4 دروس ترسم ملامح المرحلة المقبلة بعد "انتصارات" الحوثيين باليمن.. ما هي؟

"الدرس الحقيقي المستفاد من هذه الأحداث يبدو أكثر إزعاجا من أي توقعات سعرية"
تقول قاعدة في السياسة الأمنية: إن تقييم العدو من خلال حجم ميزانيته يعني أنك فقدت نصف المعركة بالفعل، وهو ما بدأ يتحول خلال الأيام الأخيرة إلى واقع ملموس.
ولا تقتصر آثار هذا الواقع على صنعاء، بل تمتد إلى محطات الوقود في أوهايو، وحسابات الشحن في روتردام، وهوامش العائد على سندات الخزانة الأميركية التي بلغت مستويات لم تُسجل منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.
بهذه المقدمة، علّقت صحيفة "برلينر تسايتونغ" الألمانية على التطورات الأخيرة في اليمن والسعودية، مشيرة إلى التداعيات الأوسع للصراع اليمني على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
ويناقش التقرير أسباب إخفاق التقديرات في فهم قدرات الحوثيين وطريقة إدارتهم للحرب منذ عام 2015 وحتى اليوم، قبل أن يستخلص أربعة دروس رئيسة من مسار النزاع، ويقدم بناء عليها تصورات بشأن مستقبل الحرب خلال المرحلة المقبلة.
وكانت وزارة الطاقة السعودية قد أعلنت تعرض خط أنابيب النفط شرق-غرب لهجمات عدة صباح 10 سبتمبر/ أيلول 2026 في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، قبل إيقافه بشكل احترازي.
وترى الصحيفة أن "هذا تأكيد رسمي وليس مجرد تكهن"، موضحة أن ذلك يحمل أهمية كبيرة؛ إذ شكّل خط الأنابيب الممتد لمسافة 1200 كيلومتر عبر شبه الجزيرة العربية شريانًا حيويًا لأكبر مصدر للنفط في العالم منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط في فبراير/ شباط.
وكان الخط ينقل نحو 4 ملايين برميل يوميًا، أي ما يعادل قرابة 4 بالمئة من الإمدادات العالمية، متجاوزًا مضيق هرمز المغلق، وصولًا إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
وأضافت الصحيفة أن تقديرات مشترين وتجار النفط السعوديين تشير إلى أن المخزونات الموجودة في ينبع تكفي لتغطية الصادرات لمدة تتراوح بين خمسة وسبعة أيام، قبل أن تصبح الخيارات أكثر صعوبة.
لكن التقرير أوضح أن نسبة الـ4 بالمئة تمثل سيناريو للمخاطر المحتملة وليست خسارة فعلية، كما أن تقديرات حجم احتياطي ينبع تستند إلى مصادر تجارية لم تُكشف هويتها، وليست صادرة عن شركة أرامكو النفطية.
وأشار إلى أن مدة إصلاح الأضرار لا تزال غير واضحة، إذ تتراوح التقديرات بين بضعة أيام وخمسة أو ستة أسابيع.
كما لفت إلى أن الهجوم على خط الأنابيب، وفقًا لما أعلنته الرياض وبغداد، لم يكن من تنفيذ الحوثيين؛ إذ انطلقت الطائرات المسيّرة من الأراضي العراقية، ويُرجح أنها جاءت من محافظة ميسان، التي أقال رئيس الوزراء علي الزيدي قائد عملياتها، فيما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.

القدرة والتأثير
وقالت الصحيفة الألمانية موضحة: "لنتذكر كيف كان يجري الحديث عن الحوثيين، فقد جرى تقديمهم بوصفهم تمردا قبليا من المرتفعات الجبلية في صعدة، أو مجرد وكلاء لإيران من دون أجندة خاصة بهم، أو مليشيا ترتدي الصنادل وتواجه رابع أو خامس أكبر قوة جوية في العالم".
وأردفت: "وكان ينظر إلى اليمن في دوائر التقييم الإستراتيجي في برلين بوصفه (منطقة أزمات)، وليس (مصدرا لمخاطر تهدد النظام بأكمله)".
وبحسب رأيها، "كان هذا التقدير خاطئا في كل نقطة من نقاطه، للسبب نفسه الذي يجعل التحليلات الغربية تخفق مرارا: الخلط بين القدرة والتأثير".
فالحوثيون -وفقا لها- "لم يحاولوا قط هزيمة السعودية عسكريا، بل اعتمدوا منذ البداية على عدم التكافؤ، انطلاقا من إدراك بسيط مفاده أن طائرة مسيرة تبلغ تكلفتها 20 ألف دولار يمكنها تعطيل محطة ضخ تبلغ قيمتها 200 مليون دولار، في حين تبلغ تكلفة الصاروخ الاعتراضي المستخدم لإسقاطها مليوني دولار، وهذا ليس أسلوبا لإدارة الحرب بقدر ما هو نوع من استغلال الفرص".
علاوة على ذلك، أشار التقرير إلى أنه "جرى التعامل مع الحوثيين باستمرار بوصفه أداة، وليس فاعلا بحد ذاته".
وتابع: "بالطبع، فإن خط إمداد الأسلحة والتكنولوجيا الممتد من طهران حقيقي، لكن الوكيل الذي ينجح في البقاء يتحول في مرحلة ما إلى شريك، والشريك الذي يكتسب مزيدا من الأراضي يتحول إلى لاعب مستقل لديه حساباته الخاصة".
في هذا الإطار، أشار التقرير إلى ما أعلنه المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، في 8 سبتمبر/ أيلول، من أن الجماعة ستواصل عملياتها في عمق الأراضي السعودية، وسترسخ معادلة "الحصار مقابل الحصار"، بالتزامن مع هجمات أعلنت الجماعة مسؤوليتها عنها واستهدفت منشآت تابعة لأرامكو في أبها ونجران وجازان، فضلا عن قاعدة خميس مشيط الجوية.
ووفق وجهة نظره، "هذا لا يبدو مجرد تكليف صادر من طهران، بل هو نموذج قائم بذاته: فمن يسيطر على ممر مائي إستراتيجي يستطيع التأثير في الأسعار، سواء كانت سياسية أو مالية".
"أما ثالثا، وهي النقطة الأكثر مرارة، فتتثمل في عد الهدنة التي استمرت خلال السنوات الماضية نجاحا"، قالت الصحيفة.
وأكملت: "فقد كانت في الواقع فترة توقف لإعادة التسلح، فقد أبلغ المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، مجلس الأمن في 10 سبتمبر/ أيلول بأن سنوات الهدوء النسبي انتهت".
مضيفا أن "الصراع دخل مرحلة جديدة وأكثر خطورة، مع قتال عنيف على جبهات متعددة، وتأكيد سقوط المخا، ونزوح أكثر من 11 ألفا و400 أسرة منذ 3 سبتمبر/ أيلول".
وأردفت الصحيفة: "عندما أوقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مايو/ أيار 2025 حملة القصف التي استمرت شهرين ضد الحوثيين، بعدما تعهدت الجماعة بعدم مهاجمة حركة الملاحة في البحر الأحمر، عد ذلك في واشنطن اتفاقا".
واستطردت: "لكن من منظور اليوم، لم يكن الأمر سوى هدنة مؤقتة استغلها أحد الطرفين بصورة أفضل بكثير من الطرف الآخر".

أربعة دروس
في ضوء ما سبق، استعرضت الصحيفة الألمانية أربعة دروس رئيسة من مسار الحرب في اليمن، وقدمت في ضوئها تقديرات بشأن مآلات الصراع خلال المرحلة المقبلة.
وقالت: "أولا، تبدو إمكانية تنفيذ تدخل بري أميركي في اليمن مستبعدة من الناحية العسكرية، في حين يرجح تنفيذ ضربات جوية".
وأوضحت أنه "وفقا لثلاثة مصادر، طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساعدة عسكرية، لكنه حصل -حتى الآن- على دعم استخباراتي لأغراض الاستطلاع فقط".
غير أنها تعتقد أن "هذا الموقف قد يتغير، فإذا توقفت الصادرات السعودية لأسابيع، في وقت يتجاوز فيه سعر الديزل في الولايات المتحدة 6.20 دولارات للغالون، ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، فإن حسابات الربح والخسارة في واشنطن ستنقلب رأسا على عقب في غضون أيام".
واستدركت: "لكن المشكلة أن الضربات الجوية ضد الحوثيين لم تنجح في عام 2025، ولن تنجح في عام 2026".
وعزت ذلك قائلة: "إذ يمكن تدمير منصات إطلاق الصواريخ، لكن لا يمكن تدمير شبكة يعتمد أهم أصولها على معرفتها بالتضاريس وقدرتها على استثمار عامل الوقت".
ومن ثم، تقدر أن "الأكثر واقعية هو أن تجد السعودية نفسها مضطرة إلى شن هجوم بري عبر حلفائها، مع ما يترتب على ذلك على الأرجح من تكاليف بشرية ومدنية مرتفعة، ومن دون أن يؤدي ذلك إلى حسم الصراع".
"ومن منظور السياسة الأمنية، بدأ بالفعل استخلاص الدرس الثاني، وإن لم يُعلن عنه بعد، وهو أن البنية التحتية الكبيرة والثابتة للطاقة أصبحت في عصر الطائرات المسيرة هدفا منخفض التكلفة ومصدرا لمخاطر باهظة للغاية"، قال التقرير.
وتابع: "من هنا، يتضح أن خط أنابيب النفط شرق-غرب لم يكن يوما البديل الآمن لمضيق هرمز كما جرى تقديمه، فالخط نفسه قابل للاستهداف، وكذلك المسار الذي يليه عبر البحر الأحمر".
وأردف: "أما إستراتيجية الإمارات القائمة على "صفر هرمز"، والتي تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات وتمتد لسنوات، فلا تعالج مشكلة هذا الخريف، فعامان فترة طويلة يمكن أن تتراكم خلالها الأضرار".
في غضون ذلك، أشارت الصحيفة إلى أن "قطاع التجارة يشهد تحولا دائما في الوقت الراهن، فالمنطقة الحرة في جبل علي بدبي، والتي تسهم بما لا يقل عن خمس إجمالي الناتج المحلي هناك، تتحمل جانبا كبيرا من هذه التكاليف، كما تراجع حجم حركة الطيران في دبي بنحو الثلث خلال النصف الأول من عام 2026".
وفي الوقت نفسه، أوضحت أن "منطقة الخليج تظهر قدرة على الصمود يستخف بها المراقبون الأوروبيون؛ إذ يضم مركز دبي المالي العالمي أكثر من 10 آلاف شركة نشطة، كما افتُتحت سبع مدارس خاصة جديدة، مع استمرار تدفق الوافدين الجدد إلى المنطقة".
ومن ثم، خلصت إلى أن "الحرب لا تدمر الخليج، وإنما تجعل كلفته أعلى، حيث تتحول تكاليف التأمين والشحن وتغيير مسارات النقل إلى رسوم إضافية جديدة ومعتادة، يجري تحميلها في نهاية المطاف على الأسواق العالمية".
"أما في ما يتعلق بسياسة الطاقة، وهو الجانب الرابع والأخير، فتظل التوقعات واضحة ومقلقة في آن واحد"، قالت الصحيفة.
وأكملت: "فقد أغلق خام برنت، وهو المعيار القياسي لأسعار النفط، عند نحو 108 دولارات في العاشر من سبتمبر/ أيلول 2026".
واستطردت: "ووفقا لبيانات وكالة الطاقة الدولية، من المتوقع أن ينخفض إنتاج النفط العالمي في عام 2026 بمقدار 5.7 ملايين برميل يوميا، أي بنسبة 6 بالمائة، كما تراجع إنتاج السعودية من 10.9 ملايين قبل الحرب إلى 6.2 ملايين برميل يوميا في الوقت الراهن (قبل خروج خط شرق-غرب عن العمل)".
ولفت التقرير إلى أن "وكالة الطاقة الدولية تصف ذلك بأنه أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمية".
وعليه، توقع أنه "إذا ظل خط الأنابيب متوقفا لمدة أسبوعين أو أكثر، فإن وصول الأسعار إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل لن يكون الحد الأقصى، بل الحد الأدنى".
أما إعلان ترامب أن الحرب ستنتهي بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وأن أسعار النفط ستنهار حينها، فعده التقرير "خطاب انتخابي وليس تحليل".
في المحصلة، وصفت الصحيفة المشهد قائلة: "إن الدرس الحقيقي المستفاد من هذه الأحداث يبدو أكثر إزعاجا من أي توقعات سعرية".
وتابعت: "فقد تمكنت مليشيا تنفق جزءا ضئيلا من ميزانية الدفاع السعودية من فرض وجودها في الوقت نفسه عند نقطة من أهم نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي، ليس لأنها تتمتع بقوة استثنائية، وإنما لأن النظام الذي تهدده بُني بطريقة تجعله باهظ التكلفة، ومركزي للغاية، وقابل للتنبؤ بدرجة كبيرة".
واختتمت بالقول: "على مدى عشرة أعوام، ظللنا نتساءل عما إذا كان الحوثيون قادرين على التحول إلى دولة، لكن السؤال الصحيح كان دائما هو: هل يستطيع الحوثيون ابتزاز دولة؟ وقد جاءت الإجابة منذ يوم 10 سبتمبر/ أيلول، ماثلة في عمود من الدخان يرتفع فوق الصحراء السعودية".


















