ماذا وراء اهتمام الحوثيين بامتلاك موطئ قدم في الصومال وجيبوتي وإريتريا؟

"يهدف هذا التوسع إلى تحويل الجماعة من مجرد طرف ضمن محور المقاومة إلى قوة إقليمية"
شكّل الوسيط الصومالي جبريل يحيى علي، المعروف بلقب "غعمي"، حلقة وصل رئيسة على مدى سنوات بين مليشيا أنصار الله الحوثية في اليمن وتنظيم الشباب المسلح في الصومال.
وأوضحت مجلة "نيغريتسيا" الإيطالية أن الرجل كان، تحت غطاء منظمة خيرية وشركة للاستيراد والتصدير مقرها مقديشو، ينسق شبكة واسعة لتجارة الأسلحة بين ضفتي خليج عدن.
وقُتل "غعمي" في 12 فبراير/شباط 2026، إثر غارة صاروخية نفذتها الولايات المتحدة في منطقة الغيضة شرقي اليمن.
وفي هذا السياق، ذكرت المجلة الإيطالية أن مجلة "وول ستريت جورنال" أعادت، في مقال نشرته يوم 31 أغسطس/آب، سرد قصة هذا الرجل والعلاقات بين الحوثيين وتنظيم الشباب، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى نشاط شمل تجارة الأسلحة وتدريب مقاتلين صوماليين في اليمن.
وأضافت أن مركز "سنتشري إنترناشيونال" جمع قبل ذلك بأيام، وتحديدا في 24 أغسطس/آب، خيوط هذا التحالف الإستراتيجي في تقرير موسع بعنوان "من الهامش إلى المركز: الحوثيون في إفريقيا".
وأوضحت المجلة أن التقرير، وهو الثالث ضمن مشروع خصصه مركز الأبحاث لدراسة مسار محور المقاومة الشيعي بقيادة إيران، يستعرض إستراتيجية الحوثيين الرامية إلى تعزيز حضورهم في القرن الإفريقي.

قوة إقليمية
وبحسب المجلة الإيطالية، "يهدف هذا التوسع إلى تحويل الجماعة من مجرد طرف ضمن محور المقاومة إلى قوة إقليمية قادرة على تهريب الأسلحة والمخدرات والوقود، ونقل المقاتلين من البحر الأحمر إلى أبواب بحر العرب، مع إقامة روابط مستقرة ليس في الصومال فحسب، بل أيضا في جيبوتي والسودان".
وفي المقابل، تقدر أن "ما يستطيع الحوثيون تقديمه لشركائهم في القرن الإفريقي ظهر على شاشات العالم خلال السنوات الماضية".
وتابعت: "فمنذ عام 2023، شن اليمنيون هجمات متكررة بطائرات مسيرة على سفن تابعة للولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة العربية السعودية أثناء عبورها البحر الأحمر، وأظهروا امتلاكهم تقنيات وخبرات فنية قادرة على تغيير مسار أي نزاع".
ووفقا لها، "تتولى قيادات الاستخبارات التابعين للحوثيين في صنعاء تنسيق حركة التجارة نحو القرن الإفريقي، بدعم من الحرس الثوري الإيراني".
وأشارت إلى أنه "يُعتقد أن عبد الواحد ناجي أبو راس، القائد السابق للقوات الخاصة التابعة للحوثيين ونائب وزير الخارجية الحالي في حكومة صنعاء، يتولى هذه المهمة".
وكشفت المجلة أنه "في إطار مساعي الحوثيين للتغلغل في القرن الإفريقي، تتبع الجماعة ما يشبه "دليلا" استخدمه الحرس الثوري الإيراني وكذلك حزب الله اللبناني خلال العقود الماضية، ويقوم على ركائز أساسية تتضمن ما يلي".
أولا، "إقامة علاقات أو تطوير علاقات قائمة مع جماعات مسلحة متمردة لا تتطابق بالضرورة معها أيديولوجيا، كما هي الحال مع حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة، والذي يستند رسميا إلى مرجعية سنية، في حين أن الحوثيين شيعة زيدية، مع توفير قنوات جديدة لهم لإدارة الأنشطة غير المشروعة".
وتابعت: "ثانيا، تدريب الأفراد على استخدام أنظمة قتالية متقدمة، مثل الطائرات المسيرة بعيدة المدى، وثالثا، استقطاب عناصر جديدة من هذه التنظيمات لإرسالها إلى القتال أو استخدامها كمخبرين، وأخيرا، بناء علاقة تقوم على مبدأ تقديم الدعم المتبادل عند الحاجة".
وعقّبت المجلة: "في سياق توسع محور المقاومة، كان هذا هو النهج الذي اتبعه حزب الله تجاه الحوثيين، وهو النهج الذي يعيد الحوثيون تطبيقه الآن مع حركة الشباب".

أنشطة مستمرة
في الوقت الراهن، أشارت المجلة الإيطالية إلى أن الحوثيين "يديرون سلسلة من الأنشطة بين البحر الأحمر وخليج عدن ومدخل بحر العرب، ويعتمدون في جزء كبير منها على قوارب الدهو، وهي قوارب خشبية تقليدية تستخدم في الخليج العربي وعلى طول سواحل شرق إفريقيا".
وبحسب ادعاءاتها، "تشمل أنشطة الحوثيين تهريب الأسلحة الخفيفة والأسلحة الصغيرة التي توفرها إيران، إلى جانب الاتجار بالمخدرات، ومنها الميثامفيتامين والحشيش والكبتاغون والقات، وتوجيهها إلى السوق السعودية".
ناهيك عن "السيطرة على عمليات الصيد وتهريب المشتقات النفطية إلى دول القرن الإفريقي".
إلى جانب ذلك، "تنشط شبكات التهريب في مجال الاتجار بالبشر، لا سيما عبر نقل المهاجرين المنحدرين من إثيوبيا والصومال والذين ينطلقون بحرا من شمال جيبوتي والأراضي الصومالية".
وفي هذا السياق، أشارت المجلة إلى أن الحوثيين "يستغلون الجاليات الإفريقية الكبيرة المنتشرة في صنعاء، سعيا إلى تجنيد مقاتلين منها، فضلا عن مهربين ومخبرين".
وفي إطار هذه الإستراتيجية، ذكرت أن الحوثيين "أقاموا علاقات مع جماعات ومجتمعات عدة، من بينها قبائل الورسنجيلي في شمال شرق الصومال، والعفر الذين يعيشون على امتداد الحدود بين جيبوتي وإريتريا وإثيوبيا، والأوغادين، وهي جماعة عرقية صومالية تنتشر بين كينيا والصومال وإثيوبيا، والأورومو في إثيوبيا".
إضافة إلى "التيغراي في إريتريا وشمال إثيوبيا، والرشايدة على جانبي الحدود بين السودان وإريتريا، وبني عامر في مناطق بين إريتريا وإثيوبيا والسودان".

مصالح متبادلة
وفي هذا الإطار، أوضحت المجلة الإيطالية أنه "خلال السنوات الأخيرة، تمكن الحوثيون من تكثيف عمليات التبادل البحري مع حركة الشباب، متجاوزين عقبات كانت في الأساس ذات طبيعة لوجستية".
وتابعت: "فمن جهة، لا يسيطر الحوثيون على جنوب اليمن؛ إذ يخضع جزء منه لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليا، ومقرها عدن والمدعومة من تحالف عربي تقوده السعودية، بينما كان يخضع جزء آخر لسيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات العربية المتحدة".
وأردفت: "ومن جهة أخرى، تتمتع حركة الشباب بنفوذ راسخ في المناطق الداخلية من الصومال، بينما يقل وجودها بدرجة كبيرة على سواحل البلاد".
ووفقا لها، "يتولى علي محمد الحلحلي، نيابة عن الحوثيين، إدارة عمليات التهريب التي تنطلق من منطقتي حضرموت والمهرة في جنوب اليمن".
أما في الصومال، وتحديدا من مدينة بوصاصو في بونتلاند، "فيبرز محمد عمر سالم كأحد أبرز الحلقات الوسيطة في التواصل مع الحلحلي".
في هذا الصدد، أشارت المجلة إلى أنه "في عام 2020، اعترضت البحرية السعودية قاربا من نوع "دهو" مملوكا له في خليج عدن، وكان على متنه نحو 1300 بندقية هجومية وأسلحة خفيفة أخرى".
وكشفت أن هناك "أيضا عشيرتان يمنيتان تنشطان منذ فترة طويلة في عمليات التهريب، ويقودهما شقوي باعباد وأبو بكر عبد القادر بامعلم، وكلاهما يتخذ من مدينة المكلا اليمنية في محافظة حضرموت مقرا له".
وأشارت إلى أن "بامعلم يسيطر تحديدا على موقع متقدم في بندر بيلا، وهي قرية لصيد الأسماك في شمال شرق الصومال".
واستطردت: "والآن، يبدو أن الحوثيين يستهدفون أيضا قرى في أرض الصومال ومنطقة بونتلاند شبه المستقلة، لاستخدامها مراكز لوجستية".
على الصعيد العسكري، كشفت المجلة أنه "في مطلع عام 2024، كثفت حركة الشباب اتصالاتها مع الحوثيين بهدف شراء طائرات مسيرة بعيدة المدى وأنظمة دفاع جوي، ولا سيما صواريخ "صقر" أرض-جو".
وبحسب مصادر تحدث إليها مركز "سنتشري إنترناشيونال" في صنعاء في مارس/ آذار 2024، يُعتقد أن "ياسين كيلوي، رئيس التنظيم المسلح في بونتلاند، التقى عبد الواحد ناجي أبو راس، نائب وزير الخارجية لدى الحوثيين".
وأضافت: "وبعد بضعة أشهر، وتحديدا بين يونيو/ حزيران ويوليو/ تموز، يُعتقد أن ممثلين عن الحوثيين كانوا في الصومال؛ حيث التقوا أيضا زعيم حركة الشباب، الأمير أحمد ديرية".
وفي مقابل تزويدهم بالأسلحة، تقدر المجلة أن "الحوثيين يسعون إلى تجنيد مقاتلين في الصومال لإرسالهم إلى اليمن، وإنشاء قاعدة خاصة بهم بالقرب من جيليب، العاصمة الفعلية للمناطق التي يسيطر عليها تنظيم الشباب في جنوب البلاد، فضلا عن نصب أنظمة للاتصالات والمراقبة في الأراضي الصومالية".
وأوضحت أنه "من أبرز ما أكّده التقرير الاستقصائي هو نجاح الحوثيين في تدريب مئات العناصر من مقاتلي الحركة المسلحة على الاستخدام المشترك للأسلحة الخفيفة، وصناعة العبوات الناسفة محلية الصنع، واستخدام الطائرات المسيرة".

عقدة جيبوتي
وأشارت المجلة إلى أن "الطريق البحري الذي يربط اليمن بجيبوتي يعد من أبرز المسارات التي يستخدمها الحوثيون بكثافة في أنشطتهم بين اليمن والقرن الإفريقي".
وأضافت: "ففي عام 2025، عُثر على متن قارب "دهو" جرت مصادرته في البحر الأحمر، على 750 طنا من المعدات العسكرية، شملت مئات الصواريخ إيرانية الصنع، ومحركات للطائرات المسيرة، وأجهزة رادار ومعدات للاتصالات".
وكشفت التحقيقات أن "القارب نفذ منذ مطلع عام 2024 نحو 12 رحلة من جيبوتي إلى ميناء الصليف اليمني الخاضع لسيطرة الحوثيين".
وبحسب المجلة، فإنه "بين عامي 2023 و2025، تولت شركتان مسجلتان في جيبوتي وتتبعان شبكة الحوثيين، استيراد كميات تتراوح بين 7500 و8500 طن من نترات الأمونيوم ومواد كيميائية أخرى".
واستطردت: "بعد ذلك، لجأت الشركتان إلى سفن تجارية وقوارب "دهو" وقوارب صغيرة أخرى لنقل هذه الشحنات، إلى جانب ملايين المفجرات الإلكترونية المخصصة لتركيبها على الطائرات المسيرة أو استخدامها في تصنيع العبوات الناسفة محلية الصنع، إلى المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الحوثيين".
وفي السودان، كشفت المجلة أن الحوثيين "أقاموا علاقات مستقرة مع القوات المسلحة السودانية، مع إنشاء موقع متقدم لهم في بورتسودان"، وفق ادعائها.
وقالت مصادر تحدث إليها معدو التقرير: إن "الحوثيين، بالتعاون مع الحرس الثوري الإيراني، أرسلوا مهندسين تابعين لهم إلى السودان لتدريب القوات المسلحة السودانية على استخدام الطائرات المسيرة وتصنيعها". على حد زعمهم.
ويُعتقد أن ثمرة هذا التعاون تمثلت، في "إنتاج طائرة مسيرة سودانية تُعرف باسم "سفروق"، والتي تتطابق بصورة كبيرة مع طائرة الهجوم الإيرانية أحادية الاتجاه متوسطة المدى (أبابيل-تي)، التي أعاد الحوثيون إنتاجها أيضا تحت اسم (قاصف-2 كيه)".
علاوة على ذلك، أشارت المجلة إلى أن الحوثيين "يحاولون إعادة تأسيس وجود دائم في إريتريا، بدعم من إيران أيضا".
وبحسب تقييمها، فإن "إنشاء موقع متقدم للحوثيين في إريتريا من شأنه أن يتيح لهم فتح مسار بحري إضافي لتهريب الأسلحة الإيرانية إلى دول القرن الإفريقي، رغم أن البيانات التي جمعها مركز "سنتشري إنترناشيونال" حتى الآن تشير إلى محدودية التحركات في محيط أرخبيل دهلك قبالة السواحل الإريترية".

















