من التهدئة إلى التصعيد.. هل تغيرت حسابات الرياض في اليمن؟

يوسف العلي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

بعد أكثر من ثلاث سنوات من التهدئة، عادت التساؤلات مجدداً حول ما إذا كانت السعودية تقترب من استئناف تدخلها العسكري في اليمن، لكن هذه المرة في ظل ظروف إقليمية أكثر تعقيداً، تجعل أي قرار بالعودة إلى الحرب مختلفاً تماماً عن مرحلة التدخل الأولى عقب الانقلاب الحوثي عام 2015.

وتغذي هذه التساؤلات تقارير غربية تحدثت عن استعدادات سعودية لعملية عسكرية واسعة ضد جماعة الحوثي، بالتزامن مع تصاعد الهجمات على الأراضي السعودية وتهديد الملاحة في البحر الأحمر، وسط مخاوف من أن تجد الرياض نفسها مضطرة إلى خوض مواجهة سعت إلى تجنبها طوال السنوات الماضية.

مؤشرات التصعيد

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة "الغارديان" عن مصادر سعودية، لم تسمها، أن المملكة تستعد لعملية برية في وسط اليمن، تتزامن مع تحرك بحري يستهدف مواقع الحوثيين، فيما قد يمثل أكبر تحول في السياسة السعودية منذ اتفاق وقف إطلاق النار عام 2022.

وبحسب تقرير الصحيفة الصادر في 31 يوليو/تموز 2026، فإن الهدف يتمثل في إنهاء الضغوط التي يفرضها الحوثيون على الموانئ السعودية، فيما رُصدت تحركات للقوات السعودية وإعادة انتشار في بعض المناطق شرقي اليمن، عُدت مؤشرات على الاستعداد لمرحلة عسكرية جديدة.

وأشارت الصحيفة إلى أن الرياض تعمل، بالتوازي، على تشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات لتأمين الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد تصاعد الهجمات الحوثية على السفن المرتبطة بالمملكة.

وفي 30 يوليو/تموز، أعلنت وزارة الدفاع السعودية أن 14 دولة، بينها تركيا وباكستان ومصر والسودان وجيبوتي، أصدرت بياناً مشتركاً يؤيد إنشاء هذا التحالف البحري.

كما دعت المملكة، في بيان صادر عن وزارة الدفاع، الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا إلى المشاركة في الجهود الرامية إلى حماية الملاحة في البحر الأحمر.

وتزامنت هذه المعطيات مع تقارير تحدثت عن حشود متبادلة بين الحوثيين والقوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية، فضلاً عن عودة الغارات الجوية السعودية على مواقع الجماعة للمرة الأولى منذ سنوات.

وقبل ذلك بيوم، رسمت شبكة "سي إن إن" صورة مختلفة للمشهد، مقدرة أن السعودية أمضت الأشهر الماضية وهي تحاول تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية، مع الحفاظ على قنوات التواصل مع إيران، رغم تعرض منشآتها النفطية لهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ.

لكن الشبكة الأميركية رأت أن المعادلة تغيرت؛ إذ باتت المملكة تواجه تهديدات متزامنة من ثلاث جبهات: إيران بصورة مباشرة، والمليشيات الموالية لها في العراق، وجماعة الحوثي في اليمن.

وتحدث التقرير عن هجمات صاروخية وطائرات مسيرة استهدفت السعودية يومي 27 و28 يوليو/تموز، إضافة إلى تهديدات إيرانية متكررة، ما جعل سياسة ضبط النفس أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

ورغم مشاركة الطيران السعودي إلى جانب الولايات المتحدة في ضربات استهدفت مواقع داخل العراق في 29 يوليو/تموز، حذر التقرير من أن الانخراط في حرب إقليمية شاملة قد يقوض أولويات المملكة الاقتصادية، القائمة على جذب الاستثمارات وتنفيذ مشاريع "رؤية 2030".

تدخل حتمي

في ضوء هذه المعطيات، رأى مراقبون أن السعودية لم تعد تنظر إلى الحوثيين بصفتهم أزمة يمنية فحسب، بل بوصفهم جزءاً من شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة، لا سيما بعد التحولات التي شهدها الإقليم منذ اندلاع الحرب الأميركية على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي.

وفي هذا السياق، رأى المحلل السياسي اليمني عبد الباقي شمسان أن جميع المؤشرات الإقليمية والعسكرية توحي باقتراب معركة تهدف إلى إنهاء سيطرة الحوثيين في اليمن، لكنه استبعد أن تكون مواجهة مباشرة بين السعودية والجماعة.

وقال شمسان لـ"الاستقلال": إن الرياض سعت خلال السنوات الماضية إلى عزل الملف اليمني عن الصراع الإقليمي، إلا أن التطورات الأخيرة أكدت ارتباط الحوثيين بالإستراتيجية الإيرانية في المنطقة، وأن قراراتهم العسكرية والسياسية باتت مرتبطة بمسار المواجهة بين طهران وخصومها.

وأضاف أن الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، إلى جانب المتغيرات التي شهدها لبنان، أعادت تشكيل موازين القوى في المنطقة، ومنحت الحوثيين دوراً أكبر بوصفهم أحد أبرز أذرع إيران ومصدر تهديد متزايد للملاحة الدولية.

ورأى أن دول الخليج تجنبت الانخراط المباشر في المواجهة لتفادي تداعياتها على الملاحة في البحر الأحمر ومضيقي هرمز وباب المندب، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن السعودية تتجه إلى دعم عملية عسكرية تقودها الحكومة الشرعية اليمنية وقواتها، مع توفير الإسناد اللوجستي والسياسي ضمن إطار التحالف الداعم للشرعية.

وأشار إلى أن هذا النهج يخفف من الضغوط والانتقادات الدولية المتعلقة بملف حقوق الإنسان؛ لأنه يجعل المواجهة بين الحكومة الشرعية والحوثيين، فيما يقتصر دور الرياض على تقديم الدعم، بالتوازي مع تحرك دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر.

وبناءً على ذلك، رجح الخبير اليمني أن تشهد اليمن معركة واسعة خلال الفترة المقبلة، لكن بأيدٍ يمنية وبدعم سعودي، وليس عبر حرب مباشرة بين المملكة وجماعة الحوثي.

ورغم تصاعد المؤشرات العسكرية، فإن قرار الانخراط في مواجهة واسعة لا يزال محكوماً بحسابات سياسية وإقليمية معقدة؛ إذ تحاول الرياض الموازنة بين حاجتها إلى وقف الهجمات الحوثية، وبين تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية أوسع.

ومع استمرار استهداف الأراضي السعودية وتهديد الملاحة في البحر الأحمر، قد يتقلص هامش المناورة تدريجياً، بما يدفع المملكة إلى تبني خيار سعت إلى تجنبه لسنوات، يتمثل في دعم عملية عسكرية واسعة تقودها القوات الحكومية اليمنية.

وفي هذا السياق، رأى شمسان أن المملكة ستحرص على ألا تتحول المواجهة إلى حرب سعودية مباشرة، بل إلى معركة تقودها القوات الحكومية اليمنية بدعم من التحالف، وهو ما يبعد عنها أيضاً الاتهامات المتعلقة بارتكاب انتهاكات أو تحمل تبعات إنسانية وسياسية مباشرة.

ضوء أخضر

ولم يكن الحديث عن استعدادات السعودية بعيداً عن الموقف الأميركي؛ إذ كشف تقرير نشره موقع "أكسيوس" أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب منح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الضوء الأخضر لشن عملية عسكرية ضد الحوثيين.

وأضاف التقرير، الذي نشره الموقع في 13 يوليو/تموز، أن قرار ترامب جاء استجابة لطلب سعودي بالحصول على دعم واشنطن تحسباً لتوسع الصراع، في ظل إدراك الرياض أن أي مواجهة جديدة قد تتطلب إسناداً عسكرياً ودبلوماسياً أميركياً.

ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة حملتها العسكرية ضد أهداف إيرانية، وهو ما يفرض معادلة إقليمية جديدة قد توفر للرياض فرصة لإعادة فتح الخيار العسكري بهدف تغيير موازين الصراع في اليمن بعد أكثر من عقد من الحرب.

وفي هذا الإطار، كثفت الحكومة الشرعية اليمنية إجراءاتها العسكرية والسياسية عقب أزمة الطائرة الإيرانية؛ إذ أعلن مجلس القيادة الرئاسي رفع أعلى درجات الجاهزية، واتخاذ التدابير العسكرية والسياسية والدبلوماسية اللازمة لحماية السيادة اليمنية، مع التأكيد على منع أي رحلات أو طائرات أجنبية إلى المطارات اليمنية من دون موافقة الحكومة.

وفي 13 يوليو/تموز 2026، أعلنت وزارة الدفاع اليمنية استهداف مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، فيما ذكرت وكالة "فارس" الإيرانية أن طائرة تابعة لشركة "ماهان" كانت تقل وفد الحوثيين العائد من إيران، توجهت إلى مطار الحديدة غربي اليمن بعد استهداف مطار صنعاء.

وبعد أكثر من عقد على إطلاق عملية "عاصفة الحزم" في 26 مارس/آذار 2015، بهدف استعادة الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب الحوثي، تبدو حصيلة التدخل السعودي بعيدة عن الأهداف التي أعلنتها الرياض عند بداية الحرب.

فاليمن الذي دخلته المملكة رغم سيطرة الحوثيين على صنعاء، كان لا يزال يحتفظ بمؤسسات دولة موحدة، وعلم واحد، وجيش واحد، وبنك مركزي واحد، بينما أفرزت سنوات الحرب واقعاً أكثر تعقيداً، اتسم بتعدد مراكز النفوذ، وانقسام المؤسسات، وظهور سلطات أمر واقع في مناطق مختلفة.

وخلال سنوات الصراع، رسخ الحوثيون سيطرتهم على معظم مناطق الشمال، وعززوا قدراتهم العسكرية بدعم إيراني، فيما فرض المجلس الانتقالي الجنوبي نفوذه على أجزاء واسعة من الجنوب، رافعاً مشروع الانفصال.

كما برزت قوات طارق صالح في الساحل الغربي بوصفها قوة عسكرية ذات نفوذ مستقل، وأقرب إلى دائرة التأثير الإماراتي، وهو ما أضعف موقع الحكومة الشرعية، وأنتج خريطة نفوذ تتجاوز الأهداف التي أعلنها التحالف عند انطلاق عملياته.

وفي المقابل، لم تحقق الرياض رهاناتها على القوى المحلية التي دعمتها؛ إذ تحول المجلس الانتقالي الجنوبي إلى قوة تتبنى مشروعاً يتعارض مع هدف الحفاظ على وحدة اليمن، بينما أصبح الحوثيون التهديد الأمني الأبرز للمملكة، مع تنامي ترسانتهم العسكرية واتساع النفوذ الإيراني على حدودها الجنوبية، الأمر الذي وضع السياسة السعودية أمام تحديات أكثر تعقيداً مما كانت عليه عند بدء الحرب.

حسابات سعودية

وفي ضوء هذه المتغيرات، تبدو السعودية أمام مراجعة شاملة لمقاربتها للملف اليمني، بعد تعثر مسارات التسوية السياسية، ورفض الحوثيين مبادرات السلام، واستمرار ارتباطهم الوثيق بإيران، وهو ما يدفع الرياض إلى البحث عن خيارات جديدة لاستعادة زمام المبادرة، والحد من النفوذ الإيراني، وإعادة بناء توازنات سياسية وعسكرية أكثر انسجاماً مع مصالحها الأمنية والإستراتيجية.

ومع ذلك، فإن أي تحرك عسكري جديد لن يكون تكراراً لتجربة عام 2015؛ إذ تختلف البيئة السياسية والعسكرية في اليمن بصورة جوهرية عما كانت عليه قبل أكثر من عقد. فاليوم، تواجه المملكة واقعاً يمنياً بالغ التعقيد، تتوزع فيه مراكز القوة بين الحوثيين، والحكومة الشرعية، والمجلس الانتقالي الجنوبي، وقوات طارق صالح، إلى جانب تشابك المصالح الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة.

كما أن الحسابات السعودية لم تعد تقتصر على استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، وإنما باتت ترتبط أيضاً بأولويات الأمن القومي، وحماية الحدود الجنوبية، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، ومنع إيران من ترسيخ نفوذها عبر الحوثيين على مقربة من الأراضي السعودية.

وفي المقابل، تدرك الرياض أن العودة إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تحمل كلفة سياسية واقتصادية مرتفعة، في وقت تواصل فيه تنفيذ مشاريعها التنموية ضمن "رؤية 2030"، وتسعى إلى ترسيخ صورتها بصفتها مركزاً إقليمياً للاستثمار والسياحة والأعمال، وهو ما يجعل خيار الحرب المباشرة أقل جاذبية مما كان عليه في السابق.

لذلك، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً، وفق المؤشرات الحالية، يتمثل في دعم عملية عسكرية تقودها القوات الحكومية اليمنية، مع توفير الغطاء السياسي والإسناد اللوجستي والاستخباراتي من جانب السعودية وشركائها، بدلاً من انخراط المملكة بصورة مباشرة في العمليات القتالية.

وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن الهدف لن يقتصر على إضعاف القدرات العسكرية للحوثيين، وإنما سيشمل أيضاً إعادة رسم موازين القوى داخل اليمن، وتقليص النفوذ الإيراني، وتأمين خطوط الملاحة الدولية، وهي أهداف باتت تتداخل بصورة متزايدة مع حسابات الأمن الإقليمي.

وفي المحصلة، تقف السعودية أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فاستمرار الهجمات الحوثية على أراضيها وتهديد الملاحة الدولية يقلص تدريجياً هامش المناورة السياسية، في حين أن الانخراط في حرب جديدة يحمل مخاطر قد تتجاوز حدود اليمن إلى الإقليم بأسره.

وبين هذين الخيارين، تبدو المملكة أقرب إلى تبني مقاربة تقوم على دعم حلفائها اليمنيين لقيادة أي مواجهة مقبلة، مع تجنب العودة إلى نموذج التدخل العسكري المباشر الذي طبع السنوات الأولى من الحرب، في محاولة لتحقيق أهدافها الأمنية والإستراتيجية بأقل قدر ممكن من الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية.