تقدم الحوثيين بالساحل الغربي لليمن.. خيانة أم صراع نفوذ بين السعودية والإمارات؟

شهد محور الساحل الغربي انهيارًا واسعًا في صفوف القوات الحكومية
بعد تحقيق القوات الحكومية اليمنية بعض التقدم على حساب قوات الحوثيين، بدعم وقصف سعودي مكثف، في 9 سبتمبر/أيلول 2026، انهارت بصورة غير متوقعة وانسحبت تاركة وراءها أسلحة ثقيلة، عقب هجوم حوثي مضاد مدعوم بالصواريخ والطائرات المسيرة.
وبعد 24 ساعة فقط من الهجوم، سيطرت جماعة الحوثي اليمنية المتحالفة مع إيران على مدينة المخا الواقعة على البحر الأحمر، عند مضيق باب المندب الاستراتيجي، في 10 سبتمبر/أيلول 2026، في تطور من شأنه أن يعزز نفوذها على المضيق الحيوي.
وامتدت المكاسب الحوثية إلى مناطق تبعد نحو 100 كيلومتر على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وفق المصادر اليمنية، وشملت، إلى جانب المخا، فرض السيطرة على مدن ساحلية على امتداد المضيق، مثل ذوباب، وجزيرة بريم (ميون)، ما يمنح الجماعة سيطرة على الجانب اليمني بأكمله من مضيق باب المندب.
وشهد محور الساحل الغربي انهيارًا واسعًا في صفوف القوات الحكومية، فيما سيطر الحوثيون على نحو 2600 كيلومتر مربع من الأراضي إجمالًا، عقب انسحابات عشوائية في جبهة الساحل الغربي من جانب ما يعرف بـ"ألوية العمالقة".
وتعد "ألوية العمالقة" مجموعة مسلحة تدعمها الإمارات وتسلحها، وتسببت في مشكلات وانقسامات كبيرة داخل القوات الحكومية منذ عام 2018، على خلفية رغبة أبو ظبي في استخدامها أداة للسيطرة الداخلية على الموانئ.
وترى تحليلات يمنية وغربية أن مشكلة القوات الحكومية المناهضة للحوثيين تكمن في تشكيلها من فصائل متباينة المصالح، يعمل بعضها لصالح الإمارات، فيما يرتبط بعضها الآخر بالسعودية، الأمر الذي يعوق توحيد جهودها في مواجهة الحوثيين.
وبحسب هذه التحليلات، تتحمل قوات "العمالقة" وقوات "طارق صالح"، المدعومتان من أبو ظبي، جانبًا كبيرًا من مسؤولية الهزيمة الأخيرة.
وأظهرت التطورات الأخيرة أن دفاعات الساحل الغربي للقوات الحكومية، ولا سيما قوات "العمالقة"، لم تنهَر نتيجة القتال وحده، وإنما بفعل تفكك داخلي وانسحابات وهروب جماعي، خاصة في صفوف القوات المدعومة من الإمارات، وسط حديث عن احتمال وقوع "خيانة"، ما فتح الطريق أمام الحوثيين باتجاه باب المندب دون مقاومة تذكر.

ماذا حدث؟
في 9 سبتمبر/أيلول 2026، أطلقت القوات الحكومية اليمنية هجومًا كانت تعد له ضد الحوثيين، وشاركت فيه عدة تشكيلات عسكرية منفصلة، بينها "ألوية العمالقة" و"الحرس الرئاسي" المدعومتان من الإمارات، و"درع الوطن" و"قوات حماية حضرموت" المدعومتان من السعودية.
ويستهدف الهجوم الحوثيين الذين يسيطرون على العاصمة صنعاء منذ انقلابهم العسكري عام 2014.
وكان الهدف من الهجوم الذي أسفر عن مقتل أكثر من 500 جندي، تحرير 4 محافظات يمنية هي تعز والحديدة والبيضاء والجوف، واستعادة العاصمة صنعاء، ونُفذ من 4 جهات بهدف تشتيت قوات الحوثيين.
لكن مساء اليوم نفسه وفجر اليوم التالي، 10 سبتمبر/أيلول 2026، انقلب الوضع تمامًا، وتمكن الحوثيون، المدعومون من إيران، من السيطرة على عدد من المواقع والمناطق الإستراتيجية، فيما انسحبت القوات الحكومية والتشكيلات المدعومة من الإمارات والسعودية.
في المقابل، صمد الحوثيون ووسعوا سيطرتهم إلى مناطق شمالية جديدة، ونقلوا جبهة القتال إلى الجنوب، وصولًا إلى الساحل الغربي للبحر الأحمر قرب باب المندب.
وبعد أن كان نفوذ الحوثيين يتركز أساسًا في شمال وغرب اليمن، أصبحوا في 10 سبتمبر/أيلول أقرب بكثير إلى باب المندب، عقب السيطرة على مدينة المخا الساحلية، وجزر حنيش، وإحكام نفوذهم على أجزاء واسعة من الساحل اليمني للبحر الأحمر، وفق وكالة "رويترز" في 10 سبتمبر/أيلول 2026.
وبينما كان محللون يتحدثون عن أن ما تبقى أمام الحوثيين للوصول إلى باب المندب مباشرة هو السيطرة على منطقتي ذوباب وميون، بصفتهما عاملين حاسمين في إحكام السيطرة على المضيق،
فوجئ الجميع بعد ذلك بساعات بإعلان سيطرة الحوثيين عليهما، وإنهاء العمليات العسكرية في الساحل الغربي، بعد سيطرتهم، وفق ما أُعلن، على المناطق المطلة على البحر الأحمر وصولًا إلى باب المندب.
ويعني ذلك، وفق هذه الرواية، أن الحوثيين وسعوا سيطرتهم على سواحل تمتد لنحو 100 كيلومتر خلال يوم واحد، بما في ذلك جزر إستراتيجية في البحر الأحمر، وهو ما قد يقلل حاجتهم إلى استخدام الصواريخ بعيدة المدى لتهديد الملاحة، ويفتح أيضًا احتمالات استخدام وسائل أخرى، بينها زرع الألغام في المضيق، على غرار ما فعلته إيران في مضيق هرمز.
أي أن الحوثيين كانوا يسيطرون، قبل 10 سبتمبر/أيلول 2026، على معظم شمال وغرب اليمن، بما في ذلك صنعاء ومحيطها، وصعدة، التي تعد معقلهم الرئيس في أقصى شمال البلاد.
كما كانوا يسيطرون على معظم مدن محافظة عمران وحجة والحديدة وموانئها، وأجزاء واسعة من محافظات الجوف والبيضاء وذمار وإب وتعز، مع استمرار وجود القوات الحكومية والمقاومة في مدينة تعز ومناطق أخرى من المحافظة، إضافة إلى مناطق في مأرب دون السيطرة على كامل المحافظة.
لكن بعد 10 سبتمبر/أيلول، سيطر الحوثيون أيضًا على مدينة المخا ومينائها على الساحل الغربي، بعد تقدمهم جنوبًا عبر محافظة تعز، ما يمثل توسعًا إستراتيجيًا للحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، وفق وكالة "أسوشيتد برس" في 10 سبتمبر/أيلول 2026.
كما سيطرت القوات الحوثية على جزر زقر وحنيش الكبرى والصغرى الإستراتيجية قبالة الخوخة في البحر الأحمر، ما يعني أن نطاق نفوذها البحري اقترب بصورة أكبر من باب المندب.
من أين بدأت الأزمة؟
عقب اندلاع احتجاجات الربيع العربي في اليمن عام 2011، تنحى الرئيس علي عبد الله صالح عام 2012، وتولى نائبه، الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، الحكم.
وفي عام 2014، تحالف صالح مع الحوثيين، رغم العداء السابق بين الطرفين، وقدم لهم دعمًا من قوات الجيش اليمني الشمالي، ما ساعدهم على تنفيذ انقلاب والسيطرة على العاصمة صنعاء.
وفي 21 سبتمبر/أيلول 2014، سيطر الحوثيون على صنعاء بعد اقتحام مؤسسات الدولة ومعسكرات ومواقع عسكرية، ثم حاصروا القصر الرئاسي في 19 يناير/كانون الثاني 2015، وسيطروا على أجزاء واسعة من البلاد، قبل أن يعلنوا "الإعلان الدستوري" وحل البرلمان.
ومنذ ذلك الحين، بسط الحوثيون سيطرتهم على أجزاء كبيرة من اليمن وأداروا المناطق الخاضعة لنفوذهم.
وفي أعقاب انقلاب الحوثيين وسيطرتهم على العاصمة، ومع عد السعودية ودول خليجية الجماعة تهديدًا لأمنها القومي، تشكل في 26 مارس/آذار 2015 "تحالف دعم الشرعية"، وبدأ تدخل عسكري مباشر ضد الحوثيين في اليمن.
ولاحقًا، قُتل علي عبد الله صالح في ديسمبر/كانون الأول 2027 على يد الحوثيين، بعد انهيار تحالفه معهم واندلاع مواجهات بين الطرفين في صنعاء.
لذلك، فإن المعركة الحالية التي بدأت في 9 سبتمبر/أيلول 2026 ليست مجرد جولة جديدة من الحرب الأهلية اليمنية، بل تأتي في إطار الصراع الداخلي الذي بدأ عام 2014 بانقلاب الحوثيين وسيطرتهم على العاصمة، كما تمثل جزءًا من الصراع الإقليمي الأوسع.
ورغم الهزيمة، لا تزال أصوات ووسائل إعلام سعودية تردد أن ما حدث في الساحل الغربي لم يكن انسحابًا أو هزيمة أو خيانة، وإنما كان تكتيكًا سياسيًا وعسكريًا محسوبًا، وأن الحوثيين "ابتلعوا الطعم"، وأن القوات التي تقدمت وسيطرت على مدن الساحل ستتعرض لاحقًا للإبادة، من دون تقديم أدلة أو تفسير واضح لكيفية تنفيذ هذا السيناريو.
ماذا تعني سيطرة الحوثيين؟
بعد سيطرة الحوثيين على مدينة المخا الواقعة على ساحل البحر الأحمر، وجزيرة جبل زقر جنوب البحر الأحمر، ومدينة ذوباب، تبرز أهمية إستراتيجية كبيرة لهذه المناطق، لا سيما ذوباب التي تقع مباشرة على مضيق باب المندب، مقابل جزيرة بريم/ميون، التي تقع بدورها في قلب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
ويتوقع خبراء ومحللون إستراتيجيون أن يؤدي هذا التطور إلى تغيير موازين القوى بصورة كبيرة في منطقة البحر الأحمر، وأن يشكل تحديًا للسعودية وإسرائيل والولايات المتحدة.
ويشير خبراء ومراكز أبحاث غربية إلى أن سيطرة حكومة صنعاء (الحوثيين) على المخا والساحل الغربي لليمن، ووقوع جزر حنيش الكبرى والصغرى في نطاق نفوذها، ستكون لها أبعاد دولية وإقليمية واسعة.
إذ أصبح بإمكان الحوثيين، وهم حلفاء لإيران، مراقبة السفن المارة عبر المضيق وإنشاء نقاط تفتيش، على غرار ما يحدث من جانب إيران في مضيق هرمز.
كما سيكون بإمكانهم، وفق هذه التقديرات، نشر شبكة من الرادارات ومنصات الصواريخ في الجزر، بما يمكنهم من التأثير في حركة الملاحة في البحر الأحمر عسكريًا، ومنع سفن دول لا يرغبون في مرورها أو تهديدها بالقصف، على غرار ما تفعله إيران في مضيق هرمز.
ومن ثم، قد تتمكن الجماعة من إخضاع الدول المعادية لحكومة الحوثيين للتهديد بمنع تجارتها وشحنات نفطها من المرور عبر المضيق، والتحكم بصورة مباشرة في حركة الملاحة، بعدما كان نفوذها يعتمد بدرجة أكبر على التهديد بإطلاق الصواريخ من مدن بعيدة.
ومن شأن ذلك أن يهدد مصالح إسرائيل بصورة مباشرة، إذ أكدت صحف إسرائيلية وإذاعة الجيش الإسرائيلي، في 19 سبتمبر/أيلول 2026، أن "الحوثيين يمكنهم حصار ميناء إيلات بعد سيطرتهم على مناطق الساحل الغربي لليمن حتى باب المندب".
كما سيكون بمقدور الحوثيين، وفق هذه الرؤية، إفشال مشاريع إسرائيل للتوسع في القرن الإفريقي، لا سيما في إقليم أرض الصومال الانفصالي، الموالي لإسرائيل، وضرب المصالح الإسرائيلية في المنطقة.
ولذلك، أطلق زعيم إقليم أرض الصومال، الرئيس عبد الرحمن محمد عبد الله، نداء استغاثة في 10 سبتمبر/أيلول 2026، أثناء زيارته واشنطن، قال فيه: إنه "يريد وجودًا عسكريًا إسرائيليًا في الإقليم بسبب تزايد التهديدات الإقليمية"، بحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت".
وقال: إن "بلاده ترحب بوجود عسكري إسرائيلي داخلها في المستقبل"، مقدرا أن "التعاون الأمني الوثيق يمكن أن يعزز الردع مع تزايد التهديدات حول القرن الإفريقي والبحر الأحمر".
كذلك، فإن سيطرة الحوثيين على ساحل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وإحكام نفوذهم على جزيرة بريم وذوباب، قد تمنحهم قدرة أكبر على تهديد شحنات النفط الخليجي والتجارة العالمية أو التأثير فيها، فضلًا عن إمكانية توفير ورقة ضغط لإيران إذا أرادت مواجهة الولايات المتحدة في مضيقي هرمز وباب المندب في الوقت نفسه.
ويقع باب المندب على الجانب المقابل من شبه الجزيرة العربية لمضيق هرمز، أحد المحاور الرئيسة للحرب الأميركية الإيرانية، ويبلغ عرضه نحو 29 كيلومترًا (18 ميلًا) عند أضيق نقطة فيه، ما يقصر حركة السفن على قناتين للملاحة، إحداهما للاتجاه القادم والأخرى للمغادر، وتفصل بينهما جزيرة بريم اليمنية، المعروفة عربيًا باسم ميون.
ومن شأن إغلاق هذا الممر أن يعزل دول الخليج المنتجة للنفط، وفي مقدمتها السعودية، في مجال الطاقة عن طرق الشحن الرئيسة، وذلك بعدما أغلقت إيران فعليًا مضيق هرمز، الذي يعد شريانًا بحريًا رئيسيًا لنقل إمدادات الطاقة بين آسيا وأوروبا.
كما يمثل مضيق باب المندب البوابة الجنوبية لقناة السويس، إذ يتعين على السفن المرور عبره للوصول إلى القناة من جهة الجنوب، وقد يجبر تعطل حركة الشحن فيه السفن على تغيير مسارها والإبحار حول رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا، ما يلحق أضرارًا بقناة السويس المصرية.
وسبق أن شن الحوثيون، أواخر عام 2023، حملة متواصلة من الهجمات على السفن في جنوب البحر الأحمر وباب المندب، تضامنًا مع فلسطين خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ما ألحق أضرارًا بحركة الملاحة عبر القناة وبالإيرادات المصرية منها.
ودفع ذلك حينها شركات شحن كبرى وشركات نفط، منها "هاباج لويد" و"إم إس سي" و"ميرسك"، وشركة النفط الكبرى "بي بي"، ومجموعة ناقلات النفط "فرونت لاين"، إلى تغيير مسارات سفنها بعيدًا عن قناة السويس، والإبحار حول القارة الإفريقية بدلًا من ذلك.
كما أن إحكام الحوثيين سيطرتهم على باب المندب قد يمنح حليفتهم إيران ميزة بالغة الأهمية في حربها مع الولايات المتحدة، التي شهدت بالفعل انخفاضًا حادًا في مرور شحنات الطاقة عبر مضيق هرمز، ما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بشدة.
وبحسب بيانات شركة "كبلر"، بلغ إجمالي كميات المنتجات النفطية التي مرت عبر باب المندب نحو 7 بالمئة من إنتاج النفط العالمي في يونيو/حزيران 2026.
ومن خلال توسيع سيطرتها على ساحل البحر الأحمر، تسعى جماعة الحوثيين إلى امتلاك ورقة ضغط جديدة على السعودية والولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق يرفع الحصار الأميركي عن ناقلات النفط الإيرانية في الخليج، بحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية، في 10 سبتمبر/أيلول 2026.
وزاد الحوثيون ضغطهم على الرياض باستهداف خط أنابيب النفط الخام بين الشرق والغرب في المملكة العربية السعودية، الذي أُنشئ بهدف الاستغناء عن الاعتماد على مضيق هرمز، فيما أظهرت صور الأقمار الصناعية "سنتينل-3" عمود دخان أسود ضخمًا يبلغ طوله نحو 100 كيلومتر فوق مسار خط الأنابيب.
وطرح ذلك تساؤلًا حول ما إذا كانت الرياض ستستعين بحلفائها في "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، التي وقعتها مطلع سبتمبر/أيلول 2026 مع تركيا وباكستان، وتنص على التزام الدول الثلاث بالدفاع المشترك في حال تعرض أي منها لهجوم، وسط ترجيح محللين غربيين صعوبة تورط أنقرة وإسلام آباد في الحرب.
وتشير تقديرات غربية وتقارير إعلامية أميركية إلى أن الطريقة الوحيدة لقلب موازين القوى ضد الحوثيين في الوقت الراهن تتمثل في انخراط السعودية بصورة أكبر وتفعيل اتفاقية مكة، لكن هناك شكوكًا كبيرة في قبول تركيا وباكستان التورط في الصراع، رغم تقارير عن تحذير باكستان لإيران من توسيع الحوثيين هجماتهم على السعودية.
كما زعم موقع "أكسيوس" الأميركي، في 11 سبتمبر/أيلول 2026، أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أجرى اتصالين بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، طالبه خلالهما بشن ضربات على الحوثيين بسبب اقترابهم من باب المندب، بيد أن ترامب رفض.
وهو ما يضع المملكة أمام خيارين: التورط في حرب موسعة وطويلة في اليمن، أو الاكتفاء برد محدود ودعم حلفائها اليمنيين بالوكالة، وهو الخيار الذي ترجحه آنا جاكوبس من معهد دول الخليج العربية، ومذكرة لمجموعة الأزمات الدولية، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية، في 10 سبتمبر/أيلول 2026.

سبب الانهيار.. وهل كانت هناك خيانة؟
مع تصاعد المواجهة بين الحوثيين، المدعومين من إيران في اليمن، من جهة، والقوات الحكومية من جهة أخرى، سعت الإمارات إلى بناء تشكيلات عسكرية محلية موالية لها، في إطار تنافسها على النفوذ والسيطرة على أجزاء من اليمن وموانئه وممراته البحرية. وكان من أبرز هذه التشكيلات «ألوية العمالقة»، إلى جانب قوات أخرى، بينها قوات «طارق صالح».
و"ألوية العمالقة" تشكيلات عسكرية أنشأتها أبو ظبي في الساحل الغربي لليمن، ويبلغ عددها نحو 15 لواء، يصل عدد أفراد اللواء الواحد إلى نحو ألف فرد، من يمنيين موالين لها، ونشرتهم في مناطق الساحل الغربي، وزودتهم بأسلحة حديثة، بحسب ما أوردته وكالة «الأناضول».
وجاء تشكيل هذه القوات بين عامي 2016 و2018، قبل أن تنهي الإمارات وجودها العسكري المباشر في اليمن عام 2019، على خلفية خلافات مع السعودية، وتترك وراءها تشكيلات يمنية محلية تعمل كقوة نفوذ لها، وتستخدمها لتعزيز حضورها السياسي والعسكري والاقتصادي في البلاد.
وشاركت هذه القوات في قتال الحوثيين ضمن المعسكر العسكري الموالي للحكومة المعترف بها دوليا، بعدما تمكن الحوثيون من السيطرة على صنعاء عام 2014، غير أن دورها تحول تدريجيا من مواجهة الحوثيين إلى حماية المصالح والنفوذ الإماراتي، لا سيما في المناطق الساحلية والموانئ.
وعقب تدخلها في اليمن تحت عنوان محاربة الحوثيين، وسعت الإمارات نفوذها عبر تشكيلات محلية موالية لها، وصولا إلى جزيرة سقطرى؛ حيث سيطرت القوات المدعومة منها على الجزيرة وطردت القوات الموالية للرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي في 21 يونيو/حزيران 2020.
وكانت السيطرة على الموانئ اليمنية إحدى الركائز الأساسية للإستراتيجية الإماراتية، إذ فرضت نفوذها على عدد من الموانئ والمنشآت الساحلية، بينها عدن، والمخا، والمكلا، والضبة، وبير علي، وبلحاف، ورودوم، وزوباب، والخوخة، والخوبة، وقنا، والنشيمة.
كما عملت على إنشاء ميناء جديد في المهرة بتكلفة تقدر بنحو 100 مليون دولار، بحسب ما أوردته صحيفة «ذا كرادل» في 24 مارس/آذار 2023.
ومن خلال السيطرة على هذه الموانئ والمناطق المحيطة بمضيق باب المندب، سعت أبو ظبي إلى تعزيز موقعها في واحد من أهم ممرات الشحن العالمية، ورفع مكانتها كلاعب إستراتيجي في التجارة البحرية الإقليمية والدولية.
وامتد نفوذ الإمارات كذلك إلى جزيرة عبد الكوري، ثاني أكبر جزر أرخبيل سقطرى، الواقعة بين خليج عدن والقرن الإفريقي، والتي تتمتع بأهمية إستراتيجية بسبب موقعها القريب من أحد ممرات الشحن الرئيسة بين أوروبا وآسيا، وبالقرب من باب المندب.
وأنشأت أبو ظبي، بالتعاون مع إسرائيل، قاعدة عسكرية في الجزيرة خلال ديسمبر/كانون الأول 2021، كما سرّعت العمل في القاعدة العسكرية والاستخباراتية منذ يوليو/تموز 2024، بحسب صحيفة «معاريف».
غير أن هذه المنظومة العسكرية والأمنية بدأت تتعرض لاختبار صعب مع اندلاع المعارك الأخيرة وسيطرة الحوثيين على مناطق عدة في الساحل الغربي في 10 سبتمبر/أيلول 2026.
ورغم أن ألوية العمالقة والقوات التي بنتها الإمارات حققت في مراحل سابقة تقدما ميدانيا على حساب الحوثيين، فإنها تحولت تدريجيا إلى قوة موازية للجيش الحكومي، الأمر الذي أسهم في تعدد مراكز القيادة، وتعميق الخلافات بين القوى المحلية المنضوية في المعسكر المناهض للحوثيين، وإعادة توجيه جزء من القدرات العسكرية من مواجهة الحوثيين إلى صراعات جنوبية وداخلية.
وبذلك أسهم تعدد التشكيلات المدعومة من أطراف إقليمية مختلفة في إضعاف بنية الجيش اليمني والمعسكر المناهض للحوثيين، وأوجد حالة من الانقسام في القرار العسكري، ظهرت آثارها بوضوح مع الهجوم الحوثي الأخير.
وعقب الهجوم المضاد للحوثيين واختراقهم معسكر خالد بن الوليد قرب مدينة المخا على ساحل البحر الأحمر، انسحبت قوات العمالقة، إلى جانب قوات حكومية، من مناطق حيس والخوخة، فيما انهارت خطوط الدفاع الحكومية بسرعة أمام تقدم الحوثيين.

قوات طارق صالح.. ضربة للمخا والساحل الغربي
ولم يقتصر الانهيار على ألوية العمالقة، بل نال أيضا قوات «طارق صالح»، المدعومة من الإمارات، وهي قوة تختلف تنظيميا عن العمالقة، لكنها تعمل ضمن شبكة التشكيلات اليمنية المناهضة للحوثيين والمدعومة إماراتيا.
وطارق صالح هو ابن شقيق الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح، وكان يتولى قيادة قوات الحرس الخاص، قبل أن يعيد بناء قوة عسكرية خاصة به عقب مقتل عمه على يد الحوثيين في ديسمبر/كانون الأول 2017.
وتعرف هذه القوة باسم «المقاومة الوطنية»، أو «حراس الجمهورية»، وتشكلت أساسا من ضباط وجنود سابقين في الحرس الجمهوري والأمن المركزي المواليين لعائلة صالح.
وكانت قوات طارق صالح، وهو عضو في مجلس القيادة الرئاسي اليمني ونائب لرئيس المجلس، تتمركز بصورة رئيسة في الساحل الغربي، خصوصا في منطقة المخا، وخاضت معارك عديدة ضد الحوثيين، لكنها انسحبت خلال المعارك الأخيرة، رغم كونها من أبرز القوى العسكرية المناهضة للحوثيين في الساحل الغربي.
ومنذ تأسيسها عام 2018، لعبت الإمارات دورا أساسيا في إنشاء قوات طارق صالح وتسليحها وتمويلها وتدريبها، وكانت إحدى أبرز التشكيلات المحلية التي اعتمدت عليها أبو ظبي في الساحل الغربي.
وتصف دراسة متخصصة نشرها موقع «جيمستون» الأميركي في 6 فبراير/شباط 2020 قوات طارق صالح بأنها تعتمد بدرجة كبيرة على الإمارات في التمويل والإمدادات، مشيرة إلى وجود إسناد عسكري إماراتي مباشر للعمليات التي قادها ضد الحوثيين عام 2018.
ومن هنا، شكلت سيطرة الحوثيين على المخا في 10 سبتمبر/أيلول 2026 ضربة كبيرة لقوات طارق صالح، وكذلك لألوية العمالقة، بتقدير أن التشكيلين يمثلان جزءا رئيسا من شبكة القوات المدعومة إماراتيا على الساحل الغربي.
وذكرت وكالة «رويترز» أن طارق صالح أصدر توجيهات لقواته المنتشرة على الساحل الغربي بالانسحاب لإعادة التجمع، وإنشاء مركز قيادة بديل في موقع آمن، في مؤشر على تراجع قواته أمام الهجوم الحوثي وتكبدها خسائر كبيرة.
وأثارت هذه الانسحابات المفاجئة تساؤلات واسعة بشأن أسبابها، وما إذا كانت تعكس مجرد إعادة انتشار عسكرية في مواجهة هجوم مباغت، أم أن وراءها تفاهمات أو ترتيبات داخلية لم تكشف تفاصيلها بعد.
وذهب بعض الكتاب والمحللين السعوديين إلى طرح فرضية الخيانة صراحة، من بينهم سليمان العقيلي، رئيس تحرير صحيفة «الوطن» السعودية السابق، الذي قال دون تسمية الإمارات: «المخا سُلّمت للحوثي في الليل الحالك هدية من دولة لأخرى بدون قتال!! تماماً مثلما حصل في صنعاء سبتمبر 2014!»، معتبرا أن الهدف هو «تطويق وتهديد السعودية ومصر من جهة».
كما طرح عدد من الكتاب والمحللين السعوديين تساؤلات مماثلة، بينهم الدكتور عواض القرني، الباحث في الإستراتيجية القومية الذي علق على أحداث الساحل الغربي متسائلا: «من خان من؟ وهل ما حصل هو خيانة أم خداع؟»، ومستغربا سقوط مدن ومواقع عسكرية بهذه السرعة.
وفي المقابل، ظهرت أصوات محسوبة على الإمارات عدت ما حدث نتيجة «فشل غير الإمارات» في المحافظة على الأراضي التي استعادتها القوات المدعومة من أبو ظبي من الحوثيين عام 2018.
كما انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي تسجيل مصور لطارق صالح وهو يأمر قواته بالانسحاب، وهو ما فسّره البعض باعتباره مؤشرا على «خيانة» من جانب قواته المحسوبة على الإمارات، فيما رأى آخرون أن الأمر مرتبط بخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وذهب بعضهم إلى عد الانسحاب نتيجة لتخلي السعودية عن القوات الحكومية.
وزادت تحركات القوات الموالية للإمارات من علامات الاستفهام حول أسباب الهزيمة، إذ بدأت قوات «درع الوطن» المدعومة مباشرة من الرياض، إلى جانب وحدات أخرى، بالانسحاب باتجاه الجنوب وقاعدة العند ومحيط عدن، عقب الهزائم التي تعرضت لها القوات الحكومية وتقهقرها أمام الهجوم الحوثي.
وتحدثت تقارير عن «منع أو عرقلة» القوات والتشكيلات المدعومة إماراتيا دخول القوات المنسحبة من الساحل إلى عدن، وعلى رأسها ألوية العمالقة الجنوبية وقيادات مرتبطة بأبو ظبي، وبينها اللواء حمدي شكري، الذي يقود تشكيلات كبيرة في المنطقة العسكرية الرابعة والساحل وباب المندب.
وربطت هذه التقارير بين تلك التطورات والخلافات بين محمد بن زايد ومحمد بن سلمان، مقدرة أن ما جرى قد يكون انعكاسا لصراع النفوذ بين أبو ظبي والرياض، في توقيت بالغ الحساسية، وأن منع القوات المنهارة من إعادة الانتشار جنوبا يمكن أن يمثل، في حال تأكده، «طعنة في الظهر» داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
تفكك القيادة.. العامل الأبرز في الانهيار
وفي المقابل، ترجح مصادر عسكرية أن اختلاف الفصائل الموالية للحكومة، وغياب قيادة عسكرية موحدة بينها، شكلا عاملا أساسيا في تسارع انهيار أنساقها أمام الهجوم الناري المكثف لقوات «أنصار الله» الحوثية.
وبحسب هذا التفسير، لم يكن الانهيار بالضرورة نتيجة خيانة منظمة، وإنما نتيجة تراكمات عسكرية وسياسية بدأت منذ سنوات، أبرزها تعدد مراكز القرار، وتضارب أجندات القوى المحلية، واعتماد كل تشكيل على داعم إقليمي مختلف، فضلا عن غياب غرفة عمليات موحدة قادرة على إدارة معركة واسعة ومفاجئة.
ومع إحكام الحوثيين الخناق على بعض الوحدات وسقوط طرق الإمداد والاتصال بينها، لجأت القوات إلى الانسحاب السريع، من دون أن تبدو لديها خطة جاهزة للتعامل مع انهيار خطوط الدفاع الأولى.
وعليه، فإن سؤال «الخيانة» يظل مطروحا في ظل الانسحابات المفاجئة وسرعة سقوط بعض المواقع، لكنه لا يمكن حسمه استنادا إلى التسجيلات أو المواقف المتداولة وحدها. أما المؤكد أن تفكك المعسكر المناهض للحوثيين وتعدد الولاءات ومراكز القيادة أوجد بيئة عسكرية شديدة الهشاشة، جعلت انهيار الجبهات أسرع بكثير مما كان متوقعا.
المصادر
- Houthis advance along Yemeni coast, threaten Saudi oil exports in the Red Sea
- Iran-backed Houthi rebels take strategic port city in Yemen, raising threat to Red Sea shipping
- Somaliland leader says he wants Israeli military presence amid growing regional threats
- Houthis seize key Yemeni port of Mocha in drive to take control of Red Sea coast
- Yemen’s Wildcard General—An Updated Profile of Brigadier Tariq Saleh
- Between Order and Chaos


















