سباق تسلح وصراع نفوذ.. لماذا تجد إسبانيا نفسها عالقة بين الجزائر والمغرب؟

"كل عملية تسلح دفاعية تُفسر باعتبارها تهديدا هجوميا"
تضاعف الجزائر إنفاقها العسكري مقارنة بالمغرب بنحو أربع مرات، فيما تعزز موقعها في منطقة المغرب العربي من خلال تحالفاتها مع الصين وروسيا، في وقت تتسع فيه رقعة التنافس بينها وبين الرباط لتشمل إقليم الصحراء الغربية ومنطقة الساحل والطاقة، وصولا إلى العلاقة مع إسبانيا.
وقالت صحيفة "الإسبانيول": إن مدريد تجد نفسها عالقة في "الحرب الباردة" الدائرة بين المغرب والجزائر، في ظلّ تنافس يتجاوز الحدود الثنائية ليشمل الإنفاق العسكري، والنفوذ في منطقة الساحل، والطاقة، والدبلوماسية المرتبطة بالصحراء الغربية، فضلا عن استخدام الضغط على مدريد من حين إلى آخر.
ولفتت إلى أن مدينتي سبتة ومليلية تمثلان الساحة التي يصبح فيها هذا التنافس ملموسا بالنسبة إلى إسبانيا، فيما يضيف القانون الإسباني الذي يفتح الطريق أمام حصول نحو 70 ألف صحراوي على الجنسية الإسبانية عنصرا جديدا إلى هذه المواجهة.
وأضافت أن المغرب ينظر إلى هذا القانون بوصفه خطوة قد تؤدي إلى ترسيخ جالية صحراوية تتمتع بحقوق إسبانية وأوروبية، ولها قدرة على التنظيم والتأثير السياسي بما يخدم خيار تقرير المصير.
ونقلت الصحيفة عن مصدر دبلوماسي خبير في المنطقة أنّ هذه الجالية يمكن أن تتحول إلى "لوبي معادٍ للمغرب".
وأشارت إلى أن المتحدث السابق باسم الحكومة المغربية، مصطفى الخلفي، ربط علنا بين مسار قانون الجنسية وأزمة سبتة، ورأى أن القانون "قد يكون خطيرا" على العلاقات الثنائية.

معركة دبلوماسية
وقالت الصحيفة: إن الموعد المقبل للمواجهة الدبلوماسية سيكون في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، مع انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية "مينورسو"، التي أنشئت عام 1991 لمراقبة وقف إطلاق النار بين المغرب وجبهة البوليساريو والتحضير لاستفتاء حول تقرير المصير.
وأضافت أنّ تجديد ولاية البعثة سيطلق معركة دبلوماسية بين الرباط التي تسعى إلى ترسيخ مقترح الحكم الذاتي، والجزائر والبوليساريو، اللتين تدافعان عن إبقاء خيار تقرير المصير مفتوحا.
وبينت أن "مينورسو" أنشئت في الأساس لتنظيم استفتاء يختار فيه سكان الصحراء الغربية بين الاستقلال والاندماج في المغرب، غير أن الخلاف حول لوائح الناخبين والجمود السياسي حالا دون إجرائه، فيما لا تزال البعثة مرتبطة بالإطار الأممي لمسار تصفية الاستعمار.
وقال مدير مشروع شمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، ريكاردو فابياني: إن البعثة تمثل "معركة دبلوماسية أخرى حاسمة بشأن الصحراء الغربية".
وأشارت الصحيفة إلى أن قرار مجلس الأمن سيحدد طبيعة اللغة المستخدمة بشأن الحكم الذاتي وتقرير المصير، فضلا عن نطاق عمل البعثة والمناخ الذي ستجرى فيه المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة.
وأضافت أن المغرب يسعى إلى تعزيز الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي الذي قدمه سنة 2007، فيما يرى فابياني أن الرباط سترحب بتغيير اسم "مينورسو" أو حتى إغلاقها.
في المقابل، تدافع الجزائر والبوليساريو عن استمرار الوضع القائم وعن تقرير المصير بوصفه المبدأ الحاكم. وبينت الصحيفة أن استمرار البعثة يحافظ على الإشارة إلى الاستفتاء، بينما يؤدّي تقليص صلاحياتها أو تغيير مهمتها إلى نقل مركز الثقل تدريجيا نحو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وحذَّر فابياني من أن تقليص مهمة "مينورسو" أو إعادة تعريفها سيمثّل "خطوة صغيرة أخرى" باتجاه هدف المغرب، أي الوصول إلى وضع دبلوماسي وميداني يصعب التراجع عنه.
سباق التسلح
وقالت الصحيفة: إن المغرب يطور إستراتيجية بعيدة المدى تجمع بين السيطرة الميدانية والاستثمارات والاعترافات الدولية والعلاقات الأمنية والدبلوماسية، بهدف تحويل سيطرته الفعلية على الجزء الأكبر من الصحراء إلى واقع يحظى بقبول متزايد.
وأضافت أن البعد العسكري يمثّل عنصرا أساسيا في هذا التنافس. مشيرة إلى أن الجزائر أنفقت 25.4 مليار دولار على الدفاع عام 2025، أي نحو أربعة أضعاف إنفاق المغرب البالغ 6.3 مليارات دولار، وفق أحدث بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.
وأوضحت أن هذا الفارق يفرض قيودا على الإستراتيجية المغربية؛ إذ تحاول الرباط تعويض ضعفها التقليدي عبر تعزيز تحالفاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وتطوير قدرات الطائرات المسيرة، إلى جانب السيطرة على الأراضي والتحرك الدبلوماسي.
وأشارت إلى أن الجزائر تحقق مكسبًا إستراتيجيًا غير مباشر عندما تؤدي الأزمات إلى الإضرار بصورة المغرب كشريك موثوق لإسبانيا والاتحاد الأوروبي، بالتزامن مع تعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا.
ونقلت الصحيفة عن المحلل الجزائري المتخصص في الدفاع أكرم خريف أن ارتفاع الإنفاق الجزائري لا يرتبط مباشرة بالصحراء أو بالمغرب، وإنما بتحديث القوات الجوية والبحرية، والحاجة إلى نشر قدرات في الجنوب، فضلا عن التهديدات الإرهابية والطائرات المسيرة في منطقة الساحل.
وأضاف خريف أن المعدات الإسرائيلية رفعت كلفة المشتريات العسكرية المغربية، في حين يسهم حصول المغرب على معدات أميركية من فائض المخزونات في تخفيف جزء من هذه التكلفة.
وقالت الباحثة في "جيرمان مارشال فاند"، داليا غانم: إن الجيش الجزائري يبقى "الحَكَم الأخير للسلطة" في الجزائر وبالتالي في سياستها الخارجية.
وأشارت إلى أن القيادة العسكرية الجزائرية تحتفظ بذاكرة "حرب الرمال" عام 1963، وتنظر إلى المغرب بوصفه منافسا يسعى إلى تغيير موازين المنطقة، فيما ترى أن التعاون المغربي مع إسرائيل والولايات المتحدة والإمارات يسهم في تعزيز شعورها بأنها محاصَرة إقليميا.

نقطة الضغط
وقالت الصحيفة: إن المغرب عزَّز قدراته في مجال الطائرات المسيرة واتفاقيات الدفاع، كما يستفيد من الاعتراف الأميركي بسيادته على الصحراء بوصفها أدوات لموازنة التفوق العسكري الجزائري.
وأضافت أن إغلاق قنوات الحوار الدبلوماسي يجعل كل عملية تسلح دفاعية تُفسر في الجانب الآخر بوصفها تهديدا هجوميا، وهو ما يغذي دوامة التسلح.
ورأت أن الحرب المباشرة بين المغرب والجزائر تبقى مستبعدة بسبب تكلفتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولذلك تنتقل المواجهة إلى "المناطق الرمادية".
وقالت غانم: إن الجزائر لا تستخدم الهجرة للضغط على أوروبا بالطريقة المغربية. وإنما تستخدم صادرات الغاز كأداة سياسية ودبلوماسية.
وفي إقليم الصحراء الغربية، توقعت استمرار المناوشات منخفضة الحدة وهجمات الطائرات المسيرة في مناطق الفصل، في ظل استمرار عمل "مينورسو" داخل وضع هش.
أما إسبانيا، فأكدت الصحيفة أنها تحتاج إلى علاقة عملية مع المغرب لضبط الحدود ومكافحة شبكات الجريمة وتعزيز أمن مضيق جبل طارق، كما تحتاج إلى علاقة مستقرة مع الجزائر بسبب الطاقة ونفوذها في المغرب العربي ومنطقة الساحل.
وأشارت إلى أن السيادة الإسبانية القانونية على سبتة ومليلية ووجود قوات الأمن فيهما أمران غير مطروحين للنقاش، لكن انتظام الحدود يعتمد بدرجة كبيرة على الإرادة السياسية للرباط.
وأضافت أن كل أزمة حدودية تفرض على مدريد تحديات إنسانية وأمنية وسياسية، كما تمنح المغرب فرصة لاختبار مدى استعداد إسبانيا للحفاظ على موقف مستقل بشأن الصحراء.
وبيّنت الصحيفة أن إسبانيا تواجه ثلاثة ملفات مترابطة: الحفاظ على إطار الأمم المتحدة ما دامت "مينورسو" قائمة، وقراءة التحرك العسكري الجزائري من منظور المخاوف الأمنية المغربية، ومنع تحول سبتة ومليلية إلى أدوات ضغط للتأثير في موقفها من قضية الصحراء.
وقالت: إن قانون الجنسية، وتجديد ولاية "مينورسو"، والفجوة العسكرية بين الجزائر والمغرب تشكل أجزاء من رقعة إستراتيجية واحدة، بينما تمثل سبتة ومليلية المكان الذي يصبح فيه هذا الصراع الإقليمي أكثر وضوحا بالنسبة إلى إسبانيا.
وختمت الصحيفة بالقول: "سيكون تاريخ 31 أكتوبر موعدا حاسما للمعركة الدبلوماسية المقبلة، في وقت ستظل فيه سبتة ومليلية مدينتين يقيس فيهما المغرب مدى صلابة الموقف الإسباني، لتجد مدريد نفسها، رغم أنها لم تختر ذلك، مشاركة في (الحرب الباردة) الدائرة في المغرب العربي".















