من التنسيق إلى التحالف.. أنقرة تعيد تموضعها في السودان من بوابة بورتسودان

يشير تتابع الزيارات إلى أن حكومة بورتسودان باتت تنظر إلى تركيا بوصفها شريكا قادرا على الجمع بين الدعم السياسي والتعاون الدفاعي
وصل وزير الخارجية والتعاون الدولي السوداني محيي الدين سالم إلى أنقرة في 28 يوليو/ تموز 2026، بعد سلسلة زيارات متقاربة نقلت العلاقة بين تركيا والحكومة السودانية من الاتصالات الدبلوماسية إلى مسار أكثر انتظاما.
والتقى سالم نظيره التركي هاكان فيدان، ووقعا مذكرة تفاهم للتعاون بين الأكاديمية الدبلوماسية التركية والمعهد الدبلوماسي السوداني، وسط مباحثات شملت الدفاع والتجارة والطاقة وإعادة الإعمار وأمن البحر الأحمر.
وسبقت الزيارة لقاءات أجراها مستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية أمجد فريد مع قيادات سياسية وبرلمانية تركية، بينها رئيس لجنة الدفاع الوطني خلوصي أكار، كما جاءت بعد زيارة رئيس الوزراء كامل إدريس إلى أنقرة في مايو/ آيار 2026، ولقاء رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان بالرئيس رجب طيب أردوغان في 2 يونيو/ حزيران 2026.
ويفتح هذا الزخم الباب أمام سؤال يتجاوز نتائج كل زيارة منفردة، هل تستطيع أنقرة وبورتسودان تحويل الاتفاقيات المؤجلة والتعاون العسكري القائم إلى شراكة إستراتيجية متكاملة، أم تبقيهما حسابات الحرب والتوازنات الإقليمية ضمن حدود التعاون المرن؟

زيارات متلاحقة
وتستند الحركة الدبلوماسية الحالية إلى قاعدة أنشئت خلال زيارة الرئيس أردوغان إلى السودان بين 24 و26 ديسمبر/ كانون الأول 2017، وهي أول زيارة لرئيس تركي إلى الخرطوم.
وشهدت الزيارة توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات الدفاع والأمن والزراعة والطاقة والصحة والتعليم، إلى جانب إعلان تأسيس مجلس تعاون إستراتيجي رفيع المستوى برئاسة رئيسي البلدين. لكن سقوط عمر البشير عام 2019 والاضطراب السياسي الذي أعقبه عطلا تفعيل قسم كبير منها.
وأعادت الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل/ نيسان 2023، تشكيل العلاقة على أسس مختلفة, فبعد انتقال مؤسسات الدولة إلى بورتسودان، نقلت تركيا سفارتها من الخرطوم إلى المدينة في 11 مايو 2023، وأبقتها تعمل بكامل طاقتها، لتحتفظ بقناة مباشرة مع مجلس السيادة وقيادة الجيش والحكومة المرتبطة بهما.
بعدها زار البرهان أنقرة في سبتمبر/ أيلول 2023، ثم عرض أردوغان عليه، خلال اتصال في ديسمبر/ كانون الأول 2024، التوسط في الخلاف بين السودان والإمارات، مؤكدا دعم سيادة البلاد ووحدة أراضيها ورفض التدخل الخارجي. ثم التقى الرجلان على هامش منتدى أنطاليا في أبريل/ نيسان 2025، قبل أن يزور البرهان تركيا في ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه، ثم يعود إليها في 2 يونيو 2026.
وتعزز المسار بزيارة كامل إدريس ثم أمجد فريد ومحيي الدين سالم، ويشير تتابع الزيارات إلى أن حكومة بورتسودان باتت تنظر إلى تركيا بوصفها شريكا قادرا على الجمع بين الدعم السياسي والتعاون الدفاعي والاستثمار، بينما تمنح أنقرة البرهان اعترافا عمليا بمؤسسات الدولة التي يقودها، في مواجهة محاولات قوات الدعم السريع المتمردة المدعومة إماراتيا تأسيس سلطة موازية.
مسيرات التعاون
ويشكل التعاون العسكري أكثر جوانب العلاقة التركية السودانية تقدما وحساسية؛ فقد وقع البلدان في مايو 2017 اتفاقا من 22 مادة للتعاون في الصناعات الدفاعية، شمل شراء المعدات العسكرية، والبحث والتطوير، والإنتاج المشترك، والصيانة والتحديث، ونقل التكنولوجيا. لكن تفاصيل هذا التعاون ظلت محدودة قبل أن تكشف الحرب عن انتقاله إلى مستوى عملياتي.
وفي مارس/ آذار 2025، كشفت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، استنادا إلى عقود ومراسلات وسجلات طيران ومواد مصورة، أن شركة "بايكار" التركية أبرمت صفقة تتجاوز قيمتها 120 مليون دولار مع منظومة الصناعات الدفاعية السودانية، التي تتولى المشتريات العسكرية للجيش.
واشتملت الصفقة الأساسية على 6 مسيرات "بيرقدار TB2" و600 رأس حربي و3 محطات تحكم أرضية، إلى جانب 48 شخصا لتسليم المعدات وتوفير الدعم الفني داخل السودان. وأظهرت المراسلات وصول مسيرتين إضافيتين لاحقا.
وبحسب التحقيق، وصلت أولى شحنات الذخائر إلى بورتسودان في أغسطس/ آب 2024، واستمرت الرحلات حتى منتصف سبتمبر/ أيلول من نفس العام، قبل نقل المعدات إلى قواعد عسكرية في عطبرة وشندي. كما وثقت المراسلات وجود موظفين من "بايكار" داخل مركز قيادة سوداني ومتابعتهم ضربات نفذتها المسيرات.
ومنح تشغيل "TB2" الجيش السوداني قدرات أوسع في الاستطلاع واستهداف تحركات متمردي الدعم السريع ومخازنهم وخطوط إمدادهم، بالتزامن مع تحسن ميداني للقوات المسلحة في وسط السودان والخرطوم. كما ظهرت مؤشرات لاحقة على استخدام مسيرات "أقنجي" التركية الأثقل في دارفور وكردفان.

إعادة الإعمار
ولا تنفصل الشراكة الدفاعية عن المصالح الاقتصادية التي تبحث عنها الدولتان؛ فالسودان يحتاج إلى التمويل والتكنولوجيا وإعادة بناء المنشآت المتضررة، بينما ترى تركيا فرصا في قطاعات الزراعة والتعدين والطاقة والموانئ والإنشاءات، إضافة إلى موقع السودان على البحر الأحمر.
وبلغ حجم التبادل التجاري 344.7 مليون دولار عام 2024، منها 276.9 مليون دولار صادرات تركية و67.8 مليون دولار واردات من السودان، قبل أن يرتفع إلى نحو 390 مليون دولار خلال 2025.
ورغم بقاء هذه الأرقام دون المستوى القياسي المسجل عام 2022، حين وصل التبادل إلى نحو 680 مليون دولار، فإن استمرار التجارة خلال الحرب يعكس وجود قاعدة يمكن البناء عليها.
وفي مايو 2026، عقدت اللجنة الاقتصادية السودانية التركية المشتركة دورتها الـ 16 في أنقرة بعد توقف دام ثمانية أعوام. وترأس الجانب السوداني وزير الزراعة والري عصمت قرشي، بينما قاد الجانب التركي وزير الزراعة والغابات إبراهيم يوماقلي.
وانتهت الاجتماعات إلى تفاهمات بشأن تنفيذ مشروعات في الزراعة والطاقة والتعدين، وتطوير التعاون الفني، ودعم القطاعات الصحية والإنسانية، وإشراك الشركات التركية في إعادة تأهيل البنية التحتية.
وتشير وثائق أوردتها "واشنطن بوست" إلى أن مسؤولين سودانيين ناقشوا منح شركات تركية فرصا في مناجم الذهب والنحاس والفضة، وتراخيص للصيد والتصنيع السمكي، إلى جانب تطوير وإدارة ميناء أبو عمامة على البحر الأحمر. ويضاف ذلك إلى مشروع إعادة تأهيل جزيرة سواكن وإنشاء مرسى لصيانة السفن المدنية والعسكرية، الذي تعثر بعد سقوط البشير.
وتسعى بورتسودان من خلال هذا المسار إلى ربط الدعم التركي الراهن بدور طويل الأجل في مرحلة ما بعد الحرب، بينما تريد أنقرة تحويل تعاونها العسكري والسياسي إلى عقود واستثمارات تضمن حضورا مستداما في السودان.

التوازن التركي
وفي حديثه لـ" الاستقلال" قال الباحث في جامعة "أيدن" التركية أحمد راغب: إنه رغم تقدم العلاقات، تواجه فكرة التحالف الإستراتيجي الكامل قيودا إقليمية وسياسية.
وأضاف: تركيا طورت خلال السنوات الأخيرة علاقاتها مع مصر والإمارات والسعودية، ولا تبدو مستعدة للدخول في محور عسكري معلن بالسودان قد يصطدم مباشرة بمصالح هذه الدول أو يحول البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة إضافية.
وتابع: أن أنقر تحاول الجمع بين دعم مؤسسات الدولة والجيش من جهة، والاحتفاظ بصورة الوسيط القادر على التواصل مع القوى الإقليمية من جهة أخرى. ويظهر هذا التوازن في عرض الرئيس رجب طيب أردوغان الوساطة بين السودان والإمارات، رغم تورط أبوظبي في تسليح الدعم السريع.
وقال راغب: إن بورتسودان تحتاج إلى الدعم التركي لكنها أيضا لا تريد الارتهان لمحور واحد؛ إذ توازن علاقاتها مع مصر والسعودية وقطر وإيران وروسيا، وتبحث عن مصادر متعددة للسلاح والاستثمار والغطاء السياسي.
وأكمل: لذلك، يبدو السيناريو الأقرب هو انتقال العلاقات إلى شراكة إستراتيجية مرنة لا إلى تحالف دفاعي رسمي، تعاون عسكري وتقني يتوسع بعيدا عن الإعلان، ودعم سياسي لحكومة بورتسودان، وحضور تركي في إعادة الإعمار والموانئ والمعادن، مع إبقاء مساحة للوساطة وتجنب الالتزامات العسكرية المباشرة.
واختتم حديثه: بأن تفعيل مجلس التعاون الإستراتيجي التركي السوداني والاتفاقيات المؤجلة سيظل هو الاختبار الفعلي لانتقال العلاقة من الزيارات المتبادلة إلى مشروعات ومؤسسات دائمة.
المصادر
- وزير الخارجية السوداني في تركيا.. هل تتجه العلاقات للتعاون الإستراتيجي؟
- Sudan-war-turkey-baykar-rsf-saf
- Sudan, Turkey agree to increase trade exchange to $1 billion
- President Erdoğan, Sudan's Burhan discuss peace efforts, stronger ties
- Turkey can step in to resolve Sudan-UAE disputes, Erdogan tells Burhan


















