الحرب بين إيران وأميركا.. هل فرضت تحديات على الأردن أم منحته فرصة نادرة؟

"التعاظم المحتمل لمكانة الأردن يمثل اختبارا معقدا للعلاقات مع إسرائيل"
تحاول الأردن الحفاظ على استقرارها في الوقت الذي تواجه فيه صواريخ من إيران، وإملاءات من الولايات المتحدة، وضائقة اقتصادية، ورأيا عاما داخليا يعارض بشدة تصعيد الحرب والعلاقة مع إسرائيل، ومع ذلك، تحمل هذه الأزمات أيضا فرصة نادرة لإسرائيل.
وأدى تصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران واستئناف الهجمات الأميركية على البنية التحتية الإيرانية وخطوط إمدادها، إلى دفع الأردن مباشرة إلى قلب ساحة المواجهة.
فقد تحولت المملكة، التي تستضيف على أراضيها خلال الأشهر الأخيرة قوات وقواعد أميركية نُقلت من قطر والكويت والإمارات، رغما عنها إلى ساحة احتكاك مباشرة، بدءا من هجوم الطائرات المسيرة القاتل الذي أسفر عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين وإصابة العشرات، وصولا إلى رشقات من الصواريخ الباليستية، اعترضت بعض منها فيما تسببت أخرى في أضرار جسيمة.
حلقة مركزية
في هذا السياق، ترى صحيفة "معاريف" العبرية أن "حدود الأردن الطويلة والمكشوفة مع العراق وسوريا، والبالغة 179 كيلومترا و362 كيلومترا على التوالي، إلى جانب الضائقة الاقتصادية الحادة والأزمة الديموغرافية العميقة؛ جعلت أي تصعيد إضافي بين الولايات المتحدة وإيران تهديدا وجوديا لاستقرارها".
وردا على ذلك، تقدر أن عّمان "تسير (على حبل مشدود)، وتدير مناورة حذرة ومعقدة بين التزامها بتحالفها الإستراتيجي مع الولايات المتحدة والخشية من اتهامها بالتعاون مع (العدو الصهيوني الأميركي)".
وتابعت: "ولمنع حدوث اضطرابات داخلية، تتبع عمان دبلوماسية الصمت والاحتواء، وتتجنب قدر الإمكان التصعيد الخطابي أو إدانة الهجمات الإيرانية على أراضيها علنا".
واستدركت: "ولكن رغم محاولاتها للحفاظ على حياد معلن، فإنه كلما تعرضت القواعد الأميركية لمدى النار الإيرانية، تزداد أهمية الأردن كعمق لوجستي وأمني، ومعها تتسع دائرة المخاطر".
وأشار التقرير إلى أن "الديناميكيات الجيوسياسية المتشكلة حول إنشاء ممرات التجارة والطاقة الإقليمية، بما في ذلك الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، وتجديد خط سكة حديد الحجاز؛ تؤدي إلى وضع المملكة على مفترق طرق أكثر تعقيدا".
واستطرد: "وعليه، لم يكن من قبيل المصادفة أن يؤكد مسؤول أردني أن المملكة لن تكون ملعبا للمنطقة".
وأضاف: "فإلى جانب كون الأردن ساحة حساسة لعمليات الاعتراض والتحركات العسكرية والتنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة، تواجه المملكة تهديدات أمنية مباشرة، تشمل إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، والضغط الكبير على أنظمة الدفاع الجوي، وتصاعد نشاط الميليشيات الشيعية الموالية لإيران في العراق وسوريا”.
ووفقا لادعاء التقرير، "تسعى هذه الميليشيات إلى زعزعة استقرار المملكة والتسلل أيضا باتجاه الضفة الغربية، بالتوازي مع عمليات تهريب واسعة للأسلحة والأموال والمخدرات، وفي مقدمتها الكبتاغون، التي تديرها طهران في إطار صراعها على النفوذ الإقليمي".
وبالتوازي مع التهديد الأمني، أشارت الصحيفة إلى أن الأردن "تواجه أيضا جبهة اقتصادية معقدة ومتعددة الأبعاد، وفي ظل غياب مصادر طاقة مستقلة وتحمل عجز في الموازنة، ونمو بطيء، ووصول نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى قياسي يبلغ نحو 83 بالمئة، تضطر عّمان إلى المناورة بين مجموعة واسعة من الأطراف والمصالح في واقع شديد الهشاشة".
في هذا الإطار، بينت أن "التحول الأميركي نحو ممرات برية للتجارة والطاقة تربط العراق وسوريا وتركيا والأردن وتتجاوز مضيق هرمز، وتنافس الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، يعزز مكانة الأردن كحلقة إستراتيجية في المنطقة".
ومع ذلك، لفت التقرير إلى أن "هذه التغيرات تفرض في المدى القصير تكلفة اقتصادية كبيرة، فإلى جانب الاعتماد العميق على المساعدات الخارجية، التي بلغت 5.22 مليار دولار عام 2025 من إجمالي ناتج محلي يقارب 61.61 مليار دولار، تلقت قطاعات السياحة، التي تمثل نحو 15 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، والطيران وتصدير الخدمات ضربة قوية".
وحذر من أن "هذا التراجع يؤدي إلى إضعاف ثقة المستثمرين، وتأخير تدفق الاستثمارات الأجنبية، وإلقاء ظلال من الشك على توقعات النمو".
وأردف: "وفي الوقت نفسه، تصبح المملكة عرضة لارتفاع حاد في أسعار الطاقة حال حدوث اضطرابات في واردات الغاز من إسرائيل والتحول إلى بدائل أكثر تكلفة، مثل الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يفرض أعباء إضافية كبيرة على الموازنة وقطاع الكهرباء".
بالإضافة إلى ذلك، "تظل طرق التجارة وميناء العقبة عرضة للاضطرابات، رغم أن الميناء قد يستفيد على المدى القصير من تحويل النشاط إليه من موانئ مجاورة".

لاعب رئيسي
على الصعيد الجيوسياسي، ترى الصحيفة أن عّمان "تواجه تحديا مزدوجا وأكثر تعقيدا من أي وقت مضى يتمثل في الحفاظ على الاستقرار الداخلي في مواجهة رأي عام يعارض بشدة التصعيد والوجود الأميركي، وفي الوقت نفسه عدم خسارة المساعدات الأمنية والثقة والمكانة المحورية في تشكيل مسارات التجارة أمام واشنطن".
وبحسب تقديرها، "تفضل الأردن حلا دبلوماسيا وتؤكد سيادتها، لكن تصريحاتها تقيدها الحقائق الجغرافية والقيود الاقتصادية".
من هنا، توقعت الصحيفة أنه "كلما تصاعدت المواجهة واستمرت، سيزداد الضغط على القيادة الأردنية لاختيار طرف، أو على الأقل الظهور بمظهر من اختار طرفا".
وفي سيناريو تصعيد محدود، يعتقد التقرير أن المملكة "ستتحمل بالفعل أضرارا في قطاع السياحة واضطرابات في حركة الطيران وحالة من عدم الاستقرار الداخلي، لكنها ستتمكن من تجنب انهيار شامل للأنظمة".
ومع ذلك، نوه إلى أنه "كلما استمرت المواجهة، ستصبح مناورة الأردن بين واشنطن وطهران أكثر خطورة بكثير، في وضع متفجر قد يؤدي فيه خطأ تكتيكي واحد إلى دفع المملكة نحو مواجهة إقليمية واسعة".
من منظور إقليمي، يرى التقرير أن "تعمق انخراط الأردن في المواجهة يؤدي إلى تغيير موازين القوى الإقليمية".
وتابع موضحا: "فكلما تصاعد التوتر، تتحول الأردن رغما عنها إلى دولة عازلة بين المحور الأميركي والمحور الإيراني، وهو دور كان يرتبط في الماضي بصورة أكبر بتركيا أو العراق".
بعبارة أخرى، إن موقعها الجغرافي، وقربها من فلسطين والأراضي المحتلة وسوريا والعراق والسعودية، وكونها نقطة عبور لوجستية حاسمة للقوات الأميركية "يعطيها أهمية جيوإستراتيجية متجددة على خريطة المصالح في الشرق الأوسط".
وأردف: "وإذا كانت الأردن في الماضي تؤدي دور ممر سلبي بالأساس بين الخليج والبحر المتوسط، فإن تصاعد التهديدات في البحر الأحمر، وتآكل طرق الملاحة التقليدية، والحاجة الأميركية إلى استمرارية لوجستية قادرة على الصمود، تضعها اليوم باعتبارها أهم جسر بري في المنطقة".
"ومن هنا ينبع التحدي الإستراتيجي أيضا، إذ يمكن للأردن أن تتحول إلى عقدة حيوية للبنية التحتية للتجارة والطاقة والنقل والاتصالات، وهو دور سيمنحها مكانة إقليمية جديدة"، قالت الصحيفة.
واستدركت: "لكن ذلك يتوقف على قدرتها على الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وتعميق التعاون مع الغرب ودول الخليج، ومنع تجاوزها وتهميشها بفعل الممرات المنافسة، مثل محور تركيا العراق من جهة، ومبادرة "الحزام والطريق" الصينية من جهة أخرى".
في المحصلة، خلصت الصحيفة إلى أن المملكة "تقف اليوم أمام نافذة فرص نادرة للتحول إلى لاعب رئيسي في تشكيل النظام الإقليمي الجديد، لكن هذه النافذة قد تغلق بسرعة إذا لم تتمكن من تحقيق توازن بين الضغوط الجيوسياسية والاقتصادية والداخلية المفروضة عليها في الوقت نفسه".

تحت الاختبار
بالنسبة إلى إسرائيل، ترى "معاريف" أن "التعاظم المحتمل لمكانة المملكة يمثل اختبارا معقدا وحساسا للعلاقات مع إسرائيل".
وعزت ذلك إلى أنه "بجانب الاعتماد المتبادل في مجالي الطاقة والأمن، وحجم التجارة الثنائية الذي بلغ نحو 334 مليون دولار عام 2025، والحدود المشتركة الممتدة لنحو 310 كيلومترات؛ فإن تحول الأردن إلى جسر بري وعقدة لوجستية رئيسية يزيد من أهمية الأردن الإستراتيجية بالنسبة لإسرائيل".
وتكتسب هذه الأهمية بعدا أمنيا أيضا، إذ أوضحت أن الأردن "يوفر لإسرائيل عمقا إستراتيجيا وحاجزا جغرافيا في مواجهة العراق وسوريا، فضلا عن كونه شريكا رئيسيا في إدارة الحدود والتنسيق الأمني الهادئ، ما يجعله عنصرا أساسيا في الاستقرار الإقليمي".
واستدركت: "لكن الآن، وفي الوقت الذي تطلب فيه الظروف من المملكة الموازنة بين الإملاءات الأميركية، والتهديدات القادمة من طهران، والرأي العام الداخلي المعادي، فإن كل خطوة إسرائيلية -سواء كانت قانونية أو عسكرية أو اقتصادية أو متعلقة بملف الطاقة- تخضع للتدقيق في عّمان".
بصورة أوضح، "يضع التوتر الإقليمي يضع العلاقات بين البلدين أمام اختبار بالغ الحساسية، فمن جهة، تحتاج إسرائيل إلى استقرار الأردن أكثر من أي وقت مضى، ولا سيما في ظل التهديدات في منطقة البحر الأحمر والمخاوف من ترسخ الميليشيات الموالية لإيران على طول الحدود الشرقية".
"ومن جهة أخرى، قد يُنظر إلى أي تعاون معلن في الأردن باعتباره خضوعا للضغط الإسرائيلي الأميركي، بما قد يشعل انتقادات شعبية حادة، خصوصا من جانب جهات إسلامية وسياسية تضغط من أجل تبريد العلاقات"، وفق تحليلها.
"وهكذا، ففي الوقت الذي يُتوقع أن تعزز فيه الأردن مكانتها في المنظومة الإقليمية الجديدة، تتطلب العلاقات مع إسرائيل مزيدا من الحذر والحساسية والتنسيق الهادئ"، تقول الصحيفة.
وتابعت: "وبالنسبة إلى إسرائيل، يمثل ذلك تحديا مزدوجا: الحفاظ على التعاون الأمني والاقتصادي الحيوي، وفي الوقت نفسه إتاحة مساحة للمناورة السياسية أمام الأردن، بما يمنع ابتعادها عن الغرب ودفعها نحو أحضان إيران".
واختتمت قائلة: "بعبارة أخرى، لا يمثل استقرار الأردن مصلحة إقليمية فحسب، بل كان ولا يزال عنصرا أساسيا في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، وربما أكثر من أي وقت مضى في هذه الأيام".


















