من العودة إلى الفوضى.. اضطرابات كردية تختبر سلطة دمشق في شمال سوريا

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في منعطف ميداني يؤكد أهمية بسط سيادة القانون وصون هيبة المؤسسات الوطنية على كامل الجغرافيا السورية، واجهت الأجهزة الأمنية، بالتعاون مع الفعاليات المحلية، محاولات لإثارة الشغب في الشمال والشمال الشرقي، في وقت تسعى فيه الدولة إلى احتواء بؤر التوتر وفرض الاستقرار والحفاظ على السلم الأهلي.

فقد شهدت منطقتا الجزيرة السورية وريف حلب الشرقي، في 10 أغسطس/آب 2026، اضطرابات أمنية متسارعة، بدأت بخلافات أهلية في مدينة رأس العين، إثر اعتداء مجموعات مسلحة على قوافل عائلات كردية عائدة إلى منازلها التي يشغلها سكان آخرون.

وتطورت الأزمة خلال ساعات إلى مظاهرات غاضبة واعتداءات نالت مقار الأمن الداخلي والمؤسسات الحكومية في الحسكة والقامشلي وعين العرب (كوباني)، تخللها إنزال العلم السوري وأعمال تخريب.

ودفع ذلك السلطات السورية إلى تكثيف انتشارها الأمني وفرض حظر مؤقت للتجوال وتعليق رحلات العودة، قبل أن تعلن قيادة الأمن الداخلي، فجر الثلاثاء 11 أغسطس، رفع الحظر وعودة الهدوء إلى المنطقة، عقب توقيف عدد من المتورطين في أعمال الشغب.

وأفادت القيادة بإصابة 19 من أفراد قواتها واعتقال 7 أشخاص، اتهمتهم بالتسبب في الأحداث التي شهدتها المدينة.

وتأتي عودة الأكراد بموجب اتفاق رسمي أُبرم في 26 يوليو/تموز 2026، عقب جولات مكثفة من المفاوضات والاجتماعات، وتطورت بنوده أخيرا برعاية وتنسيق مباشرين بين الدولة السورية وقيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ويُعرف الاتفاق باسم "تفاهمات العودة الطوعية لأهالي الجزيرة والفرات".

لكن عملية العودة اصطدمت بتوترات ميدانية؛ إذ اندلعت اضطرابات مع وصول أول قافلة للنازحين إلى رأس العين، وضمت أكثر من 400 عائلة، أي نحو 2500 شخص وفق بعض التقديرات، قادمين من مخيمات في الحسكة. وواجهت القافلة مشاجرات واعتداءات من قبل سكان حاليين على المنازل، ما دفع السلطات إلى تعليق عمليات العودة مؤقتاً كإجراء احترازي.

وامتدت الاحتجاجات إلى عين العرب (كوباني)؛ حيث اقتحم محتجون مبنى إدارة المنطقة ومقر الأمن الداخلي وأنزلوا العلم السوري، كما شهدت القامشلي والحسكة هجمات على مقار أمنية ورفع أعلام مرتبطة بحزب العمال الكردستاني.

وفرضت السلطات حظر تجوال مؤقتاً في كوباني، بالتزامن مع انتشار قوات الأمن واعتقال عدد من المتهمين بإثارة الشغب.

وقال نائب محافظ الحسكة أحمد الهلالي: إن أعمال الشغب "تصرُّف مدان ومرفوض"، مؤكداً حق الأهالي في العودة الآمنة مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، فيما أدان معاون وزير الدفاع سمير علي أوسو (سيبان حمو) الاعتداءات التي نالت العائدين.

وتقع رأس العين (سري كانيه) في شمال محافظة الحسكة، قرب الحدود التركية، وكانت خاضعة لسيطرة فصائل مدعومة من تركيا منذ عملية "نبع السلام" عام 2019، وشهدت خلال السنوات الماضية نزوح عشرات الآلاف من الأكراد.

أما عين العرب (كوباني)، فهي مدينة كردية تاريخية في ريف حلب الشرقي، اكتسبت رمزية كبيرة خلال المعارك ضد تنظيم داعش بين عامي 2014 و2015، كما تتمتع بموقع إستراتيجي بالقرب من نهر الفرات.

وتعد الحسكة والقامشلي من أبرز مدن الشمال الشرقي، وتضمان مكونات كردية وعربية وآشورية، وكانتا مركزاً رئيساً للإدارة الذاتية قبل التوصل إلى الاتفاقات الأخيرة.

أما الرقة ودير الزور، اللتان سيطرت عليهما القوات الحكومية في يناير/كانون الثاني 2026، فتتمتعان بأهمية اقتصادية وإستراتيجية، نظراً إلى احتوائهما على حقول رئيسة للنفط والغاز ووقوعهما على محور الفرات.

خلفية الأحداث

تعود خلفية الأحداث إلى سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وتشكيل حكومة انتقالية بقيادة أحمد الشرع.

واندلعت اشتباكات متفرقة بين قوات سوريا الديمقراطية والقوات الحكومية منذ أغسطس/آب 2025، قبل أن تتصاعد في يناير/كانون الثاني 2026 مع بدء القوات الحكومية هجوماً واسعاً انطلق من شرق حلب وامتد إلى الرقة ودير الزور، وانتهى بسيطرة دمشق على عدد من حقول النفط الرئيسة، بينها حقل العمر، وانسحاب قسد باتجاه الحسكة.

وعقب ذلك، جرى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار والدمج الشامل برعاية أميركية، نص على دمج قوات قسد، بصورة فردية أو ضمن ألوية، في الجيش السوري، إلى جانب إدماج المؤسسات المدنية، ودخول قوات الأمن الداخلي إلى الحسكة والقامشلي.

وفي السياق الأوسع، تأتي هذه التطورات وسط مساعي دمشق إلى استعادة السيطرة الكاملة على الأراضي السورية، بدعم تركي متزايد، وتقليص الوجود الأميركي السابق، بالتوازي مع مواجهة خلايا تنظيم داعش التي نفذت عشرات الهجمات منذ مطلع عام 2026.

كما تتداخل هذه التطورات مع ملف عودة النازحين، والتوترات العربية الكردية المرتبطة بالملكية والسلاح والسيطرة المحلية، فضلاً عن التحديات الخدمية والاقتصادية التي تواجه منطقة تعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة وموارد النفط والغاز.

وتكشف أحداث رأس العين والحسكة والقامشلي وكوباني أن ملف إعادة النازحين لا ينفصل عن عملية إعادة ترتيب السيطرة الأمنية والإدارية في شمال شرقي سوريا، وأن نجاح تفاهمات الدمج والعودة سيبقى مرتبطاً بقدرة دمشق والقوى المحلية على منع تحول الخلافات حول الملكية والهوية والسيطرة إلى مواجهات أمنية جديدة.

العودة حق

واستنكر ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي الاعتداءات التي تعرضت لها العائلات الكردية العائدة إلى مدينة رأس العين بعد سنوات من التهجير، مؤكدين أن منعهم من دخول منازلهم وإطلاق النار عليهم وتهديدهم يشكل جريمة ضد الإنسانية وانتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان.

وعدّوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #رأس_العين، #عين_العرب، #الحسكة، وغيرها، هذه الأحداث تهديداً مباشراً لجهود المصالحة الوطنية وإعادة السلم الأهلي في سوريا، مطالبين بحماية العائدين ومحاسبة المعتدين وتطبيق سيادة القانون دون تمييز.

وحذر ناشطون من أن استمرار مثل هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى تصعيد التوترات العرقية والإضرار بالاستقرار في المنطقة، مشيرين إلى حقوق النازحين في العودة الآمنة إلى منازلهم وديارهم ولكن بعد تنسيق تشرف عليه الجهات الرسمية بما يحفظ حقوق الجميع ويمنع حدوث احتكاكات وإشكالات. 

علم الثورة

وأدان ناشطون بقوة اقتحام شبان أكراد (يُنسبون إلى أنصار قسد/الإدارة الذاتية) مقار أمنية حكومية في القامشلي (الحسكة) وعين العرب/كوباني (ريف حلب)، وإنزالهم العلم السوري من فوق المباني وإهانته، والإبلاغ عن إشعال النار في مركز للأمن الداخلي في عين العرب، وذلك في سياق التوترات المرتبطة بعودة عائلات كردية إلى رأس العين.

وأشاروا إلى أن إنزال العلم أو إحراقه وإهانة المقرات الأمنية تجاوزاً خطيراً على سيادة الدولة وكرامة الشهداء، ووصفوا الفاعلين بـ"مليشيات قسد" أو "الخارجين عن القانون"، مؤكدين أن العلم السوري "خط أحمر" و"مقدس" مرتبط بتضحيات الشعب، ودعوا إلى ملاحقة المعتدين قانونياً وبسط هيبة الدولة.

الشبيبة الثورية

ووجه ناشطون أصابع الاتهام مباشرة إلى حركة "الشبيبة الثورية" (جوانن شورشكر) بالوقوف وراء التوترات وأعمال العنف والشغب التي شهدتها الحسكة وعين العرب أمس، مقدرين أنها ذراع تخريبي يسعى دائماً لإشعال الفتن وفصل المنطقة عن محيطها الوطني كلما اقتربت الأطراف من تحقيق تفاهمات سياسية أو أمنية مستقرة.

والحركة هي تنظيم شبابي شبه عسكري تأسس أواخر عام 2011 في سوريا، ويرتبط التنظيم أيديولوجياً وهيكلياً بـ حزب العمال الكردستاني (PKK)، وينشط بشكل مكثف في مناطق شمال وشرق سوريا الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والإدارة الذاتية.

وتطرح الحركة نفسها كتنظيم اشتراكي يهدف إلى تعبئة الشباب وتنظيم المجتمع على أسس "الديمقراطية وحرية المرأة" وفق أفكار عبد الله أوجلان، وتواجه انتقادات دولية وحقوقية واسعة لاتهامها المباشر في تجنيد الأطفال والقاصرين إجبارياً عبر الخطف والاستقطاب العقائدي، فضلاً عن القيام بأعمال قمع وتخريب ضد المقار والناشطين السياسيين المعارضين للإدارة الذاتية.

وبدورها، أكدت مصادر إعلامية وقوى الأمن الداخلي السوري أن عناصر من "الشبيبة الثورية" هاجموا مقر قيادة الأمن الداخلي (الأمن العام) في مدينة الحسكة وعين العرب، واتهمتهم بالإقدام خلال الهجوم على إنزال العلم السوري من فوق المقر الرسمي والدعس عليه بأقدامهم.

كما  سيرت الحركة دوريات معززة بعربات مصفحة ونفذت مداهمات في أحياء (مثل النشوة وغويران) واعتقلت شبانا. وفق مصادر إعلامية وحسابات على منصات التواصل الاجتماعي.

وتسببت تصرفات الحركة في حالة احتقان وتوتر كبيرين، دفع بالقبائل والعشائر العربية في الحسكة إلى إعلان النفير العام والاستنفار لحماية مناطقهم من أي اعتداءات، بالتزامن مع تجهيز ما يعرف بـ "خيمة حرب" بريف الحسكة الجنوبي.

وألقت قوات الأمن القبض  على عدد من المتورطين في أعمال الشغب والاعتداءات، وقد لقي هذا التحرك الأمني احتفاءً لافتاً وترحيباً من قِبل الناشطين والشارع المحلي والمتابعين على منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ عدوه خطوة ضرورية طال انتظارها لإنهاء حالة "الدلال السياسي" والأمني.

قبضة أمنية

ورحب ناشطون بقرار فرض حظر التجوال والتحرك العسكري والأمني السريع لإعادة الهدوء إلى عين العرب والحسكة وأشادوا بقدرة السلطة على إحكام قبضتها الأمنية، مشددين على أن هيبة الدولة ومؤسساتها الأمنية يجب أن تُصان، وأن المحاسبة القانونية للمتورطين السبعة وباقي المعتدين ضرورة لردع الفوضى.

وكانت قيادة الأمن الداخلي في محافظة حلب، قد صرّحت بأن دخول قوى الأمن الداخلي إلى مدينة عين العرب كوباني يهدف إلى منه وقوع أي حالة من الفوضى والحفاظ على الأمن والاستقرار، موضحة أن الانتشار يأتي لحماية الأهالي وتأمين المؤسسات والمرافق العامة.

وأشارت إلى إصابة 19 عنصر من عناصر قوى الأمن الداخلي خلال أداء مهامها، فيما ألقى القبض على 7 أشخاص من المتسببين بالأحداث، لاستكمال الإجراءات القانونية بحقهم.