مرحلة جديدة.. ما دلالات توقيت زيارة نيجيرفان البارزاني إلى دمشق؟

يوسف العلي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

لم تكن زيارة رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، إلى دمشق ولقاؤه الرئيس السوري أحمد الشرع مجرد محطة بروتوكولية في سياق إعادة بناء العلاقات بين الجانبين، بل حملت دلالات سياسية وأمنية تعكس ملامح ترتيبات إقليمية جديدة آخذة في التشكل في كل من سوريا والعراق.

وجاءت زيارة بارزاني، التي جرت في 3 أغسطس/آب 2026، وهي الأولى منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، في توقيت بالغ الحساسية، تزامناً مع تصاعد التوترات الإقليمية، وتقدم مسار دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ضمن مؤسسات الدولة السورية.

وأضفى إعلان بارزاني أنه لبّى دعوة رسمية من الرئيس الشرع، قبل أن يوجه إليه دعوة مماثلة لزيارة بغداد وأربيل، بالتزامن مع توجه دمشق لافتتاح قنصلية لها في أربيل، بعداً جديداً للعلاقات بين الجانبين، بما يوحي بأن التواصل لم يعد يقتصر على التنسيق الأمني، بل يتجه نحو بناء شراكة سياسية ودبلوماسية أوسع.

تفاهمات سابقة

تشير المعطيات إلى أن زيارة رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، إلى دمشق لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت تتويجاً لمسار من الاتصالات السياسية بدأ قبل أكثر من عام؛ فقد سبق أن التقى بارزاني بالرئيس السوري أحمد الشرع في مدينة أنطاليا، كما جمعته لقاءات بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني على هامش مؤتمري ميونيخ للأمن في عامي 2025 و2026.

كما كشفت معلومات متقاطعة عن زيارة غير معلنة أجراها وفد رفيع من إقليم كردستان إلى دمشق قبل أسابيع من الزيارة؛ حيث توصل الجانبان إلى تفاهمات مهدت لهذا اللقاء، بما يعكس أن الطرفين عملا بصمت على بلورة إطار جديد للعلاقة بعيداً عن الأضواء ووسائل الإعلام.

ويعزز هذا المسار إعلان دمشق، في 21 يوليو/تموز، بدء إجراءات افتتاح قنصلية سورية في أربيل، في خطوة تحمل دلالات دبلوماسية واضحة على انتقال العلاقات إلى مستوى مؤسساتي، بعد سنوات من الجمود الذي طبع علاقة الإقليم بالنظام السوري السابق.

ورأى الباحث في مركز "جسور" للدراسات، وائل علوان، أن توقيت الزيارة يرتبط بجملة من التحولات الإقليمية التي فرضت على الجانبين إعادة ترتيب أولوياتهما السياسية والأمنية.

وقال علوان، في حديثه لصحيفة الاستقلال: إن العلاقات بين دمشق وأربيل اتسمت بالإيجابية خلال الأشهر الماضية، لا سيما بعد الاتصالات التي جرت خلال المواجهات الواسعة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) مطلع عام 2026، والتي أسهمت في احتواء التصعيد والحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة بين الطرفين.

وأضاف أن إعلان دمشق، في أكثر من مناسبة، تضامنها مع إقليم كردستان خلال الهجمات الإيرانية وهجمات الفصائل العراقية المسلحة، عزز مستوى الثقة المتبادلة، ووفّر بيئة مناسبة للانتقال من مرحلة التنسيق المحدود إلى بناء علاقات سياسية أوسع.

وأكد علوان أن توقيت الزيارة يتزامن مع تصاعد احتمالات المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار الاحتكاكات بين سوريا وبعض الفصائل العراقية المسلحة، إلى جانب إعادة انتشار القوات الأميركية وتقليص وجودها في أربيل، وهي متغيرات دفعت إقليم كردستان إلى تنويع خياراته السياسية والأمنية عبر تعزيز علاقاته مع دمشق.

أين بغداد؟

أثار توجيه رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، دعوة رسمية إلى الرئيس السوري أحمد الشرع لزيارة بغداد وأربيل، تساؤلات بشأن ما إذا كانت تلبية بارزاني دعوة الشرع إلى دمشق جاءت بتنسيق أو تشجيع من الحكومة العراقية، خاصة أن إقليم كردستان لا يدير ملفات السياسة الخارجية بصورة منفصلة عن الدولة العراقية.

وتشير المؤشرات إلى أن بغداد كانت على اطلاع بالزيارة ونسقت لها، فيما توحي دعوة الرئيس السوري إلى العاصمة العراقية بوجود رغبة في تحويل الانفتاح السوري على أربيل إلى بوابة لتعزيز العلاقات السورية العراقية بصورة أشمل، تتجاوز حدود العلاقة مع الإقليم وحده.

وتنظر بغداد إلى استقرار سوريا باعتباره جزءاً من أمنها الوطني، لا سيما في الملفات المرتبطة بأمن الحدود، ومكافحة تنظيم الدولة، وعودة اللاجئين، وتعزيز التعاون الاقتصادي، وهي قضايا تجعل أي تقارب بين دمشق وأربيل يصب، في نهاية المطاف، في إطار المصلحة العراقية الأوسع.

وكشف المتحدث باسم رئاسة إقليم كردستان، دلشاد شهاب، أن زيارة نيجيرفان بارزاني إلى دمشق جاءت بالتنسيق مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، وتهدف إلى تعزيز التعاون بين البلدين وترسيخ الاستقرار الإقليمي، بحسب ما نقلته وكالة "شفق نيوز" العراقية في 3 أغسطس/آب.

وفي المقابل، يمنح هذا المسار إقليم كردستان فرصة للعب دور الوسيط بين دمشق وبغداد، مستفيداً من علاقاته الجيدة مع العاصمتين، وهو ما يعزز مكانة أربيل ويمنحها ثقلاً سياسياً أكبر في المعادلات الإقليمية.

وفي الوقت نفسه، بدا أن ملف الأكراد السوريين، إلى جانب قضية دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مؤسسات الدولة السورية، كانا من أبرز الملفات التي حضرت خلال الزيارة.

وأشار الباحث في مركز "جسور" للدراسات، وائل علوان، إلى أن أحد أهم أهداف الزيارة يتمثل في تثبيت المكاسب التي حققها المكون الكردي في سوريا، وتحويل الحقوق التي أقرتها دمشق خلال عام 2026 إلى ضمانات دستورية دائمة، لا سيما في ظل تراجع الدور الأميركي الذي كان يمثل عامل توازن رئيساً في هذا الملف.

ويتقاطع هذا الطرح مع ما كشفه الصحفي السوري إبراهيم حمدي، الذي أكد، عبر منصة "إكس" في 2 أغسطس/آب، أن الزعيم الكردي مسعود بارزاني لعب دوراً مهماً في دعم تنفيذ اتفاق دمج قوات "قسد"، مشيراً إلى أن ذلك سبقه تواصل هاتفي مع الرئيس أحمد الشرع، إلى جانب نشاط متزايد للمؤسسات المدنية المرتبطة بإقليم كردستان في شمال شرقي سوريا، لا سيما في مجالات التعليم والإغاثة والتنمية.

وأضاف حمدي أن شخصيات كردية مقربة من أربيل بدأت تتولى أدواراً داخل مؤسسات الدولة السورية، بما في ذلك مجلس الشعب الجديد، في مؤشر على أن دمشق تتجه إلى بناء شراكة مع التيار الكردي القريب من أربيل، بديلاً عن حصر العلاقة بقوات سوريا الديمقراطية (قسد) وحدها.

رسائل إقليمية

تحمل زيارة رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، إلى دمشق رسائل تتجاوز حدود الداخل السوري، لتصل إلى القوى الإقليمية الفاعلة. فالتقارب بين دمشق وأربيل يعزّز موقع التيار الكردي المقرب من عائلة بارزاني الذي يحتفظ بعلاقات وثيقة مع تركيا، في مقابل تراجع نفوذ القوى الكردية الأقرب إلى إيران وحزب العمال الكردستاني.

ويرى الصحفي السوري إبراهيم حمدي أن دمشق تراهن على تعميق علاقاتها مع أربيل مقابل اتخاذ خطوات إضافية تجاه الأكراد السوريين، تشمل توسيع مشاركتهم في مؤسسات الدولة، والانفتاح على خصوصيتهم الثقافية واللغوية، بما يسهم في تقليص نفوذ قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وفصلها تدريجياً عن حاضنتها الكردية.

وتنسجم هذه المقاربة مع المصالح التركية التي تعمل منذ سنوات على إضعاف حزب العمال الكردستاني وتقليص امتداداته داخل الأراضي السورية، وهو ما يجعل تعزيز العلاقات مع أربيل خياراً أقل حساسية بالنسبة لأنقرة مقارنة بالتعامل مع القوى الكردية المرتبطة بالحزب.

وفي الوقت نفسه، يمثل هذا الانفتاح رسالة غير مباشرة إلى إيران التي ما تزال تحتفظ بنفوذ داخل بعض الفصائل العراقية والساحة السورية، ومفادها أن دمشق تسعى إلى تنويع شراكاتها الإقليمية وعدم الارتهان لمحور واحد، وفق تقديرات مراقبين.

ولا يقتصر التقارب بين دمشق وأربيل على الجوانب الأمنية والسياسية، بل يمتد أيضاً إلى الملفات الاقتصادية. فقد أكد الرئيس نيجيرفان بارزاني، عقب لقائه الرئيس أحمد الشرع، أن سوريا والعراق وإقليم كردستان تجمعها مصالح مشتركة بحكم الجوار الجغرافي، مشيراً إلى وجود فرص كبيرة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين الأطراف الثلاثة.

كما كشف عضو مجلس الشعب السوري بدر جاموس أن اللقاء تناول عدداً من الملفات العملية، من بينها مكافحة تنظيم الدولة، وعودة اللاجئين، وملف أنابيب النفط الممتدة بين العراق وسوريا، وهي قضايا تعكس اتجاهاً نحو بناء شراكة متعددة الأبعاد تتجاوز الملف الكردي وحده.

وأشار جاموس، في تصريحات نقلتها شبكة "رووداو" في 3 أغسطس/آب، إلى أن إقليم كردستان لعب دوراً مهماً في استقبال اللاجئين السوريين طوال سنوات الحرب، وأن القيادة الكردية، وفي مقدمتها نيجيرفان بارزاني ومسعود بارزاني، أسهمت في تقريب وجهات النظر بشأن تنفيذ اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، معرباً عن ثقته في أن يواصل الإقليم أداء دور إيجابي خلال المرحلة المقبلة.

ويرى مراقبون أن دمشق تحتاج إلى شريك كردي قادر على تسهيل دمج الأكراد في مؤسسات الدولة الجديدة، فيما يسعى إقليم كردستان إلى ضمان حقوق المكون الكردي السوري وتوسيع حضوره السياسي في الملف السوري، بينما تنظر بغداد إلى استقرار حدودها الغربية مع سوريا بصفته أولوية أمنية واستراتيجية.

وبناءً على ذلك، تبدو زيارة نيجيرفان بارزاني إلى دمشق خطوة تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات السورية مع إقليم كردستان، كما تعكس قناعة متزايدة بأن إعادة ترتيب المشهد السوري لن تتم بمعزل عن دور أربيل، وأن التفاهمات المقبلة قد تقوم على شبكة مصالح سياسية وأمنية واقتصادية تجمع دمشق وبغداد وأربيل.