حسابات تنظيم "غولن" الإرهابي تكثف دعمها لرئيس "الحزب الجديد".. ما القصة؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

أعادت الانشقاقات الأخيرة التي شهدتها صفوف المعارضة التركية، ولا سيما عقب تأسيس "الحزب الجديد"، النقاش مجدداً حول دور تنظيم "فتح الله غولن" الإرهابي وتأثيره في الحياة السياسية التركية، وطبيعة علاقته بالقوى والأحزاب الفاعلة في المشهد السياسي.

وفي هذا السياق، نشرت صحيفة "حرييت" التركية مقالاً للكاتب التركي "نديم شينير"، تناول فيه هذه التطورات وانعكاساتها على الجدل المتجدد بشأن حضور تنظيم "غولن" الإرهابي في الساحة السياسية التركية.

وأشار الكاتب إلى أن التنظيم لا يمتلك حزباً سياسياً أو جناحاً سياسياً خاصاً به، وإنما يقوم نهجه على دعم الأحزاب والشخصيات التي يرى أنها قادرة على تحقيق مصالحه ومواجهة السلطة، بصرف النظر عن انتماءاتها أو توجهاتها السياسية.

حسابات مكثفة

ولفت الكاتب إلى أن هذا التوجه بدأ يتضح منذ عدة أشهر، عندما كثفت شخصيات وحسابات مرتبطة بتنظيم غولن دعمها لرئيس حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزيل. 

وذلك خلال الأزمة التي اندلعت داخل الحزب على خلفية الخلاف حول مؤتمر نوفمبر/تشرين الثاني 2023، والذي كان قد انتهى بقرار قضائي يقضي ببطلانه وعودة كمال كليتشدار أوغلو إلى رئاسة الحزب.

وأردف أن تصريحات كليتشدار أوغلو التي تحدث فيها عن وجود عناصر مرتبطة بتنظيم "غولن" متسلّلة إلى الحزب، فتحت الباب أمام مواجهة إعلامية وسياسية واسعة. 

فقد تحركت وسائل إعلام وشخصيات معارضة، بالإضافة إلى حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، كلّها مرتبطة بعناصر هاربة من التنظيم؛ وذلك للدفاع عن أوزغور أوزيل. حيث تمّ إطلاق حملات إلكترونية استهدفت كليتشدار أوغلو، أبرزها الوسم الذي وصفه بـ"كمال الخائن".

وأشار الكاتب إلى أن هذه الحملات لم تكن مجرد ردود فعل سياسية، بل جاءت ضمن محاولة لتوجيه الرأي العام نحو التشكيك في شرعية القرارات القضائية والمؤسسات المشرفة على العملية الانتخابية، وتصوير الخلاف داخل حزب الشعب الجمهوري على أنه تدخل من الحكومة وحزب العدالة والتنمية، من أجل تعميق الانقسام داخل أكبر أحزاب المعارضة وإضعافه من الداخل.

وأضاف أن شخصيات بارزة محسوبة على تنظيم "غولن" حاولت كذلك نقل النقاش بعيداً عن علاقة التنظيم بـ أوزغور أوزيل، وهذا عبر الإعلان عن لقاءات مع كمال كليتشدار أوغلو وإثارة سجالات سياسية وإعلامية جديدة، بشكلٍ يخدم إعادة توجيه الاهتمام الشعبي والإعلامي.

واستدرك الكاتب أنّ تأسيس "الحزب الجديد" في 24 يوليو/تموز شكّل تحولاً لافتاً في طريقة تعامل الشخصيات المحسوبة على تنظيم "غولن"، إذ انتقلت من تقديم الدعم غير المباشر إلى إعلان تأييدها للحزب بشكل واضح.

في هذا السياق، دعا جوهري غوفين، أحد المطلوبين المنتمين إلى التنظيم، إلى إغلاق صفحة حزب الشعب الجمهوري نهائياً، ورأى أنّ الحزب قد فَقَدَ مكانته، وأن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على بناء قوة سياسية جديدة قادرة على منافسة السلطة.

كما أعلن طارق توروس، الذي يُتهم بالانتماء إلى البنية السرية للتنظيم، أنّ "الحزب الجديد" أصبح يمثل المعارضة الرئيسة؛ حيث أشار إلى أنّ انتقال عشرات النواب إليه جرى وفق خطة منظمة، وأنّ تأسيس الحزب وانتقال كتلته البرلمانية تمّا بسلاسة.

بدوره أعلن إمري أوسلو، وهو أحد أبرز الأسماء المرتبطة بالتنظيم، دعمَه الصريح للحزب الجديد، وقد وضّح أن وجود قوة سياسية مدنية قادرة على منافسة الرئيس رجب طيب أردوغان مستقبلاً يستحق الدعم، حتى وإن كانت فرص الفوز في الانتخابات الحالية محدودة.

هذه المواقف تعكس انتقال الشخصيات المحسوبة على تنظيم "غولن" من الدعم غير المباشر إلى إعلان تأييدها الحزب الجديد بشكل علني. وهذا تطور يعكس تغيراً في أسلوب تحركها داخل المشهد السياسي التركي.

مسار العلاقة

وذكر الكاتب أن التنظيم وقف إلى جانب حزب الشعب الجمهوري بقيادة كمال كليتشدار أوغلو، وذلك منذ تصاعد الخلاف مع حكومة حزب العدالة والتنمية عقب أحداث 17 و25 ديسمبر/كانون الأول 2013، ثم بعد محاولة الانقلاب في 15 يوليو/تموز 2016، ثمّ استمر هذا الدعم خلال الانتخابات الرئاسية والعامة عام 2023.

غير أنّ عملية "التغيير" التي أطلقها أكرم إمام أوغلو داخل الحزب، بعد خسارة انتخابات 2023، أدت إلى انتقال هذا الدعم تدريجياً نحو أوزغور أوزيل، قبل أن يتحول لاحقاً إلى مساندة الحزب الجديد بعد تأسيسه.

وأكد الكاتب أن هذا الانتقال السريع يبرهن على أن التنظيم لا يرتبط بولاءات حزبية ثابتة، وإنما يتحرك وفق حسابات المصلحة، بحيث ينتقل إلى أي إطار سياسي يعتقد أنه الأكثر قدرة على تحقيق أهدافه أو التأثير في موازين القوى داخل تركيا.

ولفت الكاتب النظر إلى إحدى الركائز الأساسية لإستراتيجية تنظيم "فيتو"، والمتمثلة في "إذابة الأقلية داخل الأغلبية"؛ أي الاندماج داخل التجمعات السياسية والاجتماعية الكبرى، بالشكل الذي يتيح لأعضائه العمل دون لفت الانتباه، والاستفادة من الزخم الجماهيري الذي تحظى به تلك الكيانات.

من هذا المنطلق، فإن التنظيم لا يسعى إلى إنشاء حزب سياسي خاص به، بل يفضل التغلغل داخل الأحزاب القائمة، مستفيداً من قدرتها على الوصول إلى الجمهور والتأثير في المشهد السياسي.

في هذا الإطار، جاء إعلان شخصيات مرتبطة بالتنظيم دعمَها للحزب الجديد بشكل علني انطلاقاً من قناعة لديهم، وهي أنّ جزءاً من جمهور المعارضة لم يعد ينظر إلى هذا الدعم على أنه مصدر إحراج، بل يركز بشكل أكبر على توحيد الجهود في مواجهة السلطة.

ويبدو بأنّ هذا الدعم قد يمنح الحزب الجديد مكاسب إعلامية وسياسية، سواء من خلال الحملات الإلكترونية أو عبر شبكات الضغط في الولايات المتحدة وأوروبا، إلى جانب الاستفادة من الكتلة التصويتية المنسوبة للتنظيم، والتي تُقدَّر بنحو 400 ألف صوت.

في المقابل، يسعى التنظيم عبر هذا الدعم العلني إلى إيصال رسالة مفادها أنه حاضر في المعادلة السياسية الجديدة، وأنه يتوقع من الحزب مراعاة مصالحه ومواقفه، إضافة إلى توجيه القاعدة التصويتية التي كانت تدعم حزب الشعب الجمهوري نحو الحزب الوليد.

وأشار الكاتب إلى أن الإستراتيجية التي يتبعها تنظيم "غولن" منذ عام 2010 لم تتغير؛ إذ تقوم على دعم الطرف السياسي الذي يمتلك فرصاً أكبر في مواجهة حزب العدالة والتنمية، سواء في الانتخابات المحلية أو العامة، مع تغيير الحليف كلما تغيرت موازين القوى داخل المعارضة.

انطلاقاً من هذا التصور، فإن الحديث عن وجود جناح سياسي خاص بتنظيم "غولن" لا يعكس حقيقة آلية عمله؛ إذ إن التنظيم لا يحتاج إلى تأسيس حزب يمثلّه، بقدر ما يعتمد على توظيف الأحزاب والسياسيين الذين يعتقد أنهم قادرون على خدمة أجندته، وبهذا نبقى المصالح هي العامل الحاسم في تحديد تحالفاته وتحركاته داخل الساحة السياسية التركية.