زيارة الزيدي إلى طهران.. سياسة التوازن العراقية أمام اختبار الحرب الأميركية

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

تأتي الزيارة الرسمية الأولى لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى طهران في ظل استمرار تداعيات الجولة الأخيرة من الحرب التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، وما أفرزته من تحولات في موازين الأمن والسياسة على مستوى المنطقة.

وفي هذا السياق، يرى موقع "الدبلوماسية الإيرانية" أن زيارة الزيدي تحمل أبعادا تتجاوز العلاقات الثنائية بين بغداد وطهران، لا سيما أنها تأتي بعد فترة وجيزة من زيارته الرسمية إلى الولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ويعد العراق من أكثر دول المنطقة تأثرا بهذه التطورات، نظرا إلى موقعه الجغرافي وعلاقاته الوثيقة بكل من إيران والولايات المتحدة.

وهو ما يجعل أي تصعيد بين طهران وواشنطن ينعكس بشكل مباشر على أمن العراق واقتصاده وقطاع الطاقة فيه، فضلا عن استقراره الداخلي.

وانطلاقا من هذه المعطيات، يقدر الموقع الفارسي أنه "لا يمكن النظر إلى زيارة الزيدي لطهران بصفتها مجرد محطة دبلوماسية منفصلة، بل تمثل امتدادا لزيارته الأخيرة إلى واشنطن، وتعكس ملامح السياسة الخارجية التي تسعى الحكومة العراقية الجديدة إلى ترسيخها، والقائمة على الحفاظ على التوازن في العلاقات الخارجية، وتعزيز السيادة الوطنية، وإبعاد العراق عن دائرة الصراع بين القوى الإقليمية والدولية".

ثلاثة أهداف

وفي هذا الإطار، يرى أن "بغداد تهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسة، يتمثل أولها في الحفاظ على التوازن في علاقاتها مع كل من إيران والولايات المتحدة، وثانيها المضي في مشروع حصر السلاح بيد الدولة العراقية، أما الهدف الثالث فيتمثل في تعزيز التعاون الأمني ضمن الاتفاقية الأمنية الموقعة بين بغداد وطهران، إلى جانب إدارة ملف الجماعات المسلحة الموجودة في إقليم كردستان".

علاوة على ذلك، "تكتسب هذه الزيارة أهمية إضافية في ظل الأوضاع الأمنية المتوترة التي تشهدها المنطقة، فاستمرار الحرب الأميركية على إيران، وما يرافقها من احتمالات اتساع المواجهة أو تغير المعادلات الميدانية، يجعل مجرد انتقال رئيس الوزراء العراقي إلى طهران يحمل دلالات سياسية وأمنية كبيرة، ويعكس وجود أهداف محددة تسعى بغداد إلى تحقيقها من خلال هذه الزيارة".

وفي ضوء ذلك، لا يستبعد الموقع أن "يكون الزيدي قد ناقش خلال مباحثاته الأخيرة في واشنطن الجوانب الأمنية المتعلقة بهذه الزيارة".

ولفت إلى أن توقيت زيارة الزيدي إلى طهران "يعكس بوضوح الأهمية الإستراتيجية التي توليها بغداد لهذه الخطوة؛ إذ جاءت بعد أربعة أيام فقط من عودته من واشنطن، في رسالة تؤكد أن الحكومة العراقية الجديدة لا تنوي تطوير علاقاتها مع أحد طرفي المعادلة الإقليمية على حساب الآخر".

"بل ماضية في تبني سياسة التوازن الفعال التي انتهجها العراق خلال السنوات الماضية، بهدف تجنيب البلاد التحول إلى ساحة مواجهة بين طهران وواشنطن"، وفقا له.

ومن هذا المنطلق، يشدد التقرير على أن "زيارة الزيدي إلى طهران لا تتعارض مع زيارته السابقة إلى واشنطن، بل تمثل استكمالا لها".

وأردف: "فبغداد تدرك أن ضمان أمن حدودها الشرقية وإدارة العديد من الملفات الداخلية والإقليمية يتطلبان الحفاظ على علاقات إستراتيجية مع إيران التي تعد أكبر جيران العراق وأحد أبرز شركائه الاقتصاديين، فضلا عن دورها المؤثر في معادلات الأمن العراقي".

واستطرد: "على الجانب الآخر، تظل الولايات المتحدة شريكا أساسيا للعراق في مجالات الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا والتعاون الأمني، وهو ما يدفع حكومة الزيدي إلى إدارة علاقاتها مع الطرفين انطلاقا من المصالح الوطنية العراقية، وليس وفق منطق الاصطفاف أو التنافس بين القوى الكبرى".

ملفات معقدة

ويرى التقرير أن "ملف حصر السلاح بيد الدولة يمثل الهدف الإستراتيجي الثاني لزيارة الزيدي إلى طهران، بصفته أحد أكثر الملفات الداخلية تعقيدا وحساسية في العراق، لما له من تأثير مباشر في مستقبل الأمن الداخلي ومكانة الحكومة الجديدة في محيطها الإقليمي".

وبحسب ما نشره الزيدي في مقاله بصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية فإن العراق "بحاجة إلى منح الحكومة وحدها حق الاستخدام المشروع للقوة، مع توجيه موارد الدولة نحو التنمية الاقتصادية والخدمات العامة وإعادة بناء البنية التحتية، بدلا من الانخراط في صراعات إقليمية".

وعقّب التقرير: "يعكس هذا الطرح أن حصر السلاح بالنسبة لحكومته لا يقتصر على كونه إجراء أمنيا، بل يمثل جزءا من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة وترسيخ السيادة الوطنية".

وفي هذا السياق، أكد الموقع أن زيارة الزيدي إلى طهران "تكتسب أهمية خاصة، نظرا إلى ما تتمتع به إيران من نفوذ واسع في هذا الملف، بحكم علاقاتها مع عدد من القوى السياسية والفصائل العراقية".

"ومن ثم، تدرك بغداد أن المضي في مشروع حصر السلاح يتطلب حوارا وتنسيقا مع طهران، بما يضمن تحقيق أهداف الحكومة من دون التسبب في توترات داخلية أو انقسامات سياسية"، وفق الموقع.

ولا تستهدف هذه المشاورات، بحسب هذا الطرح، "الدخول في مواجهة مع فصائل المقاومة، وإنما التوصل إلى آلية تكرس سلطة الدولة وتحافظ في الوقت نفسه على الاستقرار الداخلي".

وتابع: "ولهذا، تفضل الحكومة العراقية اعتماد مسار تدريجي يستند إلى التوافق الوطني والأطر القانونية، بدلا من اللجوء إلى إجراءات أمنية متسرعة قد تؤدي إلى تقويض مشروعها الإصلاحي بأكمله".

وفي الوقت ذاته، لفت التقرير إلى أنه "لا ينظر إلى هذا الملف بصفته استجابة لمطالب الولايات المتحدة فحسب، بل بصفته ضرورة عراقية فرضتها تجربة السنوات الماضية، التي أظهرت أن تعدد مراكز القوة أضعف قدرة الدولة على إدارة القرار الأمني وقلص من سلطة الحكومة المركزية".

ومن هنا، وصل إلى استنتاج مفاده أن "حكومة الزيدي تسعى إلى استثمار مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي لإطلاق مرحلة جديدة تتولى فيها الدولة وحدها مسؤولية الأمن والسياسة الدفاعية واتخاذ القرار في قضايا الحرب والسلام".

وانطلاقا من ذلك، يرى أن "مباحثات طهران تشكل جزءا من إستراتيجية عراقية أشمل لإدارة مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي، من خلال منع حدوث فراغ أمني، وبناء توافق داخلي حول مستقبل المنظومة الأمنية".

واستطرد: "يعد نجاح هذه الإستراتيجية أو إخفاقها عاملا حاسما في تحديد مستقبل حكومة الزيدي، فضلا عن موقع العراق ضمن النظام الأمني الإقليمي الذي يتشكل حاليا".

ضرورة أمنية

من جانب آخر، يعتقد التقرير أن "الهدف الإستراتيجي الثالث للزيارة يتمثل في متابعة تنفيذ الاتفاقية الأمنية بين إيران والعراق، التي تعد من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الثنائية، لا سيما ما يتعلق بأنشطة الجماعات المسلحة المناهضة لإيران والموجودة في إقليم كردستان".

وتابع: "فرغم توقيع الاتفاقية خلال السنوات الماضية وبدء تنفيذ بعض بنودها؛ فإن التطورات الإقليمية الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، أعادت هذا الملف إلى صدارة أولويات طهران".

ويقدر الموقع أنه "من وجهة النظر الإيرانية، لم يعد تأمين الحدود الغربية ومنع استخدام الأراضي العراقية في أي أنشطة تستهدف إيران مسألة ثنائية فحسب، بل أصبح جزءا من منظومة الأمن القومي الشاملة للبلاد".

"ولذلك، تنظر طهران إلى هذا الملف بصفته ركنا أساسيا في إستراتيجيتها الأمنية في المرحلة الحالية"، وفق تعبيره.

وفي ضوء ذلك، أشار التقرير إلى أن "إيران ترى أن التنفيذ الكامل للاتفاقية الأمنية مع بغداد لم يعد مجرد مطلب سياسي، وإنما ضرورة أمنية، وتتوقع من الحكومة العراقية الجديدة التعامل معه بأولوية عالية، بما يضمن منع استخدام الأراضي العراقية لأي أنشطة تستهدف الأمن القومي الإيراني".

ولفت إلى أن "أهمية هذا الملف تزداد في ظل التصعيد المستمر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى؛ إذ تشير تقديرات وتقارير أمنية إلى احتمال سعي هذين الطرفين إلى توظيف مختلف أدوات الضغط على طهران".

وفي هذا الإطار، يعتقد التقرير أن إيران "تنظر إلى إقليم كردستان، وما يضمه من جماعات معارضة، بصفته أحد المنافذ المحتملة لتنفيذ أنشطة تهدد استقرارها، الأمر الذي يجعل حسم هذا الملف أكثر إلحاحا من أي وقت مضى".

وبناء على ذلك، رجَّح أن "يطالب المسؤولون الإيرانيون رئيس الوزراء العراقي بتقديم جدول زمني واضح لاستكمال تنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاقية الأمنية، بما يشمل الانتشار الكامل لقوات حرس الحدود العراقية، ونزع سلاح الجماعات المسلحة ونقلها، وضمان عدم استخدام الأراضي العراقية في أي أنشطة تستهدف الجمهورية الإسلامية الإيرانية".

وفي المقابل، يرى التقرير أن "بغداد تنظر إلى تنفيذ الاتفاقية الأمنية بصفته جزءا من مشروع أشمل يهدف إلى ترسيخ سيادة الدولة ومنع تحول العراق إلى ساحة للصراعات الإقليمية أو لتصفية الحسابات بين القوى الخارجية، وليس مجرد استجابة لمطلب أمني إيراني".

وأضاف: "إذا كانت حكومة الزيدي تسعى بالفعل إلى الحفاظ على سياسة التوازن في علاقاتها الخارجية، فإنها مطالبة أيضا بتقديم ضمانات لطهران بأن الأراضي العراقية، لا سيما إقليم كردستان، لن تستخدم منطلقا لأي تهديدات تمس أمنها".

ومن هذا المنطلق، خلص الموقع إلى أن "تنفيذ الاتفاقية الأمنية لا يعد مجرد مؤشر على مستوى التعاون بين بغداد وطهران، بل يمثل أيضا اختبارا لقدرة الحكومة العراقية على بسط سيادتها الكاملة على جميع أراضيها، وترجمة ذلك إلى سياسات أمنية عملية تعزز الاستقرار الداخلي والإقليمي".

تعزيز الشراكة

من منظور تحليلي أوسع، يرى الموقع أن "زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى طهران تكشف عن البعد السياسي والأمني في الإستراتيجية التي تنتهجها الحكومة العراقية الجديدة، بعد أن ركزت زيارته السابقة إلى الولايات المتحدة على الملفات الاقتصادية والتنموية، وفي مقدمتها توسيع التعاون الاقتصادي، وتطوير قطاع الطاقة، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز الشراكة المالية مع واشنطن".

حيث يعتقد التقرير أن "محطة طهران تمثل استكمالا لهذه المقاربة، من خلال إعادة رسم موقع العراق السياسي والدبلوماسي في بيئة إقليمية تتسم بتصاعد المنافسة بين القوى الإقليمية والدولية".

وفي هذا الإطار، أشار التقرير إلى أن بغداد "تسعى إلى تحقيق توازن بين مسارين تعدهما حيويين لمستقبلها".

وأردف: "فمن جهة، ترغب في الاستفادة من الإمكانات الاقتصادية والاستثمارية التي يوفرها الغرب، لا سيما الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى، تحرص على الحفاظ على علاقاتها الإستراتيجية والأمنية مع إيران".

ووفق تقديره، "يعكس هذا النهج محاولة لإحياء الدور التقليدي الذي لعبه العراق في مراحل سابقة كقناة تواصل ووسيط بين طهران وواشنطن في عدد من الملفات الإقليمية الحساسة".

وشدد الموقع على أن "هذا التوجه يكتسب أهمية خاصة في ظل الظروف الإقليمية الحالية؛ إذ أدت الحرب وتصاعد التوترات إلى تقليص قدرة العديد من الأطراف الإقليمية على أداء دور الوساطة، بينما تبدو الدول العربية المطلة على الخليج العربي أقل استعدادا أو قدرة على الاضطلاع بهذا الدور لأسباب مختلفة".

وفي ضوء ذلك، ترى بغداد -وفق الموقع- أن "بإمكانها استثمار هذا الفراغ النسبي لتعزيز حضورها الدبلوماسي، حتى وإن ظلت قدرتها الفعلية على التأثير في أزمة بهذا الحجم محل نقاش".

"لكن الأكثر أهمية من ذلك، أن سعي الزيدي إلى ترسيخ دور الوسيط لا يقتصر على تعزيز المكانة الإقليمية للعراق، بل يرتبط بصورة مباشرة بأولويات حكومته الداخلية"، قال التقرير.

وتابع موضحا: "فاستمرار الحرب أو اتساع نطاقها، وتصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، من شأنه تهديد الأمن القومي العراقي والاستقرار الداخلي ووحدة البلاد".

فضلا عن ذلك، "يؤثر الصراع سلبا على عدد من المشاريع الرئيسة التي تعمل عليها الحكومة، وفي مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة، وإدارة مرحلة الانسحاب الأميركي، وتعزيز السيادة الوطنية، وتنفيذ الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية مع الشركاء الدوليين".

ومن هذا المنطلق، يقدر التقرير أن "خفض التوتر بين طهران وواشنطن لا يمثل بالنسبة لبغداد خيارا سياسيا فحسب، بل يعد ضرورة استراتيجية لضمان نجاح برنامجها الداخلي والحفاظ على الاستقرار اللازم لتنفيذ خططها الاقتصادية والأمنية".

وفي هذا السياق، قال المحلل المتخصص في الشأن العراقي سيد رضا قزويني غرابي، في مقابلة مع صحيفة "شرق" الفارسية: إن أحد الأهداف الرئيسة لزيارة علي الزيدي إلى إيران، عقب زيارته إلى الولايات المتحدة، يتمثل في "الحفاظ على سياسة التوازن بين طهران وواشنطن".

وأوضح غرابي أن بغداد “لا تزال تمتلك القدرة على اتباع هذه السياسة، إلا أن تصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة جعل الحفاظ عليها أكثر صعوبة وكلفة”. مشيرا إلى أن "هذا التوازن ليس مطلقا، وإنما تحكمه حدود واضحة تفرضها التطورات الإقليمية".

وأشار إلى أن "قدرة بغداد على مواصلة سياسة التوازن ستتراجع بصورة كبيرة إذا مارست واشنطن ضغوطا عليها لنزع سلاح الفصائل المقربة من إيران بشكل فوري، أو فرضت عليها إجراءات تتعلق بالوجود الأميركي".

وأضاف: "إن نجاح هذه السياسة سيظل مرهونا بقدرة الحكومة العراقية على الحفاظ على استقلال قرارها ومنع تحول البلاد إلى ساحة صراع بين القوتين".

موضحا أن "طهران قد تدعم خطوات الزيدي في حدود ما يعزز سلطة الحكومة الرسمية، لكن هذا الدعم سيبقى مشروطا وانتقائيا".

ويعتقد المحلل العراقي أن إيران "قد تبدي استعدادا للقبول بوقف بعض التحركات العسكرية المستقلة، وإخضاع الأسلحة الثقيلة لسيطرة الدولة، وإدماج الفصائل ضمن قيادة رسمية، إلا أنها لن تؤيد تفكيك هذه القوى بصورة كاملة".

كما توقع أن "تواجه أي محاولات لتفسير الالتزامات الأميركية بشأن احتواء الفصائل المسلحة على أنها دعوة إلى نزع سلاحها بصورة سريعة مقاومة سياسية وأمنية".

وهو ما يرى أنه "سيدفع الحكومة العراقية، على الأرجح، إلى اتباع نهج تدريجي يقوم على تسجيل الأسلحة، وتقليص العمليات المستقلة، ودمج القوات، وتوحيد القيادة، بدلا من السعي إلى تنفيذ فوري وكامل لمشروع احتكار الدولة للسلاح".

وفي جانب آخر من تحليله، رجح غرابي أن "تمثل الزيارة الأولى لرئيس الوزراء العراقي الجديد إلى طهران فرصة للانتقال بالاتفاقية الأمنية بين البلدين من مرحلة الالتزامات العامة إلى مرحلة التنفيذ العملي، عبر وضع آليات رقابة وجدول زمني أكثر دقة".

وأردف: "إن الاتفاق الأمني الموقع بين الجانبين نص على إخلاء المواقع الحدودية، ونزع السلاح، ونقل الجماعات الكردية الإيرانية المسلحة إلى معسكرات بعيدة عن الحدود، إلا أن طهران لا تزال ترى أن تنفيذ هذه الالتزامات لم يكتمل حتى الآن، وهو ما تؤكده التطورات الميدانية".

وبحسب تقديره، "فإن إيران قد تطالب خلال المباحثات بتشديد الرقابة على هذه المعسكرات، ومنع تحركات العناصر العسكرية والاستخباراتية، وإغلاق بعض المعابر الحدودية، إلى جانب حسم وضع العناصر المسلحة الموجودة داخل الأراضي العراقية".

في هذا السياق، يرى غرابي أن "بغداد ستتجه على الأرجح إلى تشديد الرقابة والإجراءات الأمنية للحد من الهجمات الإيرانية، إلا أن طرد هذه العناصر أو تسليمها سيظل يواجه عقبات قانونية وسياسية، فضلا عن معارضة من حكومة إقليم كردستان وأطراف خارجية".

وعليه، توقع أن "يشهد هذا الملف مزيدا من التشدد في الإجراءات الرقابية، من دون الوصول في المدى القريب إلى تسوية نهائية تنهي هذه القضية بالكامل".

تقليص النفوذ

من جانبه، يرى الباحث السياسي والصحفي الكردي الإيراني المتخصص في الشؤون العراقية أردشير باشانغ أن "رؤساء الوزراء العراقيين، خلال العقد الماضي، نجحوا في الحفاظ على قدر من التوازن في إدارة العلاقة مع كل من الولايات المتحدة وإيران، رغم التنافس الحاد بينهما على الساحة العراقية".

وأوضح، في حديثه لصحيفة "شرق"، أن "الحكومات العراقية سعت في الوقت نفسه إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع طهران، مع العمل تدريجيا على تقليص حجم نفوذها".

وتابع: "في المقابل، سعت بغداد إلى إعادة ضبط علاقتها مع واشنطن، بحيث تنتقل من علاقة يغلب عليها النفوذ الأميركي إلى شراكة أكثر توازنا، وهو مسار تشكل تدريجيا بمرور الوقت".

وانطلاقا من ذلك، توقع باشانغ أن "تواصل حكومة علي الزيدي النهج نفسه، عبر انتهاج سياسة خارجية أكثر استقلالية، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع كل من إيران والولايات المتحدة".

لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن "استمرار التوتر والمواجهة بين طهران وواشنطن سيبقى عاملا مؤثرا بصورة مباشرة في أمن العراق واستقراره، وهو ما قد يزيد من صعوبة الحفاظ على هذا التوازن، من دون أن يؤدي بالضرورة إلى انهياره".

وفيما يتعلق بملف حصر السلاح بيد الدولة، يرى باشانغ أن "هذا المشروع يحظى بدعم واضح من الولايات المتحدة، ومن الطبيعي أن تنظر إليه إيران بحذر بصفته أحد الملفات التي تحظى برعاية أميركية".

ومع ذلك، يعتقد أن "الواقع السياسي داخل العراق يشير إلى وجود رغبة واسعة لدى معظم القوى السياسية في تعزيز سلطة الدولة وإنهاء ظاهرة تعدد الفصائل المسلحة، وهي عملية لم تعد مرتبطة بإرادة رئيس الوزراء وحده، بل أصبحت تعكس توجها عاما داخل الساحة العراقية تدركه طهران جيدا".

وأضاف أن "هذا الإدراك قد يفسر عدم إظهار إيران معارضة صريحة لهذا المسار، أو سعيها إلى وضع عراقيل مباشرة أمامه، رغم استمرار تباين الرؤى بين الجانبين بشأن آليات تنفيذه وحدوده".

وعن مستقبل الاتفاقية الأمنية بين بغداد وطهران، وما إذا كانت زيارة الزيدي ستدفع هذا الملف إلى مرحلة جديدة، أوضح باشانغ أن "الأشهر التي سبقت التصعيد الأخير شهدت تفاهمات أمنية ثلاثية بين إيران والعراق وإقليم كردستان، ركزت على إبعاد الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة ونزع سلاحها".

واستدرك: "إلا أن التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، بدءا من الاحتجاجات التي اندلعت في يناير/ كانون الثاني 2026، مرورا بالحرب التي استمرت أربعين يوما، ووصولا إلى التصريحات الصادرة عن ترامب وعدد من المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين بشأن مزاعم تقديم أسلحة ودعم لتلك الأحزاب، رغم نفيها من جانب هذه الجماعات وسلطات إقليم كردستان؛ أعادت هذا الملف إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي".

وبحسب باشانغ، "لم تعد قضية الأحزاب الكردية الإيرانية تقتصر على كونها شأنا ثنائيا بين بغداد وطهران، بل أصبحت نقطة تقاطع لمصالح عدد من الأطراف، من بينها إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا، إضافة إلى الحكومة العراقية، وهو ما زاد من تعقيد هذا الملف وحساسيته".

وأردف: "إن الضربات الصاروخية والهجمات بالطائرات المسيرة التي نفذتها إيران ضد مقرات هذه الأحزاب في إقليم كردستان خلال الفترة الماضية أصبحت جزءا من ردها الأمني المتواصل، بما يعكس تمسكها بمنع استخدام الإقليم منصة لأي أنشطة تعدها تهديدا لأمنها القومي".

ورجح باشانغ أن "تتجه بغداد وطهران إلى تبني مقاربة مشابهة لتلك التي استخدمت في التعامل مع عناصر منظمة مجاهدي خلق، والتي انتهت، بموجب تفاهمات أمنية سابقة، إلى نقل عناصر المنظمة من معسكري الأشرف والحرية داخل العراق إلى ألبانيا".

واختتم قائلا: "إن اعتماد صيغة مشابهة قد يشكل أحد الخيارات المطروحة أمام حكومة الزيدي لخفض مستوى التوتر الأمني، ولا سيما في إقليم كردستان، مع الإقرار بأن تنفيذ مثل هذا السيناريو سيظل رهنا بتطورات الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، وبطبيعة الأوضاع الميدانية والسياسية التي قد تفرض تحديات إضافية أمام أي تسوية محتملة".