بين بغداد وأربيل وطهران وأنقرة.. هل يتحول سهل نينوى إلى اختبار لسيادة العراق؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تكشف التطورات الأمنية والسياسية المتسارعة في العراق عن عودة سهل نينوى إلى واجهة إعادة تشكيل معادلات القوة في المرحلة المقبلة، في ظل تنافس محلي وإقليمي على النفوذ وترتيبات الأمن في المنطقة.

وبحسب موقع “الدبلوماسية الإيرانية”، تكتسب المنطقة أهمية تتجاوز نطاقها المحلي؛ نظرا إلى موقعها عند تقاطع مصالح أربيل وبغداد، وتداخلها مع المعادلات الجيوسياسية المرتبطة بتركيا وسوريا.

كما أن تنوعها السكاني الذي يضمّ الأكراد والتركمان والعرب والمسيحيين والإيزيديين والشبك، جعل منها واحدة من أكثر مناطق الحكم هشاشة وتعقيدا في العراق.

وفي هذا السياق، يقدر الموقع الفارسي أنّ الصراع لا يدور حول إعادة تنظيم الوضع الأمني في سهل نينوى بوصفه عملية عسكرية فحسب، بل يرتبط أيضا بتنافس قوى محلية وإقليمية على تثبيت مناطق النفوذ، وإدارة طرق العبور، والمساهمة في تشكيل منظومة أمنية جديدة في شمال العراق.

تحديات هيكلية

وذكر التقرير أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن المؤسسات الرسمية في بغداد تشير إلى عزم الحكومة المركزية استعادة احتكارها لاستخدام القوة المشروعة.

وأوضح أن المتحدثين باسم وزارة الدفاع والقيادة العامة للقوات المسلحة العراقية شدّدوا على ضرورة إنهاء أي ممارسات فردية في استخدام القوة، وفرض الانضباط على حيازة الأسلحة واستخدامها، إلى جانب رفض المقاربات القائمة على أساس طائفي.

ونوَّه التقرير بأن هذه الرسائل تشمل مختلف الهياكل شبه العسكرية، بما فيها قوات البيشمركة الموجودة في المناطق المتنازع عليها.

وفي هذا الإطار، أشار الموقع إلى أن بغداد تسعى إلى اعتماد معيار موحد لإدارة الملف الأمني في مختلف أنحاء البلاد، بما يعني عدم السماح لأي قوة مسلحة بمواصلة نشاطها الميداني من دون ارتباط رسمي بالقيادة الحكومية.

ومن هنا، ينظر التقرير إلى مقترح تقليص وجود قوات الحشد الشعبي في سهل نينوى أو إعادة تنظيم انتشارها بوصفه جزءا من مساعي الحكومة العراقية لإبراز سيادة الدولة وتعزيز سلطتها على الملف الأمني.

غير أن التقرير استدرك بأن تنفيذ مثل هذه الخطة يواجه تحديات هيكلية وسياسية معقدة.

وأوضح أن قوات الحشد الشعبي أُدمجت، منذ هزيمة تنظيم داعش، في المؤسسة العسكرية العراقية بموجب قوانين أقرها البرلمان، كما تمكنت من بناء شبكة واسعة من النفوذ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في مناطق مختلفة من البلاد.

ولذلك، يعتقد الموقع أن أي محاولة متسرعة أو غير مدروسة لسحب قوات الحشد الشعبي من سهل نينوى أو إنهاء وجودها هناك قد تواجه مقاومة سياسية قوية، فضلا عن احتمال أن تؤدي إلى اتساع الثغرات الأمنية والإخلال بالتوازن الهش القائم في المنطقة.

تنافس جيوسياسي

وعلى المستوى الإقليمي، يرى التقرير أن الصراع على سهل نينوى يعكس بصورة مباشرة توازن القوى بين إيران وتركيا.

وأضاف أن قوات الحشد الشعبي تمكنت، منذ تحرير مناطق نينوى من تنظيم داعش، من ترسيخ نفوذها في هذه المنطقة ذات الأهمية الإستراتيجية، لتصبح جزءا من المعادلة الأمنية والسياسية فيها.

في المقابل، يحاول الحزب الديمقراطي الكردستاني، مستندا إلى علاقاته الإستراتيجية مع أنقرة، معالجة الفراغات التي نشأت عقب أحداث عام 2017.

وفي هذا السياق، يفسّر الموقع مساعي إعادة فتح مكاتب الحزب والمطالبة بعودة قوات البيشمركة بوصفها جزءا من جهود أربيل لاستعادة نفوذها الإداري والأمني في سهل نينوى.

وانطلاقًا من ذلك، يقدر التقرير أن الصراع في نينوى يمثل، في جوهره، تنافسا جيوسياسيا على السيطرة على الشرايين الاقتصادية، والهياكل التنفيذية المحلية، والممرات الإستراتيجية في شمال غرب الشرق الأوسط.

وتعدّ محافظة نينوى من أكبر وأهم المحافظات العراقية، وتقع في الجزء الشمالي الغربي من البلاد، فيما تعدّ عاصمتها الموصل ثاني أكبر مدن العراق من حيث السكان والمساحة بعد بغداد.

وتحد نينوى من الشمال محافظة دهوك، ومن الجنوب محافظتا صلاح الدين والأنبار، ومن الشرق محافظتا أربيل وكركوك، ومن الغرب سوريا.

وفي قراءة تحليلية، يرى الموقع أن نشاط المسؤولين المحليين وممثلي بعض التيارات السياسية في المنطقة يكشف عن مفارقة واضحة.

وفسّر ذلك بأن سهل نينوى يقدم، من جهة، بوصفه منطقة هشّة تقف على حافة أزمة أمنية، بينما يجري، من جهة أخرى، الاستناد إلى حالة انعدام الأمن نفسها لتبرير ضرورة عودة قوات المقاومة والبيشمركة إلى المنطقة.

ورغم إقرار التقرير بأن المخاوف الأمنية التي تعاني منها الأقليات المحلية تبدو حقيقية وذات جذور تاريخية عميقة، فإنه يعتقد أن القوى السياسية تتعمد تضخيم هذه التهديدات لتصوير الخصم باعتباره مزعزعا للاستقرار، وإظهار وجودها العسكري والمؤسسي بوصفه ضرورة لا غنى عنها.

واستطرد بأن المخاوف الأمنية المحلية تتحول، بهذه الطريقة، إلى جزء من التنافس الأوسع على النفوذ وإعادة ترتيب موازين القوى في سهل نينوى.

خطوات تدريجية

وربط الموقع الفارسي بين حملة الحكومة في بغداد لمكافحة الفساد ومساعيها لحصر السلاح بيد الدولة، موضحا أن تزامن إجراءات مكافحة الفساد، والحملة على شبكات غسيل الأموال، وتعزيز الاهتمام بالدفاع الجوي، مع طرح قضية الحد من التسلح، يعكس تبني الحكومة إستراتيجية متعددة المسارات.

وأوضح أن الحكومة العراقية تسعى، من جهة، إلى إظهار قدرتها على فرض سلطة شاملة، ومواجهة الشبكات العابرة للحدود، وتعزيز الأمن الداخلي.

ومن جهة أخرى، يتجنب رئيس الوزراء الدخول في مواجهة مباشرة مع حلفاء المقاومة، بينما تركز الخطابات الحكومية الرسمية على مفاهيم الاندماج والانضباط والالتزام بالقانون، وفقا للتقرير.

وبحسب تحليله، لا تقتصر إستراتيجية علي الزيدي على استرضاء الحلفاء المحليين، وإنما تمتد إلى محاولة إظهار التزام بغداد بإصلاحات الحكم في مواجهة الضغوط القادمة من واشنطن وأنقرة.

وفي هذا السياق، يقدر الموقع أن اعتماد 30 سبتمبر/أيلول 2026 يوما للسيادة يمثل خطوة رمزية تهدف إلى تعزيز شرعية الحكومة المركزية وترسيخ صورتها بوصفها الجهة المسؤولة عن إدارة الملفين الأمني والسيادي في البلاد.

ومن ثم، لا تبدو هذه المناسبة، بحسب التقرير، نقطة انطلاق متوقعة لأعمال عنف أو تحرك مفاجئ يستهدف إنهاء وجود قوات الحشد الشعبي، بل يرجح أن تتجه بغداد نحو خطوات تدريجية وإدارية لخفض مستوى التوتر بين مختلف التشكيلات المسلحة والحفاظ على التوازن القائم حتى ذلك الموعد.

صيغة توازن

وبالنظر إلى السياق التاريخي، أوضح الموقع أن تطورات العراق تظهر أن التحركات المتسرعة ضد جماعات المقاومة أو منح الحركات الكردية أفضلية أحادية الجانب يمكن أن تؤدي إلى إشعال صراعات محلية جديدة.

وبناء على ذلك، يعتقد التقرير أن مستقبل سهل نينوى سيكون اختبارا حاسما لقدرة الحكومة العراقية على تحقيق توازن بين ترسيخ السيادة الوطنية والتعامل مع واقع تعدد القوى المسلحة والسياسية.

وتوقع أنه إذا تمكنت بغداد من إرساء هيكل قيادة موحد من دون التسبب في فراغ أمني، فقد يسهم ذلك في خفض مستوى التوتر في التوازن الإقليمي القائم بين إيران وتركيا وإقليم كردستان.

في المقابل، حذر من أن تنفيذ الخطط الأمنية بصورة أحادية قد يضعف القاعدة الشعبية للحكومة ويزيد من هشاشة الوضع المحلي.

وبحسب قراءته التحليلية، قد تحصل أنقرة، في مثل هذا السيناريو، على مساحة أكبر للمناورة عبر نفوذها في أربيل، بالتزامن مع تصاعد الاحتكاكات غير المباشرة بين القوى المتنافسة.

ومن هنا، يشدد التقرير على أن الحفاظ على الاستقرار الهش في المنطقة يتطلب تجنب سياسة تقوم على خيارين متعارضين، والاتجاه بدلا من ذلك نحو صيغة توازن تسمح بالتعايش بين القوى المحلية والإقليمية المختلفة.

ولفت إلى أن القضية الأساسية في سهل نينوى لا تقتصر على إعادة توزيع القوات أو إنشاء نقاط التفتيش، بل تتعلق بصورة أوسع بالجهة التي ستملك سلطة تحديد مفهوم الأمن وإدارة السلاح في العراق ما بعد داعش.

وتابع أن استمرار عدم وضوح الحدود الفاصلة بين القوات الحكومية وجماعات المقاومة والجهات الإقليمية الفاعلة سيجعل قدرة بغداد على تجاوز هذا التحدي مرتبطة بمدى نجاحها في كسب ثقة المجتمعات المحلية، إلى جانب قدرتها على التعامل مع التعقيدات الجيوسياسية الدقيقة التي تحكم المنطقة.

وبناء على ذلك، توقع التقرير أن يحتل سهل نينوى موقعا محوريا خلال الأشهر المقبلة في تحديد حجم نفوذ القوى المختلفة ومسار إعادة تشكيل السلطة في العراق.