منتدى صهيوني: المقاربة الأميركية للقرن الإفريقي أسيرة المنظور المصري

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

لم يعد البحر الأحمر والقرن الإفريقي مجرد امتداد للمصالح المصرية التاريخية حول النيل وقناة السويس؛ فقد تحولت المنطقة إلى مسرح تنافس تتشابك فيه شبكات إيرانية وطموحات تركية ومصالح إسرائيلية وتنازع خليجي وتصادم قوى كبرى.

غير أن الولايات المتحدة، وفق تحليل نشره "منتدى الشرق الأوسط" الأميركي التابع للوبي الصهيوني، لا تزال تنظر إلى القرن الإفريقي من نافذة شرق أوسطية تتمركز حول مصر، بما يشوّه إستراتيجيتها في الإقليم.

هكذا قرأت المحللة القانونية والسياسية الإثيوبية، بلين مامو ديريبا، المديرة التنفيذية لمنصة "هورن ريفيو" البحثية، والباحثة المشاركة في معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي، المشهد، مشيرة إلى أن هذه المقاربة الأميركية باتت عبئا إستراتيجيا.

إرث القاهرة

وقالت: "لا تُنكَر أهمية مصر التاريخية بالنسبة لواشنطن؛ فقد جعلت سيطرتها على قناة السويس، ومعاهدة السلام مع إسرائيل، ونفوذها في السياسة العربية، وشراكتها الأمنية الطويلة مع الولايات المتحدة، من القاهرة شريكا أميركيا راسخا".

لكنها أوضحت أن البيئة الجيوسياسية المحيطة بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي شهدت تحولا عميقا؛ إذ خرج الإقليم من إطار علاقة مصر التاريخية بالنيل وقناة السويس ليصبح ساحة تنافس جيوسياسي مركزية.

وتقاطعت في هذه الساحة، بحسب الكاتبة، الشبكات الإيرانية والطموحات التركية والمصالح الإسرائيلية والتنافس الخليجي وتنازع القوى الكبرى، فيما ارتبط أمن الملاحة والتجارة والاستقرار ارتباطا لا انفكاك منه بما يجرى على الجانب الإفريقي من البحر الأحمر.

وفي هذا السياق، رأت الكاتبة أن ميل واشنطن إلى قراءة إثيوبيا من زاوية المخاوف الأمنية المصرية بات عبئا إستراتيجيا؛ فالمسألة ليست أيهما أهم، مصر أم إثيوبيا، وإنما مدى مواكبة الدبلوماسية الأميركية لموازين القوى المتبدلة في الإقليم.

الثقل الإثيوبي

وزعمت ديريبا أن الوزن الإستراتيجي لإثيوبيا يستند إلى واقع يعجز أي طرف خارجي عن تجاوزه، فهي أكبر مركز سكاني في القرن الإفريقي، وتمتلك أقوى وأكبر جيش في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

ولفتت إلى أنها الدولة الأكثر التصاقا بالتحديات الأمنية الإقليمية، ومن أبرز الدول الإفريقية تأثيرا، وشريك تاريخي لواشنطن في القرن الإفريقي، فيما ينفتح اقتصادها بسرعة على إصلاحات هيكلية واستثمارات أجنبية ومشاريع بنى تحتية كبرى.

وأضافت أن أديس أبابا تمثّل العاصمة الدبلوماسية للقارة الإفريقية، فيما تُصنف إثيوبيا من أكبر المساهمين في عمليات حفظ السلام.

وتتجلى هذه الديناميكية بأوضح صورها في النزاع حول سد النهضة الإثيوبي الكبير؛ إذ يعكس النهج الأميركي، وفق ديريبا، مخاوف مصر الأمنية على حساب إثيوبيا، ويهدد بتحويل الوساطة من حل نزاع إلى صون هرمية إقليمية قائمة.

وفي يونيو/حزيران 2026، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إنه سيعمل على حل أزمة سد النهضة. مشددا على أن أديس أبابا تعاملت مع مصر في هذا الملف بصورة غير منصفة.

وأضاف ترامب خلال لقائه برئيس النظام عبد الفتاح السيسي، على هامش قمة مجموعة السبع: "علاقتنا مع مصر قوية ونعمل معا بشأن قضية سد النهضة الخاص بإثيوبيا". مؤكدا أن "مشكلة إثيوبيا سببت مشاكل كبيرة وأتمنى أن تسوى هذه الأزمة بين مصر وإثيوبيا".

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتناول فيها ترامب مسألة سد النهضة في فترته الرئاسية الحالية، ففي منتصف يناير/كانون الثاني 2026، قدم عرضا للتوسط في أزمة مياه النيل وملف سد النهضة.

وذكر في رسالته للسيسي، التي نشرها على منصته "تروث سوشيال"، أنه "انطلاقا من روح صداقتنا الشخصية والتزام أميركا بالسلام ورفاهية الشعب المصري، فأنا على استعداد لاستئناف الوساطة الأميركية بين مصر وإثيوبيا لحل مسألة تقاسم مياه النيل بشكل مسؤول ونهائي".

جبهة البحر الأحمر

وبجانب سد النهضة، ينسحب التحدي نفسه على البحر الأحمر؛ إذ كثيرا ما تقلّل القاهرة، بحسب الكاتبة، من أهمية إثيوبيا لأمن البحر الأحمر بحجة غياب سواحل لها.

ودعت الكاتبة صانعي القرار الأميركيين إلى فهم اهتمام إثيوبيا بمسارات الوصول وأمن البحر الأحمر في إطار أوسع، يشمل تصاعد التهديدات البحرية والتنافس على الموانئ وممرات التجارة والبنى التحتية الإستراتيجية التي تربط البحر بالعمق الإفريقي.

وأشارت إلى أن إغلاق إيران لمضيق هرمز واستمرار تهديدات الحوثيين المدعومين إيرانيا قد كشفا هشاشة الطرق البحرية الرابطة بين إفريقيا والشرق الأوسط والأسواق العالمية.

ونوّهت إلى أن قوى صاعدة وكبرى من مختلف أنحاء العالم وسّعت حضورها على البحر الأحمر عبر بناء مصالح عسكرية وتجارية وسياسية في المنطقة، محذّرة من أن على واشنطن ألا تعامل إثيوبيا بوصفها طرفا هامشيا لمجرد أنها دولة غير ساحلية.

وبيّنت ديريبا أن مصر تبقى شريكا حيويا لواشنطن في الشرق الأوسط، غير أن أولوياتها الإستراتيجية تتشكّل أساسا من مخاوف مرتبطة بالنيل وشرق المتوسط والديناميكيات العربية الإقليمية.

في المقابل، أبرزت أن إثيوبيا تحتل موقعا فريدا يجعلها الأكثر انغراسا في الوقائع الأمنية للقرن الإفريقي والبحر الأحمر؛ إذ تضعها حدودها والتزاماتها الأمنية وثقلها الديموغرافي ونفوذها السياسي في قلب أزمات الصومال والسودان وجنوب السودان والمنطقة الأوسع.

وتابعت أن العبء الأمني الذي تتحمّله إثيوبيا لم يبد كثير من الفاعلين الإقليميين استعدادا أو قدرة على تحمّله.

ولاحظت الكاتبة أن الحدود بين مسرحي الأمن في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي في طور التلاشي، مع عبور الشبكات الإيرانية والتنافس العربي الخليجي والإرهاب وتنازع القوى الخارجية للبحر الأحمر.

وشدّدت على أن واشنطن لن تستطيع إدارة أمن القرن الإفريقي عبر إطار شرق أوسطي فحسب، وأن مستقبل السياسة الأميركية في المنطقة يحتاج إلى إستراتيجية إقليمية براغماتية.

وختمت ديريبا بأن إثيوبيا باتت أكبر حجما وأكثر أهمية إستراتيجية وأشد ارتباطا بالأمن الإقليمي، من أن تتعامل معها واشنطن ملفا ثانويا داخل إطار مصري أوسع.

ورأت أن "دمج إثيوبيا في صلب المقاربة الأميركية تكيف ضروري مع الواقع الجيوسياسي الراهن".