العدالة بـ"باقات الشحن".. جدل في مصر بشأن فرض رسوم للتقاضي

"تتطلب المنظومة، بحسب المحامين، شحن رصيد مسبق، على غرار عدادات الكهرباء والمياه"
مع اقتراب استعداد المحاكم المصرية لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد في أكتوبر/تشرين الأول 2026، وإطلاق وزارة العدل منصة رقمية جديدة ضمن منظومة التقاضي عن بعد، اتهم محامون مصريون السلطة بفرض رسوم تقاضٍ جزافية، محذرين من تداعيات ما وصفوه بـ"تسليع القضاء".
وأكدت الحكومة المصرية أن إطلاق منصة خدمات المحامين الرقمية وفتح باب التسجيل فيها يأتي تمهيدا لتفعيل خدمات التقاضي الجنائي عن بعد، بوصفها جزءا من تطبيق أحكام قانون الإجراءات الجنائية الجديد.
لكن محامين قالوا إنهم فوجئوا بوجود ما يشبه "قائمة أسعار" للتقاضي، تشبه باقات الهواتف المحمولة للحصول على الخدمات الأساسية المرتبطة بحق التقاضي.
وأوضح محامون حاولوا التسجيل عبر المنصة أنها تشترط سداد رسوم اشتراك سنوي للمحامي، إلى جانب رسوم حضور لكل جلسة على حدة، في القضايا الجنائية عن بعد، فضلا عن رسوم لحضور جلسات تجديد الحبس.
وأضافوا أن هناك رسوما أخرى مقابل تصوير الورقة الواحدة من ملفات القضايا الجنائية، التي يبلغ متوسط عدد صفحاتها نحو 500 ورقة، ما يجعل تكلفة التصوير تصل إلى قرابة 5000 جنيه مصري (الدولار = 51 جنيها)، فضلا عن دفع 2500 جنيه مقابل تلقي رسائل نصية لمتابعة قرارات الجلسات فور صدورها.
وتتطلب المنظومة، بحسب المحامين، شحن رصيد مسبق، على غرار عدادات الكهرباء والمياه، تُخصم منه قيمة الخدمات المختلفة، سواء حضور الجلسات أو تجديد الحبس أو طلب تصوير الملفات، وهو ما عدوه إجراء غير قانوني.
وبينما عد محامون الرسوم الجديدة، وطريقة فرضها، وتأثيرها المحتمل على الوصول إلى العدالة، عبئا إضافيا على المحامين وحق المواطنين في التقاضي، رأى حقوقيون أنها تتجاوز ذلك لتصل إلى ما وصفوه بـ"تسليع القضاء".

ماذا حدث؟
في 8 سبتمبر/أيلول 2026، أطلقت وزارة العدل المصرية منصة للتقاضي الجنائي عن بُعد، وقالت: إن الخطوة تأتي استعدادا لدخول قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 حيز التنفيذ مطلع أكتوبر 2026.
وتتيح المنصة للمحامين عددا من الخدمات، من بينها حضور جلسات الجنايات عن بُعد، وتجديد الحبس، والاطلاع على ملفات القضايا، ومتابعة القرارات، إلى جانب خدمات تقاضٍ أخرى مثل طباعة الأوراق والحصول على نسخ من المحاضر وغيرها.
لكن محامين قالوا إنهم فوجئوا بارتفاع رسوم التقاضي الإلكتروني عن بُعد، إذ نقلت صحيفة “الشروق” في 9 سبتمبر، تحديد رسوم شملت 500 جنيه للاشتراك السنوي، و500 جنيه لحضور جلسة جنايات عن بُعد، و100 جنيه لحضور جلسة تجديد الحبس، و10 جنيهات لتصوير الصفحة الواحدة من ملف القضية، و5 جنيهات للرسالة الخاصة بتحديثات القرارات، مع إتاحة باقة رسائل بقيمة 2500 جنيه.
ودافعت وزارة العدل عن النظام الجديد، موضحة أن استخدام خدمات الحضور عن بُعد اختياري، وأن الاستعلام عن مواعيد الجلسات متاح مجانا، فيما تبقى الإجراءات التقليدية متاحة للراغبين في استخدامها.
ولتحصيل هذه الرسوم، وقعت وزارة العدل المصرية في 23 يونيو/حزيران 2026، بناء على طلب من رئيس النظام عبد الفتاح السيسي، ثلاثة بروتوكولات تعاون مع بنك مصر، وشركة تكنولوجيا تشغيل المنشآت المالية "إي فاينانس"، وشركة "بي بلس" للمدفوعات الإلكترونية، وشركة دلتا مصر للمدفوعات "سهل".
وتهدف البروتوكولات، بحسب موقع "الهيئة العامة للاستعلامات" التابعة للرئاسة، إلى رقمنة الخدمات القضائية، والتوسع في تفعيل منظومة الدفع والتحصيل الإلكتروني.
كما جرى تحديد آليات لتحصيل الرسوم عبر البطاقات البنكية، والمنصات الرقمية، ومنصات وشركات التحصيل الإلكتروني، وتطبيقات الهواتف المحمولة، ونقاط البيع الحكومية المتوفرة بالمحاكم، إضافة إلى السداد المباشر مع إمكانية التقسيط.
رسوم باهظة
في ظل توجه عام للسلطات المصرية، له صلة بالأوضاع الاقتصادية، ورفع حصيلة الموارد من الخدمات والضرائب المقدمة للشعب، يقوم على فرض رسوم مبالغ فيها للخدمات عموما، مثل استخراج أوراق رسمية أو رخص بناء أو مرور وغيره، نالت هذه الرسوم الخدمات القضائية.
أثارت الرسوم المُبالغ فيها التي حددتها وزارة العدل المصرية لبعض خدمات منصة التقاضي الجنائي عن بُعد جدلًا قانونيًا ومهنيًا حول حدود تحميل المتقاضين والمحامين تكلفة الخدمات القضائية، وذهب منتقدون إلى استخدام تعبير "تسليع القضاء" لوصف هذا الاتجاه.
محامون أبلغوا "الاستقلال" أن القضية لا تتعلق بوجود رسوم قضائية، فهو أمر معمول به تاريخيًا في مصر ودول أخرى، ولكن تتعلق بالمبالغة فيها بما يؤدي لتحويل الوصول إلى العدالة إلى "خدمة تُشترى" وفق القدرة على الدفع.
وأكدوا أن كثيرا من المتقاضين، خاصة أسر الفقراء والمعتقلين الذين لا مورد رزق لهم بعد اعتقال عائل الأسرة والأبناء أكثر من 10 سنوات، لا يملكون المال لدفع أجرة التقاضي أصلا.
محام، فضل عدم ذكر اسمه، أوضح أن بعض المحامين يتطوعون للدفاع عن ذوي المعتقلين مجانا، خاصة العاملين في منظمات حقوقية، لكن فرض رسوم تقاض ضخمة تُصعب هذه المهمة.
وأوضح أن المحامين "سيدفعون بذلك من جيوبهم، أو أن الأسر ستعزف عن التقاضي واللجوء للدفاع عن حقوقهم، ما يشكل عوارا قانونيا كبيرا ويحرمهم من حقهم في التقاضي لأنه أصبح "سلعة" لا يقدرون على دفع ثمنها، بينما هو حق فطري ودستوري".
محام آخر يعمل عن بعد وفق هذا النظام، قدر تكاليف الرسوم التي قد يتحملها المحامي في قضية جنائية واحدة بقرابة 5000 جنيه مصري (قرابة 100 دولار)، سوف يتحملها المواطن الذي يطلب التقاضي بخلاف أتعاب القضية.
وأوضح أن التكلفة النهائية تتغير حسب عدد الجلسات، وتجديدات الحبس، وعدد الأوراق التي يحتاجها المحامي، وهل يشتري باقة الرسائل أم يدفع لكل رسالة؟
رصد أن الرسوم المنشورة على منصة التقاضي، تتضمن 500 جنيه اشتراكا سنويا، و500 جنيه لحضور جلسة الجنايات عن بُعد، و100 جنيه لجلسة تجديد الحبس، و10 جنيهات للورقة المصورة، و5 جنيهات للرسالة، أو 2500 جنيه لباقة 500 رسالة.
ولو تم حساب تكلفة قضية بها 5 جلسات فقط، وفق قوله، وافترضنا قضية جنايات ستجري فيها 5 جلسات عن بُعد، سيدفع المحامي (المواطن) الاشتراك السنوي 500 جنيه، أي 5 جلسات × 500 = 2500 جنيه

بخلاف جلستي تجديد حبس × 100 = 200 جنيه، وتصوير 30 صفحة × 10 = 300 جنيه، و20 رسالة × 5 = 100 جنيه، أي بإجمالي = 3600 جنيه، وقد تزيد إلى 5000 ألاف أو أكثر لو طالت القضية لعدة جلسات بخلاف إكراميات لحاجب المحكمة وغيرها من المصاريف، لتبلغ التكلفة قرابة 100 دولار رسوما فقط.
ودفع هذا محامين وحقوقيين لعدّ الخدمات الرقمية ليست مجرد خدمات اختيارية، خصوصا عندما تتصل مباشرة بممارسة المحامي لحق الدفاع، وإنما إجبارية وبرسوم وإلا فلا تقاضي.
وحذروا، من أن تحويل مرفق القضاء إلى "خدمة استثمارية" سيُحمل المواطنين والبسطاء أعباءً مالية باهظة تُعطل وصولهم للعدالة، وقد تدفعهم للتخلي عن حقوقهم أو اللجوء للأساليب البدائية كالجلسات العرفية، وفق موقع “المنصة” في 8 سبتمبر.
فيما جزم أمين عام نقابة المحامين محمود الداخلي بـ"عدم دستورية" هذه الرسوم لكونها أُقرت بقرارات إدارية لا بقانون، وشكك آخرون في جاهزية البنية التحتية وشبكات الإنترنت بالمحاكم للتعامل مع المنظومة، مؤكدين أن الأزمات التقنية المتكررة باتت تُعطل الفصل في القضايا وتُهدر وقت المتقاضين.
وفي المقابل، يقول مسؤولون بوزارة العدل إن المنصة تهدف إلى تقليل الوقت والانتقال والتكلفة، إذ إن بعض الرسوم مرتبطة بخدمات فعلية تقدم إلكترونيا.
وقال رئيس المكتب الفني لوزير العدل: إن الحضور عن بُعد قد يوفر على المحامي تكلفة الانتقال إلى محافظة أخرى، وإن بعض الخدمات الرقمية متاحة مقابل قيمة مالية مماثلة للخدمة الورقية.
وتنص المادة 97 من الدستور المصري على أن "التقاضي حق مصون ومكفول للكافة"، وتلزم الدولة بتقريب جهات التقاضي والعمل على سرعة الفصل في القضايا.
كما تنص المادة 98 على كفالة حق الدفاع، وعلى أن يضمن القانون لغير القادرين ماليًا وسائل الالتجاء إلى القضاء والدفاع عن حقوقهم.
وهذا يعني أن وجود رسوم تشكل أعباء مالية مقيدة أو معطلة لأصل الحق في الوصول إلى القضاء أو الدفاع غير قانوني.
وهذا المبدأ ظهر بوضوح في أحكام المحكمة الدستورية العليا. ففي حكم لها بشأن قانون الرسوم القضائية، أكدت أن تنظيم حق التقاضي لا يجوز أن يضع أعباء مالية أو إجرائية تقيد أو تعطل أصل الحق، أو تجعل التقاضي مخاطرة مالية غير مبررة.
وسبق في عام 2025 أن طعن محامون أيضا أمام القضاء الإداري على زيادات في رسوم خدمات بمحكمة استئناف القاهرة شملت 33 خدمة قضائية، بينها تسجيل صحف الدعاوى وبعض إجراءات الاستئناف والحصول على صور الأحكام والمستندات.
وذكر "المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، في بيان حينئذ، مطلع يونيو 2025، أن هذه الرسوم أصبحت، وفق وجهة نظره، شرطًا لبعض الإجراءات، وعد ذلك قيدًا على الوصول إلى العدالة.
كما أشارت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى حكم سابق للمحكمة الإدارية العليا ألغى رسوما فرضت على خدمات آلية بمحكمة استئناف الإسماعيلية، على أساس مبدأ قانونية فرض الرسوم، بحسب عرض المبادرة للحكم.

دعوى ضد الرسوم
ودفعت القرارات الجديدة عدداً من المحامين، بينهم خالد علي، لإقامة دعوى قضائية ضد وزارة العدل أمام القضاء الإداري، يوم 9 سبتمبر، وقالوا إن فرض رسوم إلزامية على بعض الخدمات دون سند تشريعي يمثل قيدا على حق التقاضي والدفاع.
وقال مقيمو الدعوى: إن هذه المبالغ تمثل رسوماً جديدة وإضافية وإجبارية، يتم استيفاؤها من كل من يمارس مهنته من خلال منظومة التقاضي عن بُعد، بموجب قانون الإجراءات الجنائية الجديد المقرر بدء سريانه مطلع أكتوبر/ تشرين الأول 2026.
وأضاف مقيمو الدعوى أن الاعتراض لا يتعلق فقط بقيمة الرسوم، وإنما بمبدأ فرضها بغير سند تشريعي، مشيرين إلى أنه في ظل غياب الضابط القانوني الذي يحدد معيار هذه الرسوم والجهة المختصة بفرضها وضمانات حقوق المتهم والدفاع، لا يوجد ما يمنع من زيادتها مستقبلًا دون حدود.
كما استندت الدعوى إلى ما استقر عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا من أن الحق في التقاضي يقتضي تمكين كل متقاضٍ من النفاذ إلى القضاء نفاذًا ميسرًا لا تثقله أعباء مالية ولا تحول دونه عوائق إجرائية، وأن حق الدفاع لا ينفصل عن حق التقاضي، بوصفهما حقين متكاملين في ضمان الوصول إلى العدالة.
وأشارت الدعوى كذلك إلى المادة 38 من الدستور، التي تنص على أنه لا يجوز تكليف أحد أداء غير ذلك من الضرائب، أو الرسوم، إلا في حدود القانون.
وقال المحامي خالد علي: إن الدعوى تطالب بإلغاء القرار محل الطعن وما يترتب عليه من آثار، مؤكدا أن الرسوم المفروضة على استخدام المنصة تخالف أحكام الدستور، وتمثل غصبًا لسلطة المشرع، بتقدير أن فرض الرسوم لا يكون إلا في حدود القانون.
وأوضح "علي"، عبر حسابه على فيس بوك، أن الرسوم المعلنة تمثل أعباء مالية إضافية وإجبارية على المحامين، والدخول إلى المنصة ليس أمرا اختياريا، وإنما أصبح سبيلا لممارسة المحامي مهنته والدفاع عن موكليه في حالات التحقيق أو تجديد الحبس أو المحاكمة عن بُعد.
وأكد أن فرض مقابل مالي إجباري نظير استخدام خدمات التقاضي عن بُعد، دون صدور قانون يقرر هذه الرسوم ويحدد ضوابطها، يمثل قيدًا على الحق في التقاضي وحق الدفاع، ويحمّل المحامين والمتقاضين أعباء مالية إضافية.
وأشار إلى أن الدعوى استندت إلى نصوص الدستور المتعلقة بالحق في التقاضي وحق الدفاع، لا سيما المادتين 97 و98، فضلًا عن المادة 38 التي تنص على عدم جواز تكليف أي شخص بأداء الضرائب أو الرسوم إلا في حدود القانون.
كما أكد أن الدعوى استندت إلى أحكام سابقة للمحكمة الدستورية العليا والمحكمة الإدارية العليا، مؤكدًا أن فرض الرسوم القضائية يجب أن يتم بالأداة التشريعية المقررة دستوريًا، وليس بقرار إداري صادر عن وزارة العدل.
ووفقاً لما ورد في الدعوى، فإن تحديد هذه الرسوم وفرضها بقرار من وزارة العدل يمثل غصباً لسلطة المشرع، بتقدير أن إنشاء الرسوم وفرض الأعباء المالية العامة يجب أن يتما وفق الأداة التشريعية التي حددها الدستور.
وقالت الدعوى: إن الرسوم محل الطعن تمثل عائقاً أمام المدعين والمتقاضين وعبئاً مالياً إضافياً عليهم، إلى جانب الأعباء المالية الأخرى.
تسليع القضاء
فتح توسيع الرسوم على الخدمات القضائية نقاشا حول حدود تحويل العدالة إلى خدمة مدفوعة، ومدى توافق ذلك مع الحق الدستوري في التقاضي، لأن هذه الرسوم الباهظة بمثابة "تسليع للقضاء".
ويُقصد بـ "تسليع القضاء" وصف تحويل العدالة أو إجراءات التقاضي إلى سلعة يمكن الحصول عليها أو التأثير فيها مقابل المال أو منفعة مادية.
أي اتهام منظومة القضاء المصرية أو السلطة ممثلة في وزارة العدل بجعل المال أو المصالح التجارية تؤثر في الأحكام أو الوصول إلى العدالة.
وأصدرت "مؤسسة دعم العدالة" في "المركز العربي لاستقلال القضاء"، ورقة قانونية، يوم 11 سبتمبر، بعنوان "تسليع العدالة… انتهاك الحق في الوصول للعدالة"، تناولت القواعد الدستورية والقانونية للرسوم القضائية.
واستعرضت الورقة أمثلة من الزيادات غير المشروعة للرسوم القضائية منذ 2018 والتي فرضت بقرارات إدارية من رؤساء المحاكم ورؤساء النيابات بالمخالفة للدستور والقانون والتي تنتهك حق المواطنين في الوصول للعدالة والإنصاف.
وانتهت الورقة إلى ضرورة إلغاء تلك الرسوم، وطلبت أن تقوم نقابة المحامين بمواجهة الزيادة غير القانونية للرسوم القضائية والدفاع عن حق المواطنين في التقاضي بلا تمييز، خاصة الفقراء غير القادرين على سداد تلك الرسوم المبالغ فيها.
أيضا تقدم بسام الصواف، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بسؤال برلماني موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير العدل بشأن رسوم التقاضي عن بُعد وأثرها على الحق في التقاضي والدفاع.
وقال في سؤاله: "شهدت منظومة العدالة خلال الفترة الأخيرة توسعاً متزايداً في فرض الرسوم والمقابلات المالية المرتبطة بإجراءات التقاضي واستخراج المستندات والصور وتنفيذ الأحكام، وصولاً إلى استحداث رسوم جديدة على خدمات التقاضي عن بُعد".
أضاف أن "هذا يثير تساؤلات جوهرية حول الحدود القانونية والدستورية لفرض هذه الأعباء، ومدى تأثيرها على قدرة المواطن على الوصول إلى القضاء ومباشرة حقوقه والدفاع عنها".
قال: "أصبحت تكلفة الدعوى الواحدة، من بدايتها وحتى تنفيذ الحكم، قد تصل إلى آلاف الجنيهات، بخلاف أتعاب المحاماة والانتقالات".
واستغرب أن تصل تكلفة تصوير الورقة الرسمية في بعض الملفات الجنائية إلى 40 جنيهاً للورقة الأولى و35 جنيهاً لما يليها، بما يعني أن تصوير ملف مكون من ألف ورقة قد يتجاوز 35 ألف جنيه" (قرابة 650 دولارا)، يدفعها المواطن الراغب في العدالة في نهاية الأمر.
ووصف خطورة هذه الرسوم بأنها ستحول العدالة إلى "سلعة"، مع أنها ليست خدمة رفاهية، والتقاضي ليس سلعة، وحق الدفاع لا ينبغي أن يكون مرهوناً بالقدرة المالية.
ماذا يعني تسليع القضاء؟
"تسليع القضاء"، هو مصطلح يعبر عن تحويل العدالة والقضاء من خدمة عامة وحق أساسي تكفله الدولة إلى سلعة تخضع لقوانين السوق (العرض والطلب والقدرة المالية).
في هذه الحالة، يصبح الحصول على العدالة متاحا لمن يملك القدرة على الدفع، بدلا من أن يكون التقاضي دفاعا عن الحقوق والحريات مكفولا للجميع بالتساوي.
و"تسليع القضاء"، ليس مصطلحًا قانونيًا محددًا في التشريع المصري، وإنما هو تعبير نقدي يُستخدم عندما يُنظر إلى العدالة بوصفها خدمة لها سعر، بحيث تصبح القدرة المالية عاملا مؤثرا في إمكانية الوصول إلى المحاكم أو الاستفادة من إجراءاتها.
إذ يحدث "التسليع" عندما تنتقل الرسوم من كونها مقابلا إجرائيا محدودا أو مساهمة في تكاليف التقاضي، إلى مستوى يمكن أن يشكل عائقا أمام صاحب الحق، خصوصا إذا كانت الرسوم إلزامية أو مرتفعة أو مرتبطة بإجراءات لا يستطيع المتقاضي الاستغناء عنها.
ومن مظاهر وأشكال تسليع القضاء خصخصة المنظومة القضائية، والاعتماد المتزايد على مراكز التحكيم الخاص والشركات الأمنية والقانونية لإدارة النزاعات بعيداً عن المحاكم الرسمية.

















