عبر الذكاء الاصطناعي.. هكذا تسرّع "إسرائيل" هدم البناء الفلسطيني في الضفة

تعمل الرقابة الإسرائيلية داخل نظام يضيّق البناء الفلسطيني ويوسع الاستيطان والهدم والمصادرة
وسّعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة أدوات ملاحقة البناء الفلسطيني في الضفة الغربية، فأضافت إلى الدوريات صورًا جوية ومسيّرات وخرائط رقمية وأدوات استخبارية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بما يرفع قدرتها على اكتشاف المباني والتوسعات والطرق والمنشآت الزراعية الجديدة.
ويتركز أثر هذه المنظومة في المنطقة “ج” التي تشكل نحو 60 بالمئة من الضفة باستثناء شرق القدس وتحتفظ "إسرائيل" فيها بالسيطرة على الأمن والتخطيط والبناء، مقابل إدارة فلسطينية مدنية وأمنية في "أ"، وإدارة مدنية فلسطينية في "ب" مع بقاء السيطرة الأمنية للاحتلال بدرجات متفاوتة.

كيف ترصد البناء الفلسطيني؟
في يوليو/تموز 2026، خلصت دراسة أعدّها مركز “ديجيتال فلسطين” المتخصص في أبحاث الذكاء الاصطناعي والحوكمة الخوارزمية، إلى أن سلطات الاحتلال أدخلت منذ 2023 تقنيات ذكية إلى منظومة مراقبة الضفة، بما يسمح برصد التغيرات على الأرض آليًا وربط نتائج المراقبة بإجراءات الهدم والمصادرة.
واستندت الدراسة إلى وثائق حكومية إسرائيلية ومواد الشركات المطورة وتقارير حقوقية، وتتبعت انتقال نموذج سبق استخدامه ضد الفلسطينيين البدو في النقب إلى منظومة الإنفاذ في الضفة، بالتزامن مع إنشاء فرع جديد داخل شعبة حماية الأراضي التابعة لما تسمى سلطة أراضي "إسرائيل".
وفي أبريل/نيسان 2025، أنشأت سلطات الاحتلال وحدة تابعة لسلطة أراضي "إسرائيل" للعمل في الضفة وتحديد البناء الفلسطيني الذي تصفه بأنه "غير قانوني". وفق تقرير للأمين العام للأمم المتحدة.
وفي سبتمبر/أيلول 2025، كشفت حركة "السلام الآن"، الإسرائيلية التي تراقب الاستيطان، أن وزارة المالية طلبت إضافة 21 وظيفة لإنشاء ما تسميه “لواء يهودا والسامرة” (الضفة الغربية) داخل شعبة حماية الأراضي، بما يزيد قوة الشعبة بنحو 20 بالمئة.
وأشارت هذه الحركة إلى أن الشعبة المذكورة تستخدم أدوات متقدمة قائمة على الذكاء الاصطناعي لكشف ما تصفه بـ"التعديات".
تزامن ذلك مع رفع ميزانية وحدة التفتيش في الإدارة المدنية إلى 25.3 مليون شيكل، إلى جانب نحو 33 مليون شيكل سنويًا تمول بها وزارة الاستيطان دوريات الأراضي التابعة للمجالس الاستيطانية (الدولار يساوي 3 شواكل).
وتشغّل شعبة حماية الأراضي نظام "إيمي سايت" (ImiSight)، الذي طورته شركة "رافائيل" الإسرائيلية للصناعات العسكرية اعتمادًا على تقنيات استخبارية بصرية، ويستخدم الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتحليل الصور ومقارنة الموقع نفسه في فترات مختلفة.
تتيح المنظومة كشف المباني والطرق والمركبات والبنية التحتية والتغيرات عبر صور الأقمار الصناعية والطائرات والمسيّرات، قبل تحديد مواقعها جغرافيًا وإرسالها إلى فرق التفتيش، وهو ما نقل عملية البحث عن البناء الجديد من الدوريات الميدانية وحدها إلى مراقبة مساحات واسعة بصورة متكررة.
وجرى تطوير هذا النموذج ميدانيًا في النقب؛ حيث استخدمته سلطات الاحتلال لمراقبة التجمعات الفلسطينية البدوية ورصد البناء الجديد.
وفي تجربة شملت النقب ووادي عارة، المنطقة ذات الغالبية الفلسطينية داخل أراضي 1948، أنتجت مقارنة صورتين يفصل بينهما 40 يومًا 354 إشارة إلى تغيرات على الأرض، منها 336 في النقب، ثم توجه المفتشون إلى المواقع للتحقق منها وأعيدت نتائج الفحص إلى النظام لتحسين قدرته على التصنيف.
وبحلول 2024، أعلنت سلطة الأراضي أن "إيمي سايت" مسح 10735 كيلومترًا مربعًا وحدد 1263 رقعة مشتبهًا بها قبل إحالتها إلى فرق التحليل والتفتيش، ما يظهر حجم القدرة التي باتت تملكها الشعبة التي أنشأت لاحقًا فرعًا خاصًا للعمل في الضفة.
وسبقت دخول سلطة الأراضي إلى الضفة شبكة مراقبة موّلتها الحكومة داخل المنطقة "ج"؛ إذ خصصت وزارة الاستيطان منذ 2021 نحو 19 مليون شيكل لأقسام مراقبة الأراضي في 13 مجلسًا وسلطة استيطانية.
شملت المخصصات 21 مراقبًا ميدانيًا و21 مسيّرة، بعضها مزوّد بالتصوير الحراري، إلى جانب صور جوية وبرامج نظم معلومات جغرافية "GIS" وكاميرات ترسل الصور عن بُعْد.
وأظهرت وثائق حصلت عليها منظمة “كرم نافوت” الإسرائيلية التي تراقب سياسات الأرض والاستيطان، أن ما يجمعه هؤلاء المراقبون من معلومات يُحال إلى جهات بينها الإدارة المدنية التي تتولى صلاحيات التخطيط والبناء والهدم في المنطقة "ج".
وفي مارس/آذار 2025، كشف تحقيق نشرته "الغارديان" البريطانية ومجلتا "+972" و"محادثة محلية" الإسرائيليتان بعد حديثه مع مصادر شاركت في تطوير أدوات وحدة 8200 الاستخباراتية التابعة لجيش الاحتلال، أن نماذج التعلم الآلي وسعت قدرة وحدة التنصت والاستخبارات على مراقبة الفلسطينيين بالضفة.
وذكر مصدر مطلع مراقبة البناء الفلسطيني في المنطقة "ج" ضمن استخدامات هذه الأدوات. وتركز النماذج التي تناولها التحقيق على معالجة الاتصالات والنصوص والكلام والبيانات الاستخبارية، لتضاف إلى شبكة الصور الجوية والمسيّرات والخرائط والمراقبين التي تتابع التغير الفلسطيني على الأرض.

ماذا غيّر الذكاء الاصطناعي؟
تكشف تجربة أم الفحم، المدينة الفلسطينية الواقعة في المثلث داخل أراضي 1948 إلى الجنوب الشرقي من حيفا، قيمة الاكتشاف المبكر بالنسبة إلى أجهزة الاحتلال.
إذ رصد "إيمي سايت" مبنى خلال تشييده وحدد موقعه وأرسل إلى المفتشين رابط ملاحة يقود إليه، فوصلوا قبل اكتماله وأوقفوا العمل، بينما كان مبنى مجاور قد اكتمل وأصبح مأهولًا ودخل في إجراءات قانونية أطول.
وربطت شيرا تام التي كانت ترأس قسم حماية الأراضي في سلطة أراضي "إسرائيل"، هذه القدرة بمحدودية جهاز التفتيش؛ إذ كان نحو 60 مفتشًا مكلفين بمتابعة 22 مليون دونم، ما جعل اكتشاف البناء سابقًا مرتبطًا إلى حد كبير بمرور المفتش بالمكان أثناء التنفيذ.
غيّر الرصد الآلي نقطة البداية في عمل المفتش، إذ تستطيع الخوارزمية مقارنة مساحات واسعة وتحديد مواقع بعينها ثم إرسال المفتش للتحقق منها، ما يتيح الوصول إلى البناء في مرحلة مبكرة بدل انتظار اكتشافه خلال الدوريات الميدانية.
وتظهر قيمة هذا التحول في قدرة النظام على تكرار فحص المنطقة نفسها وفرز مئات التغيرات وتحديد إحداثياتها، فيما ينتقل العنصر البشري من البحث عن البناء إلى فحص قائمة من المواقع التي حددتها المنظومة مسبقًا.
ويظهر هدف إسرائيل من هذه السرعة في وثيقة أعدتها وزارة الاستخبارات في 7 يونيو/حزيران 2021 بشأن ما وصفته بـ"المعركة على مناطق ج"؛ إذ دعت إلى إنتاج "صورة وضع مستمرة" وتوفير إنذار مبكر ودمج جهات مدنية في جمع المعلومات والرقابة وتبادل البيانات واستخدام أدوات تكنولوجية متقدمة.
في الجزء الخاص بالإنفاذ، أوصت الوزارة بتعزيز الإدارة المدنية وقيادة المنطقة الوسطى بالجيش والشرطة وأجهزة التفتيش بالموارد والصلاحيات، وتوسيع الأدوات المستخدمة لإزالة ما تصفه بـ"المباني الجديدة"، بما يربط سرعة اكتشاف البناء بقدرة سلطات الاحتلال على وقفه أو هدمه في مرحلة مبكرة.
وتدخل هذه القدرة إلى نظام تخطيط يغلق أمام الفلسطينيين معظم مسارات البناء القانوني، بحسب ما أظهرت بيانات حصلت عليها منظمة “بمكوم – مخططون من أجل حقوق التخطيط” الإسرائيلية.
وأوضحت المنظمة أن الفلسطينيين قدموا 5071 طلب ترخيص في المنطقة "ج" بين 2021 و2024، فوافقت سلطات الاحتلال على 22 طلبًا فقط، بنسبة 0.4 بالمئة، بينما حصلت 9385 وحدة استيطانية على تراخيص خلال الفترة نفسها.
وفي 2024 هدمت سلطات الاحتلال 862 مبنى فلسطينيًا مقابل 39 مبنى داخل المستوطنات، وهي أرقام تقول "بمكوم": إنها تعكس نظامًا تخطيطيًا تمييزيًا يوسع الاستيطان ويمنع تطوير التجمعات الفلسطينية.
وتصاعد الهدم خلال 2026؛ إذ أحصى مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة “أوتشا”، نحو 700 منشأة فلسطينية هدمتها سلطات الاحتلال في المنطقة "ج" حتى 7 أغسطس/آب بحجة غياب التراخيص الإسرائيلية، إلى جانب نحو 170 منشأة في شرق القدس.
وبلغ المتوسط الشهري للهدم في المنطقتين منذ 2024 ضعفي متوسط السنوات الخمس عشرة السابقة على الأقل.
وكان "أوتشا" قد سجل في 25 مايو/أيار 2026 أن 71 بالمئة من نحو 400 منشأة هدمت في المنطقة "ج" منذ بداية العام كانت منشآت زراعية أو مرتبطة بمصادر الرزق والمياه والصرف الصحي، ما يوسع ملاحقة سلطات الاحتلال من المنزل إلى مقومات البقاء والإنتاج الفلسطيني على الأرض.

رقابة للسيطرة على الأرض
تضع وثيقة وزارة الاستخبارات لعام 2021 مراقبة البناء ضمن سياسة جغرافية تتعامل مع المنطقة "ج" بوصفها ساحة صراع على الأرض، وتحدد مواقع تمنحها حكومة الاحتلال أولوية في الرصد والإنفاذ، بينها محاور الطرق الكبرى وغور الأردن.
وخصوصًا المناطق القريبة من الطريق 90 الممتد على طول الجانب الشرقي من الضفة، والمساحات الواقعة بين الكتل الاستيطانية والقدس، ومنطقة التماس، ومواقع البنية التحتية والاتصالات وميادين التدريب.
وبذلك يصبح موقع النشاط الفلسطيني وقربه من الطرق والمستوطنات والممرات التي تريد سلطات الاحتلال الاحتفاظ بالسيطرة عليها جزءًا من تحديد أولوية ملاحقته.
وتشمل الأنشطة المُراقبة، شق الطرق الزراعية وبناء الجدران الاستنادية والمدرجات وتسوية الأرض وإقامة الأسوار وحفر الآبار ومد خطوط المياه وإنشاء الخزانات وقنوات الصرف ووضع منشآت ومعدات زراعية، ما يجعل منظومة الرصد موجهة إلى أنماط استعمال الأرض الفلسطينية بجانب الأبنية السكنية.
وتتيح الصور الجوية والخرائط والمسيّرات مقارنة هذه التغيرات عبر الزمن وربطها بالقرب من مستوطنة أو طريق أو أرض صنفتها إسرائيل ضمن "أراضي الدولة" المزعومة، فتدخل مشاريع الزراعة والمياه والطرق المحلية نفسها في دائرة الإنفاذ.
وتظهر الصلة بالمشروع الاستيطاني في الدور الذي لعبه زئيف "زامبيش" حيفر، الأمين العام لحركة "أمانا" الاستيطانية وأحد أبرز قادة الاستيطان في الضفة، في الدفع بمشروع “حراسة الأراضي”؛ إذ قدم المشروع بوصفه وسيلة لجمع معلومات عن النشاط الفلسطيني في المساحات المفتوحة والأراضي التي يعدها المستوطنون "أراضي دولة" أو قابلة للإعلان بهذه الصفة، ثم دفع أجهزة الاحتلال إلى التدخل.
عبر هذا المشروع، منحت الحكومة المجالس الاستيطانية موقعًا مباشرًا في شبكة جمع المعلومات التي تغذي الإدارة المدنية ببيانات عن استخدام الفلسطينيين للأرض.
وتزامن توسيع المراقبة مع خطوات حكومية لتشديد السيطرة على إدارة الأرض نفسها، ففي 8 فبراير/شباط 2026 أقر المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر حزمة إجراءات تشمل فتح سجلات الأراضي وتسهيل شراء الإسرائيليين للأراضي وتوسيع صلاحيات إسرائيلية في التخطيط والإنفاذ.
وأعلن تلك الخطوات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الذي يتولى أيضًا صلاحيات واسعة في الشؤون المدنية للضفة داخل وزارة الجيش، ضمن سياسة تهدف إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية وتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية.
وحذرت منظمة "السلام الآن" من أن الإجراءات توسع الاستحواذ الإسرائيلي على الأرض وتضعف السلطة الفلسطينية. وفي 17 سبتمبر 2026، طرحت سلطات الاحتلال مناقصة لـ2167 وحدة استيطانية إضافية ضمن مشروع "E1" بين مستوطنة "معاليه أدوميم" وشرق القدس.
وارتفعت بذلك الوحدات المطروحة إلى 3401، في هذا الممر الذي يؤدي استيطانه إلى فصل شرق المدنية المقدسة عن امتدادها الفلسطيني وضرب التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، وقد قدم سموتريتش المشروع ضمن سياسة منع قيام دولة فلسطينية.
ويضع هذا التوسع أهمية إضافية للممرات والطرق والمساحات المفتوحة التي صنفتها وثائق الحكومة نفسها ضمن المناطق ذات الأولوية في الرصد والسيطرة.
بهذه المنظومة، لم تعد ملاحقة البناء الفلسطيني مرتبطة بوصول المفتش إلى الموقع، بل أصبحت تعتمد على شبكة قادرة على رصد التوسع العمراني والزراعي وشبكات المياه والطرق في وقت مبكر، ثم إحالة هذه التغيرات مباشرة إلى أجهزة التخطيط والإنفاذ.
وتعمل هذه الرقابة داخل نظام يضيّق البناء الفلسطيني ويوسع الاستيطان والهدم والمصادرة، ما يجعل التكنولوجيا أداة إضافية في سياسة السيطرة على الأرض ومنع الفلسطينيين من تثبيت وجودهم وتوسعهم في المنطقة "ج".
المصادر
- الذكاء الاصطناعي في خدمة الاستيطان: كيف يراقب الاحتلال أراضي الفلسطينيين بالضفة الغربية؟
- The government is establishing a new enforcement unit that will operate in the West Bank against Palestinian construction
- סיכום שנת 2024 בשמירה על קרקעות המדינה
- רמ"י תאתר מהחלל פלישות לקרקעות באמצעות מערכת מודיעין של רפאל
- הכירו: הטכנולוגיה החדשה של רמ"י שנלחמת בפולשי הקרקע
- Revealed: Israeli military creating ChatGPT-like tool using vast collection of Palestinian surveillance data
- ,בשטח ביטחונית מציאות עיצוב – C שטחי על הפלסטינית המערכה ומשמעויות תיא
- Humanitarian Situation Report | 7 August 2026

















