مداهمات وتمويلات غربية.. ماذا تستهدف تركيا من حملة "عائلتي بأمان"؟

داود علي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في حملة أمنية امتدت إلى 15 ولاية، داهمت السلطات التركية مقارّ جمعيات وأماكن ترفيه ومنازل، وفتحت ملف التحويلات المالية الأجنبية إلى مؤسسات معنية بالمثليين والمتحولين جنسيًا، لتضع عملية "عائلتي بأمان" عند تقاطع الأمن والتمويل الغربي والسياسة الحكومية لحماية الأسرة التركية.

وأعلنت وزارة العدل التركية، في 13 سبتمبر/ أيلول 2026، إجراءات قضائية استندت إلى تحقيقات بشأن أنشطة تتعلق بالدعارة والمحتويات الفاحشة والمخدرات، فيما نشرت صحف تركية تفاصيل عن أموال واردة من جهات أميركية وأوروبية، بينها مؤسسات حكومية وبعثات دبلوماسية وصناديق مستقلة.

ووصفت صحيفة "يني أكيت" المحلية الحملة بأنها "أكبر عملية تنظيف" أزعجت العالم الغربي، بينما قدمت الحكومة العملية بوصفها جزءًا من مسؤوليتها عن حماية الأطفال والنظام الاجتماعي، ورحّب بها كتاب وناشطون محافظون.

وبينما تتعلق التحويلات المالية بمبالغ جرى إرسالها على مدى سنوات إلى مؤسسات مرتبطة بهذه الأنشطة، طرحت القضية تساؤلات حول حجم الأموال، وأبرز الجهات المرسلة والمستفيدة، وكيف ربط المسؤولون الأتراك الحملة بسياسات حماية الأسرة، وما الذي يريده مؤيدوها من الخطوات المقبلة.

اشتباه ومداهمات

نسقت النيابات العامة في إسطنبول وأنقرة وإزمير وآيدن ومرسين التحقيقات التي نفذتها الشرطة والدرك، وشملت الإجراءات 162 مشتبهًا بهم، وتسع جمعيات و13 منشأة تجارية.

وتتعلق هذه الأرقام بالأشخاص والكيانات المشمولة بإجراءات قضائية، ولا تمثل إعلانًا عن إيداع جميع المشتبه بهم السجن. وحددت السلطات موضوع التحقيق في الوساطة للمثلية الجنسية والدعارة وتوفير أماكن لممارستها، وإنتاج محتويات فاحشة ونشرها وتعريض الأطفال لها، إلى جانب أنشطة أخرى لا تزال قيد الفحص.

وقال وزير العدل أكين غورلك: إن المداهمات جاءت بعد الاستعانة بمحققين سريين، وتنفيذ عمليات مراقبة ميدانية وتقنية، والاستماع إلى شهود، وتحليل تسجيلات ومواد رقمية.

وأفاد البيان الرسمي، كما نقلته الصحافة التركية، بضبط مخدرات وأجهزة ومواد رقمية خلال عمليات متزامنة للتوقيف والتفتيش والمصادرة، من دون تقديم تفاصيل علنية تربط كل مادة مضبوطة بجمعية بعينها أو بكل شخص شملته الإجراءات.

وامتدت التدابير إلى الفضاء الرقمي؛ إذ تحدثت التغطيات التركية عن حجب 73 موقعًا وحسابًا، بينها منصات لجمعيات "كاوس جي إل" و"لامبدا إسطنبول" و"سبود" و"الحياة الوردية" و"17 مايو".

وبحسب جمعية حرية التعبير التركية "إيفود"، شمل الحجب حسابات صحيفة "إفرنسيل"، ومنظمة العفو الدولية في تركيا، و"أكاديميون من أجل السلام"، وجمعية دراسات الإعلام والقانون، على منصتي إكس وإنستغرام.

وقالت جمعية "كاوس جي إل"، التي تعرض مقرها للمداهمة وأوقف مسؤولون فيها: إن النيابة العامة في أنقرة تتهمها بنشر محتويات تصنفها فاحشة ويمكن للأطفال الوصول إليها.

ملايين الدولارات

أظهرت بيانات نشرتها صحيفتا "يني شفق" و"تقويم"، نقلًا عن تقارير هيئة التحري عن الجرائم المالية "ماساك"، وصول نحو 3.36 ملايين دولار إلى ست جمعيات.

وتغطي هذه الأرقام فترات متفاوتة بين عامي 2011 و2026، ولا تمثل تمويلًا لسنة واحدة أو أموالًا حكومية غربية حصرًا.

وتصدرت جمعية "سبود"، المعنية بالسياسات الاجتماعية والهوية الجندرية، القائمة بمبلغ مليون و570 ألفًا و692 دولارًا، تلتها جمعية "هيفي" بـ762 ألفًا و939 دولارًا، ثم "بوزيتيف ياشام" بأكثر من نصف مليون دولار.

وبلغ نصيب جمعية "ليستاغ"، المعنية بأسر المثليين وأقاربهم، 314 ألفًا و220 دولارًا، فيما حصلت "لامبدا إسطنبول" على 103 آلاف و650 دولارًا، و"بوزيتيف إيز" على 89 ألفًا و138 دولارًا.

وفي ما يتعلق بالتحويلات الخاصة بوزارة الخارجية الأميركية، أوردت "ماساك" وصول 113 ألفًا و591 دولارًا إلى "سبود" عبر تسع عمليات، وسبعة آلاف و67 دولارًا إلى "بوزيتيف إيز" عبر عمليتين.

ومن هولندا، سجلت الصحيفة نحو 127 ألف دولار محولة من وزارة الخارجية إلى ثلاث جمعيات، فضلًا عن 92 ألفًا و189 دولارًا من القنصلية الهولندية في إسطنبول إلى جمعيتي "سبود" و"لامبدا".

أما السفارة الفرنسية، فنُسبت إليها تحويلات بقيمة 11 ألفًا و799 دولارًا إلى "بوزيتيف إيز"، وستة آلاف و503 دولارات إلى "سبود". كما وردت تحويلات رسمية ألمانية بلغت 106 آلاف و950 دولارًا إلى جمعيتي "ليستاغ" و"سبود".

وتتعلق هذه الأرقام بالتحويلات التي عرضتها التغطيات الصحفية، ولا تمثل حصرًا شاملًا لكل المساعدات المقدمة من الدول المذكورة. كما أن إجمالي الأموال الواردة إلى الجمعيات يجمع مصادر متعددة، ولا ينسب كله إلى السفارات أو وزارات الخارجية.

وفي ما يتعلق بالصلة بين هذه التحويلات والاتهامات محل التحقيق، قال وزير العدل التركي إن مصدر التحركات المالية وعلاقتها بالأنشطة قيد البحث لا يزالان خاضعين للتحقيق.

قائمة الممولين 

إلى جانب السفارات والوزارات، تضمنت قائمة الممولين مؤسسات تختلف طبيعتها عن الجهات الحكومية الرسمية.

فقد أوردت صحيفة "تقويم" تحويلات من "المؤسسة الأوروبية لدعم الديمقراطية" إلى جمعية "هيفي" بقيمة 182 ألفًا و955 دولارًا خلال عامي 2024 و2025، وإلى "ليستاغ" بقيمة 38 ألفًا و194 دولارًا خلال عامي 2025 و2026.

وذكرت الصحيفة أن "صندوق مارشال الألماني" حول، عام 2021، نحو 24 ألفًا و864 دولارًا إلى "ليستاغ"، و24 ألفًا و839 دولارًا إلى "سبود"، و13 ألفًا و644 دولارًا إلى "بوزيتيف ياشام".

وشملت التفاصيل كذلك تحويل 200 ألف دولار من مؤسسة "ويلسبرينغ" إلى "هيفي"، و220 ألفًا و500 دولار من "وومن وين" إلى "سبود"، و149 ألفًا و951 دولارًا من "رينبو ريلرود" إلى الجمعية نفسها، إلى جانب أسماء مؤسسات مثل "إيلغا أوروبا" و"فريدوم هاوس".

وتكتسب هوية هذه المؤسسات أهمية عند بحث طبيعة العلاقة بين التمويل والجهات الحكومية؛ إذ إن الجهات المانحة لا تنتمي جميعها إلى الفئة نفسها، ولا تتطابق بالضرورة في هياكلها القانونية أو صلاتها بالدول.

وتعرّف المؤسسة الأوروبية لدعم الديمقراطية نفسها بأنها جهة مانحة أنشأها الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء عام 2013 لدعم الديمقراطية، ويشمل نطاق عملها تركيا.

وتقول المؤسسة إنها تدعم المجتمع المدني والإعلام المستقل والنشطاء، وتشترط الالتزام بحقوق الإنسان والقيم الديمقراطية واللاعنف. وتمثل هذه أهدافًا معلنة للمؤسسة، ولا تشكل بحد ذاتها ردًا خاصًا على تفاصيل التحقيق التركي.

أما صندوق مارشال، فهو مؤسسة أميركية مستقلة مقرها واشنطن، تأسست عام 1972 بهبة ألمانية، ويعمل على تعزيز العلاقات عبر الأطلسي. وبالتالي، فإن اسم المؤسسة لا يجعلها جهازًا تابعًا للحكومة الألمانية، كما لا يتيح إلحاق منحها بالتحويلات الصادرة عن البعثات الرسمية.

وتكشف هذه المعطيات عن مستويات مختلفة من الدعم الخارجي، تشمل تحويلات حكومية مباشرة، ومنحًا من مؤسسات ذات صلات تأسيسية أوروبية، وتمويلًا من جهات أهلية مستقلة.

حماية الأسرة

يربط خطاب الحكومة التركية الحملة بتوجه سياسي واجتماعي يحمل عنوان حماية الأسرة واستمرار الأجيال.

وأوضح وزير العدل أكين غورلك أن العملية تأتي في إطار رؤية "عقد الأسرة والسكان 2026–2035"، والتعميم الرئاسي رقم 2026/4، مستندًا إلى المسؤولية الدستورية للدولة عن حماية الأسرة والأطفال.

وقال غورلك: "لن نتسامح مع أي تنظيم إجرامي أو شبكة استغلال أو نشاط غير قانوني يستهدف أطفالنا وشبابنا وأسرنا"، وذلك في تصريح بشأن التحقيقات.

أما الرئيس رجب طيب أردوغان، فكتب في تقديم وثيقة الرؤية أن "تركيا القوية لا يمكن أن تنهض إلا على أكتاف أسر قوية". محذرًا من تأثير التقنيات الرقمية والتيارات الثقافية على الأسرة والقيم، ومن تراجع النمو السكاني ومعدلات الخصوبة.

وتتضمن الوثيقة تشجيع الزواج وزيادة الإنجاب، وتأهيل الشباب ورعاية المسنين، ودعم التنمية الريفية وتحقيق توزيع متوازن للسكان.

ويضع هذا الإطار السياسات الأمنية ضمن مشروع حكومي تتداخل فيه التقديرات الاجتماعية والديمغرافية؛ إذ لا تقتصر رؤية حماية الأسرة على الإجراءات الأمنية، بل تمتد إلى قضايا السكان والتربية والقيم والسياسات الاجتماعية.

وفي افتتاح العام الدراسي، يوم 14 سبتمبر، دعا أردوغان الأسر إلى الاهتمام بأخلاق أبنائها واحترامهم وتمسكهم بالقيم الوطنية والمعنوية، بالقدر نفسه الذي توليه لنجاحهم الدراسي، كما طالب بتوعية الطلاب بمخاطر التكنولوجيا، مع الاستفادة من الفرص التي توفرها.

وفي سياق سابق يتعلق بحماية المجتمع، قال وزير الداخلية مصطفى تشيفتشي، خلال لقاء مع مسؤولي الإدارة المحلية في أرضروم يوم 5 يونيو/ حزيران 2026، إن مواجهة التطرف تقتضي مراعاة أبعاده الاجتماعية والثقافية والتعليمية والنفسية، والعمل مع المؤسسات والجمعيات على معالجة جذوره.

ودعا إلى تعزيز "الأخلاق والضمير والخير والمحبة"، مقدرا أن الدعاية الرقمية والمحتويات التي تطبع العنف تمثل أحد مصادر التهديد.

وفي موقف مواز بشأن الجريمة المنظمة، شدد رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة، برهان الدين دوران، يوم 14 سبتمبر، على ضرورة قطع مصادر التمويل ومنع الدعاية الإجرامية عبر الإنترنت، ودعم الأسر وسياسات الحماية الاجتماعية، مع الالتزام بمبادئ دولة القانون.

مطالب بتوسيع الحملة

استقبلت أوساط محافظة الحملة بوصفها استجابة لمطالب تدعو إلى مزيد من التدخل الرسمي.

ففي مقال نشرته صحيفة "يني أكيت" يوم 14 سبتمبر، شكر الكاتب علي قره حسن أوغلو السلطات على إفساح المجال أمام النيابات العامة للتحرك، مقدرا أن الخطوة جاءت متأخرة.

ووجه الكاتب انتقادات إلى حزب السعادة وصحيفتي "مللي غازيته" و"يني آسيا"، بسبب ما وصفه بصمتهما تجاه العملية، رغم مطالباتهما السابقة بحماية الأسرة، وفي مقال لاحق، انتقد الموقفَ الأوروبي القلق من الاعتقالات، وخاطب كُتابًا محافظين رأى أنهم أصبحوا أقرب إلى مواقف المعارضة.

وعلى منصة إكس، أعلن المعلق فرحات مراد دعمه للعملية "حتى النهاية"، مطالبًا بالوصول إلى عمق الملف. وتعكس هذه المواقف تركيزًا على استمرار التحقيق وكشف العلاقات الخارجية، إلى جانب الترحيب بالمداهمات والإجراءات الأمنية.

وامتد تأييد القرار الحكومي إلى النائب عن إسطنبول بوراك أق بوراك، الذي كتب أنه يدعم عمليات "عائلتي بأمان"، وربط موقفه بحماية الأسرة بوصفها أساس المجتمع التركي.

وينتمي أق بوراك إلى حزب الجيد المعارض، ولذلك يعبر تصريحه عن مساندة لهذا الإجراء تحديدًا، ولا يصنف ضمن مواقف أحزاب الائتلاف الحاكم.

وفي بيان صدر يوم 15 سبتمبر، وصفت "منصة الأسرة في بورصة" العملية بأنها خطوة وطنية وتاريخية، وطالبت بتوسيعها واتخاذ تدابير قانونية بحق ما تعدّه امتدادات مالية ورقمية لجماعات الضغط الدولية.

كما دعت المنصة إلى سن تشريعات تحظر الدعاية للمثلية الجنسية في المجال العام والمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية، بما يكشف أن مطالب بعض المؤيدين تتجاوز محاسبة أشخاص على وقائع جنائية محددة، لتصل إلى الدعوة لتعديل قواعد النشاط العام والمحتوى المتداول في المجالين التعليمي والإعلامي.