جولة تصعيد في اليمن.. مكاسب متبادلة ومعركة تتجه نحو الساحل وباب المندب

مصطفى كمال | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تشهد الجبهات الغربية والجنوبية الغربية لليمن تصعيداً عسكرياً متسارعاً منذ الهجوم الحوثي الواسع في 3 سبتمبر/أيلول الذي أعاد تعز والساحل الغربي إلى واجهة الأحداث والتصعيد المتسارع.

وبينما بدأ التصعيد بهجوم حوثي استهدف مواقع القوات الحكومية، تحولت المعركة سريعاً إلى عمليات مضادة مدعومة بتعزيزات عسكرية وغارات جوية، بالتوازي مع نشاط عسكري في مأرب والجوف. ويطرح هذا المسار سؤالاً رئيساً: هل نحن أمام جولة استنزاف محدودة، أم بداية عودة تدريجية إلى حرب أوسع؟

هجوم 3 سبتمبر

بدأ الهجوم الحوثي فجر 3 سبتمبر على عدة جبهات من محافظة تعز جنوباً في مقبنة والطوير والأحطوب والكدحة والكويحة والبرح ومناطق باتجاه الوازعية، مستخدماً المدفعية والهاون والصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة المتوسطة والخفيفة. 

وتمكن الحوثيون من السيطرة على عدد من المواقع، بينها قهبان وجبل الشيخ سعيد وجبل نعمان في منطقة جبل حبشي بتعز، قبل أن تنتقل المواجهات إلى مناطق أوسع.

وبحسب المعطيات الميدانية، لم يكن الهجوم مجرد محاولة للاستيلاء على مواقع متقدمة، بل تحركاً ذا أهداف مترابطة، أبرزها تهديد طريق تعز–المخا، وفصل محور تعز عن قوات الساحل، وتشتيت الاحتياط الحكومي، وحماية الحديدة من أي تحرك مضاد. 

وهذا يفسر اتساع رقعة الهجوم منذ ساعاته الأولى؛ إذ حاول الحوثيون تحقيق اختراق بري يمكن أن يغير طبيعة خطوط التماس، وليس فقط تسجيل مكاسب تكتيكية محدودة. لكن سرعة استجابة القوات الحكومية بإعادة الانتشار واستقدام تعزيزات من الجيش وقوات الساحل وعدن حالت دون تحول الهجوم إلى اختراق حاسم.

معركة تعز–المخا

سرعان ما أصبحت الكدحة (تعز) محور المعركة الأكثر أهمية، ليس فقط بسبب المواقع التي تضمها، وإنما لموقعها الذي يربط مناطق جبل حبشي ومقبنة والوازعية بالطرق المؤدية إلى الساحل. وأفادت مصادر محلية بأن الحوثيين تمكنوا من الوصول إلى طريق تعز–المخا ونصب نقاط تفتيش في أجزاء منه. 

وتكمن أهمية ذلك في أن السيطرة على الطريق تمنح الحوثيين قدرة على الضغط على حركة القوات والإمدادات بين تعز والساحل، بينما يمثل البرح عقدة أخرى في هذا المسار، نظراً لارتباطه بالطرق المؤدية إلى الساحل الغربي والحديدة وحيس. 

لذلك دفعت القوات الحكومية بتعزيزات لاستعادة المواقع التي فقدتها في الكدحة ومقبنة، ومنع الحوثيين من تثبيت مواقعهم على طريق تعز–المخا. وترافق ذلك مع قتال عنيف ومحاولات للتقدم نحو مناطق أخرى، ما جعل السيطرة على المرتفعات والطرق الفرعية عاملاً حاسماً في تحديد مسار المعركة.

بمعنى آخر، فإن معركة تعز الحالية لا تدور حول قرى ومواقع معزولة بل حول الممر الذي يصل المدينة بالساحل، ومن ينجح في تثبيت نفوذه عليه يمتلك ورقة عسكرية مؤثرة في إدارة المعركة على امتداد الجبهة الغربية.

الهجوم المضاد

لم تكتف القوات الحكومية باحتواء الهجوم الحوثي، بل انتقلت إلى هجوم مضاد على أكثر من محور، ووصلت تعزيزات من ألوية العمالقة وقوات درع الوطن إلى الساحل الغربي وغرب تعز، بالتزامن مع عمليات في حيس ومناطق مجاورة للجرّاحي. وأعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع حول مفرق البرح والتقدم غرباً، بينما أعلنت السيطرة على حيس وتأمين المديرية. 

وفي الجنوب، حققت القوات الحكومية تقدماً في جبهة حيفان/تعز، حيث سيطرت على مرتفعات مثل الوَثْرة وسعيد طه وذيبان والخديرة والنجدين، وهي مواقع تشرف على طرق الإمداد والحركة بين جنوب تعز وشمال غرب لحج. 

لكن استعادة المبادرة لا تعني بعدُ تغييراً نهائياً في خريطة السيطرة، فالمعركة بقيت متحركة، والحوثيون ما زالوا يحتفظون بمواقع تمكنهم من الضغط على الطرق، فيما تحاول القوات الحكومية تحويل التعزيزات الجديدة إلى هجوم بري متصل يمتد من حيفان إلى مقبنة والكدحة والبرح وصولاً إلى الساحل.

وهنا تكمن نقطة الاختبار الأساسية: هل تستطيع القوات الحكومية الانتقال من رد الفعل إلى فرض إيقاع العمليات؟ فإذا تحولت التعزيزات إلى تقدم مستمر، فقد تتغير طبيعة الجولة أما إذا توقفت عند استعادة بعض المواقع، فقد تعود الجبهات سريعاً إلى نمط الاستنزاف.

الطيران الحكومي.. المتغير العسكري الأبرز

أبرز ما يميز الجولة الحالية هو الكثافة النسبية لاستخدام الطيران الحكومي. فقد نفذ سلاح الجو أكثر من 15 غارة على مواقع وتجمعات وآليات حوثية في تعز والساحل الغربي، مع تركيز على خطوط الإمداد ومناطق حشد التعزيزات. 

ويمثل ذلك تحولاً مهماً في طبيعة العمليات، فالغارات لا تكتفي بإسناد القوات على خطوط التماس، بل تمنحها قدرة على ضرب التعزيزات قبل وصولها إلى الجبهة، وهو ما قد يحد من قدرة الحوثيين على استثمار نجاحاتهم الأولية.

كما أن الجمع بين الطيران والمدفعية والطائرات المسيّرة يتيح للقوات الحكومية ممارسة ضغط واسع من دون الحاجة إلى دفع وحدات برية كبيرة في كل محور. لكن هذا التطور يحمل وجهاً آخر، فكلما توسع الاعتماد على القوة الجوية، ازدادت قدرة الطرفين على إبقاء المعركة مفتوحة على جبهات متعددة، بما قد يطيل أمد التصعيد بدلاً من حسمه سريعاً. 

مأرب والجوف.. هل يتوسع مسرح الحرب؟

لم تبقِ المواجهات محصورة في تعز والساحل، فقد شهدت مأرب والجوف بالتوازي استخداماً متزايداً للطيران المسيّر والغارات والمدفعية ضد مواقع وتحركات حوثية، فيما استهدفت الغارات في الجوف مواقع ومنشآت ومستودعات أسلحة وتحصينات داخل الحزم. 

لكن المعطيات المتاحة لا تشير إلى هجوم بري واسع أو تغير جوهري في خريطة السيطرة في هاتين الجبهتين، ويبدو أن الهدف في هذه المرحلة هو رفع الضغط على الحوثيين ومنع نقل التعزيزات أو استثمار التصعيد في تعز لفتح جبهات موازية.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن اتساع النشاط العسكري إلى مأرب والجوف يعني أن التصعيد لم يعد محصوراً في معركة تعز–الساحل، بل بدأ يأخذ شكل ضغط متزامن على أكثر من محور. ومع ذلك، لا يزال من المبكر عد ذلك بداية هجوم شامل.

الحوثيون ومحاولة استعادة المبادرة

في مقابل التفوق النسبي للطيران الحكومي، حافظ الحوثيون على أدواتهم في الصواريخ والطائرات المسيّرة، وشهدت المواجهات استخدام مسيرات، بينها طائرات مسيرة انتحارية موجهة بالألياف الضوئية، تمكنت القوات الحكومية من إسقاط اثنتين منها، إلى جانب تدمير زورقين مفخخين وإسقاط مسيرات أخرى. 

وتحدثت مصادر" شيبا انتلجنس"عن استعدادات حوثية محتملة لإطلاق صواريخ باليستية من مناطق في الحديدة باتجاه المخا والخوخة، مع احتمال استهداف منشآت عملياتية تستخدمها قوات المقاومة الوطنية والعمالقة، إلا أن المصدر نفسه شدد على عدم إمكانية التحقق بصورة مستقلة من جاهزية الصواريخ أو موعد إطلاقها. 

وتكشف هذه المعطيات عن محاولة حوثية لتعويض الضغط البري والجوي من خلال نقل جزء من المعركة إلى العمق، وتهديد المراكز التي تعتمد عليها القوات الحكومية في الساحل، وإذا تطور هذا النمط فقد تصبح المعركة أقل ارتباطاً بخطوط التماس وأكثر ارتباطاً بضرب مراكز القيادة والإمداد والحركة خلفها.

مكاسب الشرعية والحوثيين

رغم استمرار المعارك، بدأت ملامح المكاسب الميدانية لكل طرف تتضح، وتبدو استعادة القوات الحكومية والقوات المشتركة لمديرية حيس وتأمين مناطقها الريفية أبرز مكاسب الشرعية حتى الآن، بالتزامن مع استعادة مواقع في مفرق البرح والتقدم في محاور غرب تعز. 

وتكتسب حيس أهمية خاصة لأنها تمثل عقدة جغرافية تربط الساحل الغربي بمحافظات تعز وإب والحديدة، بما يجعل تثبيتها قاعدة يمكن البناء عليها باتجاه مناطق أوسع في جنوب الحديدة، وقد أعلنت القوات الحكومية بالفعل بدء التقدم باتجاه الجراحي (الحديدة)، ما يمنح هذا المحور أهمية تتجاوز حدود استعادة المواقع التي فقدت خلال الهجوم الحوثي.

لكن هذه المكاسب لا تعني أن الشرعية حسمت المعركة إذ لا تزال المرتفعات والممرات في غرب تعز، لا سيما حول الكدحة ومقبنة، تمثل عقدة أساسية في تثبيت خطوط التقدم وحماية الطريق الرابط بين تعز والمخا. 

لذلك فإن القيمة الحقيقية لتحرير حيس ستتحدد بقدرة القوات الحكومية على ربط التقدم في الساحل بما يجري في غرب تعز، وتحويل المكاسب المتفرقة إلى مسار عملياتي متصل.

في المقابل، لم يحقق الحوثيون حتى الآن مكسباً ميدانياً بحجم السيطرة المستدامة على مدينة أو تغيير خطوط السيطرة بصورة حاسمة، لكنهم حققوا مكاسب عملياتية مهمة، فقد وسعوا نطاق القتال، وأجبروا القوات الحكومية على توزيع احتياطاتها بين عدة محاور، وهددوا طريق تعز–المخا، وأظهروا قدرة على الجمع بين الهجوم البري والضغط بالصواريخ والمسيّرات.

وبذلك نجح الهجوم الحوثي في نقل المعركة من جبهات ثابتة إلى مساحة أوسع وأكثر كلفة على القوات الحكومية، حتى وإن عجز عن الاحتفاظ بجزء كبير من مكاسبه الأولى.

كما تشير مصادر عسكرية إلى أن الجماعة دفعت بعناصر إفريقية، بينهم مقاتلون من حركة الشباب الصومالية، إلى جبهات تعز والساحل الغربي، بما يكشف عن اتساع أدواتها في حشد المقاتلين. وبذلك نجح الهجوم الحوثي في نقل المعركة من جبهات ثابتة إلى مساحة أوسع وأكثر كلفة على القوات الحكومية، حتى وإن عجز عن الاحتفاظ بجزء كبير من مكاسبه الأولى.

وهنا يظهر البعد الإيراني بصورة أوضح فالضغط الحوثي لا يعتمد على التقدم البري وحده، بل على دمج الهجمات الأرضية بالقدرات الصاروخية والمسيّرة، بما يبقي العمق الحكومي والساحل الغربي تحت التهديد ويرفع كلفة تقدم القوات الحكومية.

وتكتسب معركة الساحل أهمية إضافية لاقترابها من باب المندب الذي يمثل ورقة ضغط إستراتيجية يمكن لإيران توظيفها عبر الحوثيين ضد الولايات المتحدة ودول الإقليم، وفي مقدمتها السعودية، فكلما حافظ الحوثيون على قدرتهم العسكرية قرب الساحل، زادت قدرتهم على تهديد الملاحة ورفع كلفة الضغط عليهم، ومن ثم، فإن معركة الساحل لا تتعلق فقط بالسيطرة على الأرض، بل أيضاً بمن يمتلك ورقة الضغط على أحد أهم الممرات البحرية في المنطقة.

جولة استنزاف أم حرب جديدة؟

لا تشير المعطيات الحالية إلى عودة اليمن إلى حرب شاملة، لكنها تتجاوز بوضوح نمط الاشتباكات المحدودة الذي ساد خلال فترات الهدوء، فالهجوم الحوثي أعقبه هجوم حكومي مضاد مدعوم بتعزيزات عسكرية واستخدام مكثف للطيران، بالتوازي مع اتساع الضغط إلى مأرب والجوف وظهور تهديدات بالصواريخ والمسيّرات. 

ويعني ذلك أن الجبهات دخلت جولة تصعيد أوسع، وإن لم تتحول بعد إلى حرب مفتوحة على مختلف خطوط التماس، ويظل محور الكدحة–مقبنة–البرح وطريق تعز–المخا مركز الثقل في هذه الجولة.

فسيطرة الحوثيين على المرتفعات المشرفة على الطريق وتثبيت مواقعهم فيها من شأنها أن تمنحهم قدرة أكبر على الضغط على خطوط الحركة والإمداد، بينما يمثل استعادتها بالنسبة للقوات الحكومية شرطاً أساسياً لتحويل الهجوم المضاد من رد فعل عسكري إلى تقدم منظم.

ومن هنا، فإن استعادة الحكومة عدداً من المواقع لا تعني بالضرورة استعادة زمام المبادرة بصورة كاملة فالمعيار الحاسم هو القدرة على تثبيت المكاسب، وتأمين خطوط الإمداد، وربط المحاور القتالية، ومواصلة الضغط على الحوثيين لفترة كافية لفرض تغيير في موازين الجبهة. 

كما أن حشد تشكيلات متعددة، بينها العمالقة ودرع الوطن، يعكس قدرة على التعزيز، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجود قيادة عمليات مشتركة قادرة على إدارة هجوم متعدد المحاور.

في المقابل، لم يتمكن الحوثيون حتى الآن من تحويل مكاسبهم الأولى إلى اختراق إستراتيجي حاسم، لكنهم نجحوا في توسيع رقعة القتال وفرض توزيع أوسع للقوات الحكومية وفتح أكثر من محور للضغط. 

لذلك فإن استمرار المعارك خلال الأيام المقبلة سيكون أكثر دلالة من نتائج الساعات الأولى، فإذا استقرت الجبهات عند حدود الكر والفر، فستبقى الجولة في إطار استنزاف عسكري موسع، أما إذا تمكن أحد الطرفين من تثبيت مكاسب ميدانية وتغيير خطوط الحركة والإمداد، فقد تتحول الجولة إلى مرحلة جديدة في مسار الحرب.

وعليه، فإن التصعيد الحالي يمثل اختباراً لقدرة القوات الحكومية على تحويل الحشد والتفوق الجوي إلى مكاسب ميدانية مستدامة، مقابل قدرة الحوثيين على استعادة مواقعهم ومنع تغيير ميزان الجبهة.

وحتى الآن، لا توجد مؤشرات كافية على حرب شاملة، لكن استمرار العمليات واتساع محاورها يجعلان هذه الجولة أكثر خطورة من جولات التصعيد السابقة، ويجعلان الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت ستنتهي باستنزاف متبادل أم تفتح مساراً جديداً لمواجهة شاملة.


المصادر