حالة أمنية متدهورة في شوارع غزة.. كيف تهندسها إسرائيل وما رد المقاومة؟

"هذا الواقع دفع الأجهزة الأمنية إلى اعتماد ترتيبات جديدة، أكثر سرية"
يعيش المواطن الفلسطيني في غزة حربا خفية أخرى سلبت أمنه وجعلت الخطر يحيط به من كل اتجاه، بجانب حرب الإبادة المستمرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي حصدت أرواح أكثر من 75 ألف شهيد، بجانب قرابة 10 آلاف مفقود تحت الأنقاض.
وبات الشارع الغزي يعيش حالة أمنية متدهورة، تتداخل فيها الجريمة مع انتشار السلاح، وتتزايد فيها الشجارات العائلية التي تتحول في كثير من الأحيان إلى مواجهات مسلحة بالأسلحة النارية أو البيضاء، وعمليات قتل وثأر.
بالتزامن مع نشاط عصابات ومجموعات مسلحة وتجارة المخدرات، في وسط مجتمعي أنهكته حرب الإبادة واستهدفت فيه المؤسسات الأمنية والقانونية كافة.
وتعرضت الشرطة والأجهزة الأمنية ولا تزال لاستهدافات متواصلة، وتقول الأمم المتحدة: إن هجمات الاحتلال الدموية على أفراد الشرطة ومنشآتها أسهمت في تفكيك هياكل إنفاذ القانون المدنية وإضعاف قدرة المؤسسات على حماية السكان.
وبحلول أغسطس/آب 2026، وثق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان 18 غارة جوية دموية على الشرطة في غزة منذ بداية العام، أسفرت عن ارتقاء 77 فلسطينيا، بينهم 57 شهيدا من أفراد الشرطة.

فلتان في الطرقات
ومع تجول مراسل "الاستقلال" في مخيمات النزوح والطرقات في قطاع غزة، وما وثقه من نزاعات عائلية، خلص إلى أن ظروف النزوح الصعبة تسهم بشكل كبير في حالة الاحتقان، في ظل اكتظاظ المخيمات وتراص الخيام، وشح المياه، سواء الصالحة للشرب أو المخصصة للاستخدام المنزلي، إلى جانب الازدحام على تكايا الطعام.
ويجبر النازحون على تشارك كل شيء والاصطفاف في طوابير تحت أشعة الشمس الحارقة، في أجواء من الضنك والضيق، لتصبح حتى الخلافات البسيطة مرشحة للتصعيد والتدهور، بالتزامن مع قلة الانتشار الأمني.
وخلال حوارات أجراها "الاستقلال" مع نازحين في منطقة المواصي، وثقت شهادات وقوع جريمة قتل خلال شهر أغسطس/آب 2025، على خلفية خلاف حول الأحقية في طابور لتوزيع المياه الصالحة للشرب.
كما تحدثت شهادات عن نزاع عائلي كبير وصل إلى استخدام الأسلحة النارية، وأسفر عن وقوع إصابات، بعدما بدأ بخلاف بسيط بين نساء على أماكن نشر الغسيل، إلى جانب نزاعات أخرى كانت بدايتها أمورا صغيرة قابلة للحل بسهولة في الظروف الطبيعية.
من جانبه، قال الشاب محمد أبو عوبضة: إن الوضع الأمني في قطاع غزة بات صعبا للغاية. مشيرا إلى أن «منطق الغاب ومنطق القوة والعربدة، وقوة العائلات وسلاحها، هو المنطق السائد اليوم، والذي تحسم به الخلافات ويحتكم إليه الجميع في قطاع غزة».
في ظل تراجع القدرة الأمنية وزيادة استهداف عناصر الشرطة والأمن، وهو ما يسهم في تفاقم حالة الانفلات الأمني.
وأضاف عوبضة الذي يعمل مشرفا في مخيم للنازحين على شاطئ بحر قرية الزوايدة، أن ما يحدث في المخيم الذي يشرف عليه، وكذلك في محيطه، يعكس جزءا مما يجري في قطاع غزة.
وقال: إن بعض العائلات التي تملك السلاح باتت تسيطر على أجزاء من المخيم وتخصصها لأفرادها، مضيفا أنه عند وصول مساعدات الخبز، تأتي هذه العائلات وتأخذ كميات تفوق حاجتها، ما يحرم عددا كبيرا من النازحين في المخيم من الحصول على حقهم.
وينطبق الأمر ذاته، وفق عوبضة، عند وصول مركبات توزيع المياه الصالحة للشرب، وكذلك عند توزيع المساعدات الغذائية، مشيرا إلى أن ذلك يتم بطريقة العربدة، وهو أمر غير مسبوق.
وشدد على أن ما يجعل هذه العائلات تفلت من المحاسبة هو تراجع عمل الشرطة ودورياتها، نتيجة الاستهدافات اليومية التي تتعرض لها. وأضاف أن هذه العائلات باتت مسلحة ولا تتوانى عن إطلاق النار، مشيرا إلى أن جزءا من أفرادها كان يعمل في أجهزة أمن السلطة قبل عام 2007، وأن هؤلاء أصبحوا «حجر الأساس» في هذه العائلات التي باتت، بحسب وصفه، أشبه بالعصابات.
وتابع عوبضة أن الأمر لا يقتصر على ما يحدث داخل المخيم، أو على ما وصفه بـ«نظام العربدة» من جانب عائلات معينة، بل يمتد أيضا إلى الطرقات؛ حيث يشهد السكان يوميا اشتباكات عائلية، وإطلاق نار من مجهولين، وجرائم قتل.
وقال: إن ضحايا هذه الاشتباكات غالبا ما يكونون من النازحين في الطرقات والمارة وسكان الخيام، الذين لا يملكون منازل تحميهم من الرصاص، موضحا أن الرصاص يمكن أن يخترق بسهولة أي خيمة ويصيب من بداخلها.
وأضاف: "وكأنه لا يكفي ما يطلقه الاحتلال من قصف على الخيام وعلى السكان، فيأتي هؤلاء المجرمون لزيادة المعاناة وزيادة سفك الدماء في غزة".

تحرك مجتمعي
وفي ظل ما يعيشه القطاع من فلتان أمني، نشطت تحركات مجتمعية لقطع الطريق على توسع التدهور الأمني والشروخ المجتمعية والخلافات العائلية، حيث تحرك الوجهاء وهيئات الإصلاح لحل الخلافات
وتعاونت هذه الهيئات مع وزارة الداخلية في غزة، لتولي جزء كبير من حملات الإصلاح ووأد الصراعات العائلية قبل أن تتدهور.
وبحسب بيانات وزارة الداخلية، فقد أثمرت جهود هيئات الإصلاح عن معالجة 1440 قضية خلال أغسطس/آب 2026 وحده
حيث تنوعت بين المشاجرات والخلافات المالية والنزاعات على الأراضي والمشكلات العائلية وقضايا القتل والسرقات وغيرها.
أما أبو محمد البريكات، وهو من الوجهاء ورجال الإصلاح الذين يعملون في حل النزاعات العائلية، فقال: إن ما يعيشه قطاع غزة اليوم هو حالة فلتان أمني مستفحل. مشيرا إلى أن ما يحدث حاليا لم يتكرر منذ أكثر من عشرين عاما.
وأضاف، في حديثه لـ"الاستقلال": "لم أشهد خلال السنوات الماضية ما يعيشه قطاع غزة اليوم؛ حيث باتت هناك جرأة واضحة على الدماء واستسهال لاستخدام السلاح، سواء السلاح الناري أو الأبيض".
لافتا إلى أن القطاع يشهد يوميا جرائم قتل وإصابات واشتباكات، في ظاهرة وصفها بأنها غريبة ودخيلة على المجتمع الفلسطيني في غزة.
وأوضح البريكات أن الخلافات العائلية في السابق كانت تبدأ بتدخل الشرطة التي كانت تعمل على اعتقال الأطراف المشاركة في الخلاف عند وقوع اعتداءات، سواء بالضرب أو إطلاق النار، ثم تبدأ لجان الإصلاح عملها بالتوجه إلى العائلتين وتحديد موطن الخطأ، وفي حال وجود خلاف، يجري التوصل إلى الحل المناسب وتقديم النصح للطرفين، حسب وصفه.
وأضاف أنه بعد إتمام عملية الإصلاح، كانت لجان الإصلاح تتمتع بتنسيق مع الشرطة الفلسطينية، بحيث إنه عند تقديم ورقة الصلح بين العائلتين، تقوم الشرطة بالإفراج عن الموقوفين، ما لم يكن هناك حق عام أو جرائم قتل. لكنه أكد أن الأمر اليوم اختلف بشكل كامل.
وأوضح أبو محمد البريكات أن جهود الإصلاح غالبا لا تتكلل بالنجاح في الوقت الحالي، في ظل إصرار بعض العائلات على الاحتكام إلى منطق القوة.
وأشار إلى أن العائلات القوية التي يحمل أفرادها السلاح ترى نفسها أكبر من الجلوس للنقاش وحل الخلافات، بل تبادر إلى إطلاق النار واتباع ما وصفه بـ"نظام البلطجة"، الذي بات سائدا، خصوصا مع ضعف سلطة الشرطة والاستهدافات المتكررة لدورياتها وعناصرها.
وأشار إلى أن تدخل الشرطة بات يتركز، في كثير من الأحيان، على الجرائم بعد وقوعها، خاصة جرائم القتل، موضحا أنه رغم الجهود الكبيرة التي تحاول الشرطة بذلها، فإن الوضع الحالي بات أكبر من قدراتها.
ونوه إلى أن بعض العائلات باتت أشبه بالعصابات، خصوصا تلك التي عمل أفراد منها خلال الحرب في سرقة شاحنات المساعدات، أو في أعمال غير مشروعة، وارتكب بعض أبنائها جرائم قتل، مقدرا أن هذه العائلات ترى نفسها مسلحة وقادرة على حماية أفرادها في ظل ضعف سلطة القانون في قطاع غزة.
وقال: إن هذه العائلات "لا تلتزم أبدا بأي من الحلول العشائرية، ولا حتى تجلس في ما نسميه جلسة الحق بشكل عشائري".
وتابع رجل الإصلاح قائلا: "إن حالة الفلتان والقصف والاشتباكات العائلية، ورغم استمرارها لفترة طويلة، لا شك أن لها نهاية، وحين تنتهي، سيحاسب كل مجرم، وكل مختار متواطئ، وكل من عاون على إشاعة الفلتان وإفلات المجرمين من الحساب".
وأشار إلى أن الحساب لن يكون قانونيا وعشائريا فحسب، بل سيكون أيضا حسابا شعبيا، مضيفا أن الشعب الفلسطيني في غزة سينبذ كل من تعاون على تهديد السلم الأمني والشعبي ومساعدة الاحتلال على إشاعة الفوضى.

الشرطة تتحرك
في الجانب الآخر، ورغم ما تتعرض له المنظومة الأمنية في غزة من استهدافات وحملات أمنية أسفرت عن ارتقاء أكثر من 2,800 شهيد من قادة وضباط ومنتسبي الشرطة، بالإضافة إلى إصابة ما يزيد على 1,950 آخرين، وأسر نحو 211 عنصرا.
تحاول الشرطة والأجهزة الأمنية في غزة العمل ضمن بيئة شديدة الصعوبة، ليس فقط عبر ملاحقة مرتكبي جرائم القتل، وإنما أيضا عبر التدخل في الشجارات ومصادرة الأسلحة ومكافحة المخدرات واحتواء النزاعات العائلية.
وحاورت «الاستقلال» مسؤولا أمنيا في أجهزة الأمن بقطاع غزة، للوقوف على الوضع الأمني الراهن في القطاع، والجهود التي تبذلها الحكومة في غزة، وما إذا كانت الأمور قد خرجت عن السيطرة، وكيف يعمل الاحتلال على إشاعة حالة الفلتان الأمني.
وقال المصدر الأمني: إن الاحتلال هو اللاعب الأساسي فيما يعيشه قطاع غزة من أوضاع أمنية متوترة، مشيرا إلى أن الاحتلال عمل على الوصول إلى هذا الحال منذ ثلاث سنوات، بدءا من استهدافه دوريات الشرطة وضباطها وقادتها والمراكز الشرطية والسجون، ما أدى، وفق قوله، إلى ارتقاء الآلاف من عناصر الشرطة.
وأضاف في حديثه لـ"الاستقلال" أن ما يحصل في القطاع، سواء من جرائم قتل واشتباكات بالأسلحة النارية بين العائلات وكثرة الخلافات العائلية، أو جرائم السرقة وانتشار تجارة المخدرات، فضلا عن عبث بعض التجار بالمواد والسلع الأساسية بهدف رفع أسعارها وقطعها من الأسواق، كلها معضلات يعيشها قطاع غزة اليوم، مقدرا أن الدور الأساسي فيها يعود إلى الاحتلال.
وكشف المصدر الأمني عن تسجيل حالات ارتكب فيها بعض الأفراد جرائم قتل، ثم توجهوا، هربا من المحاسبة والاعتقال، إلى المناطق الشرقية ومناطق نفوذ العصابات الإجرامية، التي باتت، وفق قوله، تعلن نفسها حامية للمجرمين من عقاب الأجهزة الأمنية والفصائل الفلسطينية.
وأضاف أن هذه المناطق باتت تضم متخابرين مع الاحتلال ومجرمين وقتلة ولصوصا، وتوفر لهم الحماية، مقدرا أن ذلك يؤشر، بحسب قوله، على الدور الذي يؤديه الاحتلال في توجيه هذه المليشيات لحماية المجرمين وإنماء وتغذية حالة الفلتان الأمني.
وأوضح أنه بعد هروب هؤلاء المجرمين تبدأ موجة من الخلافات العائلية والاشتباكات المسلحة بين عائلتي القاتل والطرف المغدور، مقدرا أن هذا ما يريده الاحتلال ويعمل عليه.
وقال المصدر: إن الاحتلال يعمل أيضا على تشجيع تجارة المخدرات. مشيرا إلى أن هذه المواد تدخل، وفق قوله، بكميات كبيرة، سواء مع البضائع التي تدخل عبر المعابر الإسرائيلية، أو من خلال طائرات كوادكوبتر التي تقتحم الحدود من جانب الأراضي المحتلة.
وأضاف أن هناك شبكات تعمل على تهريب المخدرات بشكل مباشر، وكذلك من خلال «المليشيات العميلة للاحتلال»، مقدرا أن الهدف هو إغراق قطاع غزة بها، وأن انتشار المخدرات والمتعاطين يسهل انتشار الجريمة بشكل مباشر، ويغذي الشبكات الإجرامية ماديا.
وحول الدور الأمني الذي تقوم به الأجهزة الأمنية في قطاع غزة، قال المصدر: إنه فور اندلاع أي اشتباك أو خلاف عائلي، تتوجه الشرطة وعناصر الأجهزة الأمنية إلى مكان الاشتباك لمحاولة فضه، وفي حال وقوع إصابات أو جرائم، تعمل على اعتقال المتورطين.
وأوضح أن سرعة التدخل تعتمد على الوضع الأمني ووجود طيران الاحتلال، مشيرا إلى أن الاحتلال كثيرا ما يتعامل مع هذه الاشتباكات بوصفها كمائن لعناصر الأجهزة الأمنية، وأنه فور وصولهم إلى ميدان الخلاف وموقع الاشتباك يقوم باستهدافهم بشكل مباشر، لافتا إلى أن ذلك تكرر عشرات المرات
وقال: إن هذا الواقع دفع الأجهزة الأمنية إلى اعتماد ترتيبات جديدة، أكثر سرية، وإجراءات تحقق توازنا بين حفظ الأمن وحماية عناصر الأجهزة الأمنية.
وأكد المصدر أن هدف الاحتلال المتمثل، وفق قوله، في إيجاد فراغ أمني وتحييد الدور الأمني الذي تقوم به المؤسسة الأمنية في قطاع غزة سيفشل في النهاية، مشيرا إلى أنه حتى خلال ذروة الحرب، واصلت الأجهزة الأمنية عملها بطرق تتكيف مع الوضع الأمني.
وأضاف أن الوعي المجتمعي يساعد أيضا في تفادي الكثير من الخلافات، مؤكدا في ختام حديثه أن "مخطط الاحتلال سيفشل في النهاية".


















