اعتراف حكومي غير مسبوق.. ماذا يعني تعثر دفع الرواتب في العراق؟

الحكومة أقرت بأن نقص حاد بالسيولة تسبب بتأخر الرواتب
في اعتراف يشكل سابقة تحصل لأول مرة منذ عام 2003، أقرت الحكومة العراقية بوجود عجز مالي "خطير" يعرقل دفع رواتب الموظفين في يوليو/ تموز 2026، والأشهر اللاحقة، في تطور يعكس حجم الضغوط المالية جراء تراجع إيرادات النفط واستمرار تضخم الإنفاق الحكومي.
وتراجعت الإيرادات النفطية للعراق خلال شهري مايو ويونيو إلى 2.3 مليار دولار، بخسائر قد تصل إلى 50 مليار دولار أميركي منذ شن الولايات المتحد وإسرائيل حربا على إيران في 28 فبراير، الأمر الذي يضع حكومة علي الزيدي أمام أحد أخطر التحديات الاقتصادية حساسيةً.

إقرار رسمي
لأول مرة تعترف الحكومة العراقية بشكل رسمي بالأزمة بعدما تأخر الإعلان المعتاد عن إطلاق تمويل الرواتب لشهر يوليو، الأمر أثار تساؤلات عما إذا كان يمثل الواقع الحالي أزمة سيولة عابرة، أم أنها جرس إنذار يستدعي إعادة هيكلة شاملة للسياسة المالية والاقتصادية في العراق؟
وقال وزير المالية فالح الساري: إن "هناك مشكلة في مسألة تأمين الرواتب التي يحتاج تأمينها إلى نحو 8 تريليونات دينار عراقي، بينما لا يتوفر إلا نحو 3 تريليونات". موضحاً أن الحكومة بدأت بصرف الرواتب بشكل متأخر وعلى دفعات كلما توفرت السيولة المالية.
وتتزامن هذه التطورات مع إقرار المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي بوجود أزمة مالية؛ إذ قال: إن "الفجوة كبيرة بين إيرادات الدولة في الوقت الحالي ومتطلبات توفير الرواتب الشهرية وغيرها من الالتزامات".
وبيّن العبودي خلال مقابلة تلفزيونية في 30 يوليو، أن "الحلول التي تعمل عليها الحكومة العراقية ربما تجعل انتظام توزيع الرواتب ليس كما كان سابقاً، وسيكون هناك تأخير حتى تكتمل الرواتب وتُوزَّع".
وشدد على أن "الحكومة تمر بأزمة مالية، وهناك بعض الحلول الداخلية لتفادي التأخر في صرف الرواتب؛ إذ تسعى الحكومة للاقتراض الداخلي لتأمينها". مشيراً إلى أن الأزمة في المنطقة أثرت بشكل كبير على الاقتصاد العراقي.
وأشار إلى أن الحكومة وقّعت خلال زيارتها الأخيرة إلى تركيا اتفاقات تتعلق بتنفيذ مشروع طريق التنمية، وتعمل على ضمان استمرار تدفق النفط العراقي رغم الأزمات الإقليمية. مؤكدا أن "المتغيرات الجيوسياسية انعكست على السياسة الخارجية العراقية التي تقوم على الاقتصاد وعدم التمحور".
وأوضح العبودي أن الأزمة الإقليمية أثرت بصورة كبيرة في الاقتصاد العراقي، وأن بغداد وأنقرة شكلتا لجاناً مشتركة لإعداد دراسة متكاملة بشأن تصدير النفط العراقي.
وفي اليوم نفسه، أعلن وزير الصحة العراقي عبد الحسين الموسوي، أن العراق عاجز عن توفير الرواتب، مؤكداً في تصريح صحفي، أن الحكومة باتت تقضي معظم وقتها في البحث عن آليات لتأمين الرواتب، وأن الحلول المتاحة صعبة للغاية في ظل الظروف المالية الحالية.
كما كشفت المستشار المالي والاقتصادي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن الأزمة التي تمر بها المالية العامة "واضحة للجميع"، إلا أنه شدد على أن مفهوم الإفلاس لا ينطبق على الدول.
وأوضح صالح أن "الدول لا تفلس، وإنما تمر بضائقات أو أزمات مالية (Crisis) يمكن معالجتها من خلال أدوات وإجراءات اقتصادية مناسبة". لافتاً إلى أن العراق يمتلك موارد متعددة، وأن المطلوب في هذه المرحلة هو إعادة تنظيم إدارة هذه الموارد وتوظيفها بالشكل الأمثل.
وتابع: الحكومة تمتلك عدداً من البدائل على صعيد التمويل الخارجي، وأن من أبرزها آلية التمويل المسبق مقابل الصادرات النفطية، واللجوء إلى المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فضلاً عن الاستفادة من أسواق رأس المال العالمية.

"عسرة مالية"
على ضوء التصريحات الرسمية، قال الخبير الاقتصادي العراقي، زياد الهاشمي: إن العراق يدخل رسمياً حالة (العسرة المالية)، والحكومة تمر بأسوأ حالاتها، والشعب ينتظر تسلم استحقاقاته المالية، حسب تدوينة نشرها على "إكس" في 31 يوليو.
وأضاف الهاشمي أنه "ليس مفاجئاً أن تعترف الحكومة العراقية أخيراً بشح السيولة في خزانتها، بعد أشهر طويلة من المكابرة والإنكار والعناد، وبعد أن أجبرها التدهور المستمر في الإيرادات على الاعتراف بالحقيقة المُرّة أمام الشعب".
وتابع: المفاجئ حقاً أن هناك من كان مطمئناً إلى أن كل شيء يسير على ما يرام، وأنه لا يوجد ما يدعو إلى القلق، ما دام العراق يمتلك احتياطيات دولارية تسمح له بتسديد الرواتب بصورة طبيعية.
ولفت إلى أنه في ظل نموذج مالي متسيب وغير منضبط كهذا، لا تكمن المشكلة في انخفاض أسعار النفط أو تراجع الصادرات وحدهما، بل في حكومات أنفقت بعبث ولسنوات وكأن الإيرادات ستبقى مرتفعة إلى الأبد.
في ظل نموذج مالي متسيب وغير منضبط كهذا، لا تكمن المشكلة في انخفاض أسعار النفط أو تراجع الصادرات وحدهما، بل في حكومات أنفقت بعبث ولسنوات وكأن الإيرادات ستبقى مرتفعة إلى الأبد. وفقا للهاشمي.
وشدد على أن الدولة التي تعجز عن حماية إيراداتها وتنظيم إنفاقها لن تنقذها الاحتياطيات إلى الأبد، ولن يبقى الموظف والمواطن قادرين على دفع ثمن الفساد وسوء الإدارة إلى ما لا نهاية.
في المقابل، قال الخبير الاقتصادي، ضياء المحسن: إن العراق يواجه أزمة سيولة مؤقتة ناجمة عن تزامن انخفاض التدفقات النقدية من صادرات النفط مع استمرار الالتزامات الشهرية الكبيرة للدولة، وفي مقدمتها الرواتب وشبكات الحماية الاجتماعية.
وأضاف المحسن، أن العراق يمتلك أحد أعلى مستويات الإنفاق الجاري في المنطقة، وإن أي تراجع مؤقت في الإيرادات النفطية ينعكس مباشرة على توفر السيولة. مبينا أن غياب الموازنة العامة حدّ من قدرة وزارة المالية على إدارة النقد والمناقلات المالية.
ورأى الخبير أن مشروع قانون الإدارة المالية المؤقت قد يوفر إطارا قانونيا لاستمرار الإنفاق وتنظيم الاقتراض، لكنه لا يمثل بديلا دائما عن الموازنة العامة، داعياً إلى العودة لانتظام إقرار الموازنات وتعزيز الرقابة على الإنفاق، وفقا لما نقلته صحيفة "المدى" العراقية في 31 يوليو.

"خيارات صعبة"
وعلى الصعيد ذاته، قال الباحث العراقي، حامد العبيدي: إن "الأزمة المالية الحالية وتعسر دفع رواتب الموظفين تتحملها حكومات ما بعد 2003؛ وذلك لأنها لم توفر بدائل عن مضيق هرمز لتصدير النفط العراقي، إضافة إلى أنها لم تجد بدائل عن النفط لتحقيق إيرادات.
وأوضح العبيدي في حديث لـ"الاستقلال" أن أزمة هرمز إذا لم يجرَ حلها، فإن الأزمة المالية وتأخر رواتب الموظفين يصبح أمرا ملازما للحكومة الحالية ربما إلى عام كامل، بالتالي هي مطالبة بالإسراع في إيجاد بدائل من أجل تصدير النفط العراقي الذي يشكل 95 بالمئة من إيرادات الدولة، وأن 90 بالمئة منه يصدّر عبر هرمز.
وتوصل إلى أن خيارات الحكومة في دفع رواتب الموظفين، ربما تكون تغيير سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الدينار العراقي، وهذا ما يجري طرحه حاليا من خبراء اقتصاديين، لكن المشكلة أن الحكومة لا تمتلك إيرادات نفطية حتى تبيعها للبنك المركزي العراقي وتحصل على العملة المحلية.
ويبلغ سعر الرسمي للدولار الأميركي الواحد 1320 دينارا عراقيا، لكنه في الأسواق المحلية، 1520 دينارا لكل دولار، فيما يجرى الحديث أن التغيير المتحمل قد يصل فيه سعر الدولار الرسمي إلى 1600 دينارا بالحد الأدنى.
لكن المحلل السياسي العراقي، كريم السيد، رأى عكس ذلك، بقوله خلال تدوينة نشرها على "إكس" في الأول من أغسطس، إن العراق لا يخنقه هرمز بل الفساد، وهذه هي الأزمة بوضوح.
ورأى السيد أن أزمة الرواتب ليست قدرا إقليميا، وليست ضغطا إيرانيا، ولا مؤامرة أميركية، بل نتيجة سنوات من التعيينات الزبائنية "الانتخابية"، تضخم فيها الإنفاق التشغيلي، ونهبت من خلالها الموازنات، وتعطل الاقتصاد المنتج، وتحولت الدولة إلى قاصة لتوزيع الغنائم لا لبناء الثروة.
ولفت إلى أن كل أزمة مالية تؤكد الحقيقة نفسها: بلد يمتلك ثروات، لكنه يعجز عن طمأنة موظفيه على رواتبهم. الكارثة ليست في انخفاض سعر النفط ولا حرب المنطقة، بل في نظام هدر موارد العراق على المحاصصة والامتيازات والصفقات، ثم ترك المواطن يدفع الثمن.
وختم السيد حديثه بالقول: من أوصل الدولة إلى مرحلة يصبح فيها راتب الموظف محل قلق كل شهر، لا يحق له أن يتحدث عن الإنجاز أو الإدارة أو تقديم الحلول، التاريخ لن يذكر كم نبيع من النفط، بل سيتذكر أن جيلا كاملا ورث بلدا نفطيا يجد نفسه يتساءل: هل من راتب هذا الشهر أم نستلم كرامة؟
المصادر
- السيولة الحالية لا تكفي.. وزير المالية يصدم العراقيين: نواجه مشكلة حقيقية في توفير الرواتب
- العراق دخل رسمياً مرحلة “العُسرة المالية”.. الفساد يلتهم الإيرادات قبل وصولها إلى الخزينة – خبير
- العراق يواجه أخطر أزمة سيولة منذ 2003 تعرقل تأمين رواتب الموظفين
- "ضائقة مالية لا إفلاس"..مستشار الحكومة: لا خوف على الرواتب والعراق يمتلك بدائل تمويلية
- أزمة السيولة تضغط على العراق.. هل تكفي الحلول لإنقاذ الرواتب؟
- إيرادات العراق تراجعت بأكثر من 40 مليار دولار جراء الحرب (مسؤول)

















