ثلاثة سدود تهز معادلة النيل.. هل تتجه مصر وإثيوبيا إلى صراع غير مباشر؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

بعد أقل من عام على الافتتاح الرسمي لسد النهضة، تعيد ثلاثة سدود إثيوبية جديدة قضية مياه النيل إلى واجهة التوترات بين القاهرة وأديس أبابا، وسط تساؤلات حول ما إذا كان البلدان يتجهان نحو جولة جديدة من الصراع على النهر.

السدود الجديدة

وتخطط إثيوبيا لبناء ثلاثة سدود كهرومائية إضافية على النيل الأزرق، في خطوة قد تضيف فصلا جديدا إلى أحد أطول النزاعات الجيوسياسية في إفريقيا، وذلك بعد أقل من عام على افتتاح أديس أبابا رسميا سد النهضة الإثيوبي الكبير في سبتمبر/أيلول 2025.

وأكد موقع "ذا ميديا لاين" الأميركي، في تقرير له، أن القضية بالنسبة لمصر مسألة أمن مائي وطني، بينما ترتبط بالنسبة لإثيوبيا بالسيادة وتوليد الكهرباء والتنمية الاقتصادية، وتتكشف هذه المواجهة في مشهد إقليمي مختلف كثيرا عن ذلك الذي بدأ فيه نزاع سد النهضة قبل أكثر من عقد.

وتحولت منطقة القرن الإفريقي إلى ساحة تتقاطع فيها سياسات النيل مع التنافس على الوصول إلى البحر الأحمر والموانئ والشراكات العسكرية والتوسع المتنامي لقوى الشرق الأوسط، إذ عززت مصر علاقاتها مع عدد من جيران إثيوبيا.

ولا يعني ذلك بالضرورة -وفق الموقع- أن القاهرة وأديس أبابا تتجهان نحو مواجهة عسكرية مباشرة، فالنمط الناشئ أقرب إلى ضغط دبلوماسي وتموضع إستراتيجي وتنافس محتمل بالوكالة.

وباتت التصريحات المصرية الأخيرة أكثر حدة، إذ تتمسك القاهرة بضرورة عدم المضي في مشاريع جديدة على المنبع من دون إخطار مسبق وتنسيق، بينما يرى مسؤولون إثيوبيون أن لبلادهم الحق في تطوير موارد مائية تنبع من أراضيها.

وتعتمد مصر على النيل في توفير كامل مياهها العذبة تقريبا، فيما يزود النيل الأزرق البلاد بنحو 85 بالمئة من المياه الواصلة إليها.

وصف أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية بالقاهرة، وليد كزيحة، "المرحلة الأخيرة بأنها خطيرة لكنها لا تزال محصورة إلى حد كبير في القنوات الدبلوماسية والقانونية".

وقال كزيحة لموقع "ذا ميديا لاين": إن رد الفعل المصري يقتصر على إصدار تصريحات تركز على المخالفات القانونية التي قد ينطوي عليها الإجراء الإثيوبي بموجب القانون الدولي، دون أي نبرة عسكرية مباشرة.

ورفض وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في 13 يوليو/تموز 2026، تقارير عن أعمال بناء أحادية إضافية على النيل الأزرق، قائلا: إن القاهرة تحتفظ بـ"حق الدفاع الشرعي عن النفس وفقا لقواعد القانون الدولي".

وأفاد مسؤول حكومي مصري لم يُكشف عن اسمه، لوكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية في 16 أغسطس/آب 2026، بأن القاهرة تملك "عدة وسائل" لحماية مصالحها في النيل، ولن تسمح لأي دولة بالتحكم في تدفق النهر نحو دول المصب.

زاوية مختلفة

وتنظر أديس أبابا إلى النزاع من زاوية سياسية وقانونية مختلفة جوهريا عن نظيرتها المصرية.

وقال الباحث الأول المتخصص في سياسات مياه النيل وتطوير الطاقة الكهرومائية بمعهد الشؤون الخارجية الإثيوبي، غاشاو أيفرام إنداي لالو: إن  أديس أبابا تعد تطوير النهر "حقا سياديا وضرورة اقتصادية".

وأضاف لموقع "ذا ميديا لاين"، أن إثيوبيا اقتصاد زراعي بالأساس، ما يجعل الأمن الغذائي وشح المياه وفقر الطاقة من أبرز مشكلاتها الرئيسة.

ودخلت اتفاقية الإطار التعاوني لحوض نهر النيل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2024، بعد تصديق ست دول عليها هي بوروندي وإثيوبيا ورواندا وجنوب السودان وتنزانيا وأوغندا.

وتنص الاتفاقية على مبادئ من بينها الاستخدام المنصف والمعقول للمياه، وتجنب الضرر الجسيم، وتبادل البيانات، والإخطار بالإجراءات المخطط لها، وتتوخى إنشاء مفوضية دائمة لحوض النيل.

ولم تصادق مصر والسودان على الاتفاقية، ما يعني عدم التزامهما بها، تاركا انقساما جوهريا بين تفسيري دول المنبع والمصب لإدارة النهر.

وقال غاشاو: إن اعتماد القاهرة على “لغة الحقوق المائية التاريخية والقائمة يقع في صميم الخلاف”. معتبرا أن "هذه المزاعم غير مقبولة لأن إثيوبيا لديها هي الأخرى مطالبات تاريخية وإقليمية مرتبطة بالنيل".

ورأى أن ملف النيل “قضية تنمية وسيادة، لا مسألة ينبغي النظر إليها حصرا من زاوية الأمن القومي”.

وأضاف أن التطويق الدبلوماسي والعسكري يمثل إحدى الإستراتيجيات التي تستخدمها مصر لعزل إثيوبيا. مشيرا إلى أن القاهرة تحاول بناء تحالف مع جيران إثيوبيا، وأن الأخيرة تفعل الأمر ذاته عبر تنويع شراكاتها.

إشارات ضبابية

ووصف غاشاو السياسة الخارجية الإثيوبية بأنها “متعددة المحاور”، قائمة على التعامل مع قوى إقليمية متنافسة مع تجنب الانضمام إلى تحالف رسمي موجه ضد مصر.

وقال إنه لا يعتقد أن حربا تقليدية مفتوحة ستندلع بين إثيوبيا ومصر لأسباب متعددة، مرجحا أن يتخذ الصدام شكل حرب أو منافسة بالوكالة بدلا من ذلك.

وتوقع غاشاو منافسة جيوسياسية بين البلدين عبر إفريقيا، وتنافسا على النفوذ في كل من البحر الأحمر ونهر النيل.

من جانبه، خلص كزيحة إلى استنتاج مشابه بشأن غياب خطر مواجهة مباشرة وشيكة، رغم اختلافه مع غاشاو في قراءة الإستراتيجية المصرية.

وأوضح أن المسألة، مازالت، تقتصر على تبادل تصريحات غير ودية، ولم تتجاوز ذلك إلى ما هو أخطر.

ورأى كزيحة أن مصر قد تسعى في نهاية المطاف إلى استقدام تدخل من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكبح طموحات إثيوبيا.

وقال: إن ترامب أرسل في الماضي إشارات مطمئنة إلى السيسي، لكنه لم يتخذ خطوات جدية نحو الوساطة.

وسبق للولايات المتحدة أن تدخلت في هذا الملف؛ إذ عقدت مصر وإثيوبيا والسودان مفاوضات في واشنطن خلال ولاية ترامب الأولى، بمشاركة وزارة الخزانة الأميركية والبنك الدولي بشأن ملء سد النهضة وتشغيله.

وأسفرت تلك المحادثات عن مسودة اتفاق وقّعتها مصر بالأحرف الأولى عام 2020، لكن إثيوبيا لم توقعها.

ووصف كزيحة المواجهة الحالية بأنها "حرب كلامية" قد تستدعي تدخلا أميركيا قبل أن تتفاقم.

وختم غاشاو بالقول: إن “تعدد المصالح المتنافسة حول النهر يرجّح بقاء الملف بين المواجهة والتعاون، دون أن يحسم لصالح أي منهما بشكل دائم”.

وأضاف أنه لا يعتقد أن الصراع سيطغى على التعاون، ولا أن التعاون سيطغى على الصراع، بل إن الصراع والتنافس والتعاون سيتعايشان معا في حوض نهر النيل.