 ألفا و110 آلاف شخص، فيما يمكن أن يتسع نطاق المستفيدين عند احتساب الأبناء المباشرين.

دَين إسباني

‎‎بالنسبة لمؤيدي مشروع القانون داخل إسبانيا، فإن الأمر لا يتعلق بمنح امتياز جديد بقدر ما يمثّل نوعا من جبر الضرر التاريخي واستعادة حق ارتبط بالوضع القانوني للإقليم خلال فترة الاستعمار الإسباني للصحراء الغربية.

النائبة البرلمانية تسلم سيدي عن حزب "سومار"، التي وصلت إلى إسبانيا عام 2002 وهي في الثامنة من عمرها آتية من مخيمات تندوف بالجزائر، قالت إن المشروع يعيد بطاقة الهوية الإسبانية إلى صحراويين كانوا يحملونها أو كان لهم ارتباط قانوني بالإدارة الإسبانية.

وذكّرت سيدي، خلال الجلسة العامة للبرلمان، بما يعنيه العيش كشخص بلا جنسية: "لقد أمضى الشعب الصحراوي 50 سنة في طوابير الهجرة. هناك قاصرون ينتهي بهم الأمر إلى رفضهم من المسؤولين بعبارة "أنت غير موجود ".

‎لكن، لا ينظر جميع الفاعلين السياسيين بإسبانيا إلى هذه الخطوة بالطريقة نفسها، فالحزب الشعبي امتنع عن التصويت، مع تأكيده أنه يؤيد تسهيل حصول الصحراويين على الجنسية، لكن عبر مسار الإقامة وليس الصيغة الاستثنائية التي يعتمدها المشروع. 

أما حزب "فوكس" فرفض النص، مقدرا أن الجنسية الإسبانية لا ينبغي أن تمنح من دون ضمانات وضوابط كافية.

في المقابل، رحّبت جبهة "البوليساريو" الانفصالية بهذا المشروع، مقدرة أن تصويت البرلمان الإسباني على مشروع القانون المتعلق بمنح الجنسية للصحراويين، يمثل "جزءا غير مكتمل للدين الكبير الذي ما زالت إسبانيا مطالبة بالوفاء به تجاه مستعمرتها السابقة.

وحسب "وكالة الأنباء الصحراوية"، قال رئيس المجلس الوطني الصحراوي وعضو الأمانة الوطنية للبوليساريو، البشير مصطفى السيد، إن التصويت الذي شهدته قبة البرلمان الإسباني يشكل محطة سياسية وتاريخية بالغة الدلالة، لكونه أعاد إلى واجهة السياسة الإسبانية أسئلة الذاكرة والمسؤولية التاريخية تجاه “حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير”.

وأكد السيد، أن النقاش البرلماني أظهر أن قضية الصحراء الغربية لا تزال حاضرة في الضمير السياسي والشعبي الإسباني، وأن المسؤولية التاريخية لإسبانيا تجاه الشعب الصحراوي "حقيقة تاريخية لا يمكن تجاوزها".

وأشار إلى أن "إسبانيا غادرت الصحراء الغربية بصورة مأساوية وفوضوية، تاركة الشعب الصحراوي دون تمكينه من ممارسة حقه في تقرير المصير، رغم التعهدات والالتزامات المرتبطة بعملية إنهاء الاستعمار".

ودعا السيد، إسبانيا إلى "ترجمة هذا القرار إلى موقف سياسي شجاع وموحد يوظف مكانتها داخل الاتحاد الأوروبي وعلى المستوى الدولي للدفاع عن الشرعية الدولية، ودعم حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال والاعتراف بدولته، والمساهمة الفعلية في إنهاء الاستعمار من الصحراء الغربية".

‎وفي نفس الاتجاه يسير مؤيدو القانون من الصحراويين الذين يرون أن التشريع الجديد يمثل خطوة أولى في اتجاه إنصاف الصحراويين من جانب إسبانيا، في انتظار تحمل مدريد لمسؤوليتها السياسية والتاريخية.

الباحث الصحراوي بجامعة إشبيلية بشير محمد لحسن، قال: إن القانون جاء لمعالجة الإرث الاستعماري الإسباني للصحراء الغربية، مضيفا أنه يهدف لاسترجاع الصحراويين للجنسية الإسبانية.

وأضاف محمد لحسن، لبرنامج "نيوز زووم" على قناة "دويتشه فيله عربية"، أن هذه الخطوة القانونية تسير في الاتجاه الصحيح بالنسبة للصحراويين حيث تعترف بحقوقهم القانونية مع المستعمر الإسباني.

وتابع: "لكنها ما تزال ناقصة ما لم يكن هناك اعتراف سياسي من قبل إسبانيا بأنها لم تستشر الشعب الصحراوي قبل خروجها من الصحراء الغربية، ولم تنظم استفتاء لتقرير المصير كما فعلت كل القوى الاستعمارية".

وخلص محمد لحسن، إلى أن الشعب الصحراوي يرى بأن هذا التشريع يمثل خطوة مهمة من الناحية القانونية لإنصاف الصحراويين، مستدركا: لكنها تظل ناقصة من المنظور السياسي لأن على إسبانيا تحمل مسؤوليتها التاريخية والسياسية تجاه الشعب الصحراوي. 

خطوة انفعالية

‎وإذا كان مؤيدو مشروع القانون الجديد سواء من أطراف إسبانية أو صحراوية يصفونه بـ"التاريخي"، فإن متتبعين يرون أن هذه الخطوة تكتسب أهمية سياسية تتجاوز الوضع القانوني لملف الجنسية، لأنها تأتي في وقت حساس للغاية للعلاقات بين إسبانيا والمغرب.

فتوقيت التصويت يتزامن مع الأزمة القائمة بين الرباط ومدريد بسبب قضية سبتة، ودخول أزيد من 70 ألف مهاجر، أغلبهم مغاربة، إلى المدينة الخاضعة للإدارة الإسبانية، وهي العملية التي خلّفت أكثر من 141 غريقا. 

‎الكاتب الصحفي توفيق بوعشرين، رأى أن تصويت مجلس النواب الإسباني على مشروع قانون تجنيس الصحراويين، يمكن أن يُفهم من سياقه بأنه رد فعل على أزمة سبتة، مستغربا من تحول الحزب الاشتراكي الذي يقود حكومة مدريد من معارضة هذا التشريع إلى دعمه.

وسنة 2024 عارض الحزب الاشتراكي المتزعم للحكومة، مبادرة حزب "سومار"، المنتمي إلى الائتلاف الحكومي، بحجة استحالة تطبيقه، غير أن المتحدث باسم الحزب، باتكسي لوبيز، أكد في 7 سبتمبر 2026، أن حزبه سيدعم القانون.

وتساءل بوعشرين، في بودكاست "كلام في السياسة"، عن الأسباب الحقيقية التي دفعت الحزب الاشتراكي الإسباني إلى التحول من معارضة هذا التشريع إلى دعمه، مشيرا إلى أنه كان بإمكانه أن يقف ضد المصادقة أمام هذا القانون مادام أنه يقود الحكومة.

من جانبه، قال "عربي النص"، خبير عسكري عضو سابق في البوليساريو، إنه "لا يمكن ربط قانون الجنسية الإسبانية المقترح لفائدة الصحراويين بأمور ظرفية أو وليدة الظروف القائمة الآن.

وأضاف النص، لموقع "هسبريس" المحلي، أن التحولات التي طرأت خلال مسار القانون ترتبط أساسا بـ"الموازين الداخلية للحكومة والأحزاب الإسبانية".

 وتابع بأن الحزب الاشتراكي حاول، خلال فترة مناقشة المشروع، مراعاة ما يمكن أن يثيره القرار لدى المغرب، قبل أن يجد نفسه أمام ضغط حليفه الحكومي "سومار"، الذي يحتاج إليه للحفاظ على الأغلبية والاستمرار في السلطة.

وأضاف الخبير في الشأن الإسباني أن هذا الوضع أفرز "مدّا وجزرا" داخل الكواليس، أسهم في تعثر المسار التشريعي وجعله يسير "بخطى مثقلة"، مقدرا أن التطورات اللاحقة تؤكد ارتباط الملف بالتوازنات الحزبية الداخلية أكثر من ارتباطه بالظرف السياسي الراهن.

ورغم الاختلاف بخصوص مدى ارتباط هذه المبادرة التشريعية بأزمة سبتة، غير أن هناك تأكيدا على أن هذا المشروع سيؤثر بشكل سلبي على علاقات التعاون بين مدريد والرباط. 

خالد الشيات أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بمدينة وجدة (شرق المغرب)، قال: إن هذا القرار يمكن أن يكون عاملا سلبيا بالنسبة لإسبانيا على المستويين المتوسط والبعيد لأنه يعكس الجانب الانفعالي لمدريد التي لا تبني تصوراتها على جوانب موضوعية.

وأكد الشيات، لـ"الاستقلال"، أن هذه الخطوة القانونية ستؤثّر بشكل كبير جدا على مسار العلاقات مع المغرب خاصة ما يتعلق بالتعاون الاقتصادي بين البلدين.

ورأى أن هذه الخطوة لا علاقة لها بما هو إنساني أو قانوني، وإنما تأتي لتقدير جيوسياسي وحيد تريد إسبانيا أن تبقيه في يدها من أجل الضغط على المغرب في كل مرة.  

وشدد على أن هذا القرار يضرب في العمق كل القيم الطبيعية للعلاقات بين الدول، مبينا أنه لا توجد دولة في العالم تفتح باب الحصول على جنسيتها لفائدة فئة من سكان دولة أخرى. 

ويرى الشيات، أن هذا القانون يعكس نوعا من التعالي الاستعماري الذي تمارسه إسبانيا مع المغرب والمغاربة كأن هؤلاء لا يملكون جنسية وهي تريد أن تعطيهم هذه الجنسية، مشيرا إلى أن هذا القانون يمكن أن يُشكل عبئا في المستقبل على إسبانيا.