السليمانيون وتجربة غولن.. أين تنتهي الجماعة الدينية ويبدأ التنظيم المغلق؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

فتحت قضية “عَليهان كوريش” والجماعة المعروفة باسم "السليمانيين" في تركيا، نقاشا يتجاوز التحقيقات الأمنية والمالية، ليصل إلى العلاقة بين الدين والمجتمع والمال والتنظيمات المغلقة.

ونشرت صحيفة "يني شفق" التركية مقالا للكاتب أرسين تشيليك، ذكر فيه أن “السؤال لم يعد متعلقا فقط بأشخاص جرى توقيفهم أو بشركات وأموال تخضع للتحقيق، بل يتعلق بطبيعة التحول الذي يمكن أن يصيب جماعة دينية عندما تنتقل من التعليم والتربية إلى بناء شبكة اقتصادية واجتماعية واسعة”.

شبكة اقتصادية

وأوضح الكاتب التركي أن “اسم السليمانيّين يرتبط بتقليد ديني وتعليمي كان قد بدأه سليمان حلمي تُوناهان في عشرينيات القرن الماضي، ثمّ استمر لعقود من خلال التعليم الديني والسّكنات الطلابية ودورات القرآن، لكن المشكلة بدأت عندما تحوّلت هذه البنية من إطار ديني وتعليمي إلى منظومة اقتصادية متكاملة”.

وأشار إلى أن "امتلاك المؤسسات الدينية لشركات أو مصادر دخل ليس مشكلة في حدّ ذاته، فَالمؤسسات تحتاج إلى الموارد حتى تستمر". 

واستدرك الكاتب: “لكنّ الخط الفاصل يظهر عندما يصبح النشاط الاقتصادي واسعا، إلى درجة يصعب معها الفصل بين العمل الديني والمصالح التجارية، أو عندما تتحول أموال التبرعات إلى جزء من شبكة اقتصادية لا يعرف المتبرّعون تفاصيلها”.

وأضاف “فالإنسان الذي يتبرع لمؤسسة دينية لا ينظر إلى أمواله بوصفها استثمارا، وإنما بوصفها مساهمة في عمل خيري أو تعليمي أو ديني، لذلك فإن استخدام الثقة الدينية لبناء قوة اقتصادية مغلقة يخلق مشكلة أخلاقية قبل أن تكون مالية”.

ورأى أن “الأمر يصبح أكثر وضوحا عندما يتحول الانتماء للجماعة إلى نمط اقتصادي متكامل. فهناك ادعاءات تفيد بأن أتباع المؤسسة يتسوقون من الشركات والمتاجر المرتبطة بالجماعة، والطلاب في السكنات والدورات يُوجهون إلى علامات تجارية محددة، لهذا فإن كل ليرة تُنفق داخل هذه الدائرة تزيد من قوتها الاقتصادية”. 

وتابع: “بذلك لا يعود الانتماء مجرد علاقة دينية، وإنما يصبح علاقة اجتماعية واقتصادية أيضا”.

"تجربة غولن"

وقال تشيليك: “يصعب النظر إلى هذه التطورات بعيدا عن تجربة فتح الله غولن؛ فقد مرت تركيا خلال العقود الماضية بتجربة تنظيم بدأ من المجال الديني والتعليمي، وبنى تدريجيا شبكة واسعة من المدارس والمؤسسات ووسائل الإعلام والعلاقات الاقتصادية، قبل أن يتضح حجم بنيته التنظيمية وصراعه مع الدولة، وصولا إلى محاولة الانقلاب في 15 يوليو/تموز 2016”.

ولفت إلى أن "هذه التجربة غيّرت نظرة المجتمع التركي إلى التنظيمات الدينية المغلقة، فقد أصبح الناس أكثر قدرة على التمييز بين التدين؛ بوصفه ممارسة دينية واجتماعية، وبين التنظيم الذي يستخدم الدين لبناء سلطة خاصة، لهذا لم يعد من السهل تقديم أي عملية تستهدف بنية تنظيمية على أنها (عملية ضد المتَدَيّنين)".

ونبَّه تشيليك إلى أن “المجتمع التركي الذي عاش تجربة 15 يوليو أصبح أكثر حساسية، تجاه استخدام الدين كوسيلة لحماية الأشخاص أو المؤسسات من الرقابة والمساءلة”.

واستدرك: “لكن عند المقارنة يتبيّن أن كل جماعة دينية لا تشبه بالضرورة جماعة غولن، ولا أن كل شخص ينتمي إلى جماعة دينية مسؤول عن تصرفات قيادتها”. 

غير أن هناك عدة تشابهات بين التنظيمين؛ مثل استخدام برامج مراسلة خاصة مثل "بايلوك"، والعثور على كُوريش في مخبأ سري داخل منزله، ثم وجود أجهزة مسجلة بأسماء أشخاص آخرين، كل هذه الأمور تشير إلى سرية الاتصالات التنظيمية.

بالإضافة إلى ذلك، تشتركان بهيكل الإمبراطورية الاقتصادية؛ فظهور 33 شركة، ووجود تحويلات نقدية تتجاوز 100 مليار ليرة داخل بنية تستند إلى مرجعية دينية، أثار الشكوك في أن هذه البنية دخلت مجالات أخرى وغير قانونية، إلى جانب تقديم التعليم الديني.

وقد وُجدت أيضا أنشطة لنقل الأصول إلى الخارج، فقيامهم ببناء مبنى جديد لـ"المقر العام" في مدينة كولونيا الألمانية، تبلغ قيمته 70 مليون يورو وتصل مساحته إلى 17 ألف متر مربع، كشف أن عليهان كوريش كان ضمن خطة لنقل أنشطته وأصوله إلى الخارج.

وقال تشيليك: إن "أبرز أحد القواسم المشتركة بالإضافة إلى ما سبق، هو استخدام الشرعية الدينية كغطاء، فالبنية التي تُدار بنظام هرمي ومنغلق أمام الخارج تستخدم شرعية التقليد الديني الذي يغذيها كغطاء لنشاطها، تماما كما استخدم فتح الله غولن حركة النور كغطاء".

الجدار العازل

واستدرك الكاتب أن الخطر الأكبر يبدأ عندما تتحول الجماعة إلى عالم منغلقٍ على نفسه، فالانغلاق لا يعني فقط الاحتفاظ بأفكار خاصة، وإنما يمكن أن يتحول إلى نظام حياة كامل.

فعندما لا يثق الأتباع إلا بأئمة من داخل الجماعة، ويرفضون التعامل مع الآخرين في بعض جوانب حياتهم، وينظرون إلى الجماعات الدينية الأخرى بصفتها أقل التزاما، تتسع المسافة بينهم وبين المجتمع تبدأ بالاتساع.

ثم يأتي الاقتصاد ليكمل هذا الانغلاق، شركات خاصة، متاجر خاصة، مؤسسات تعليمية خاصة، سكنات خاصة، وعلاقات اجتماعية داخلية، ومع مرور الوقت، يصبح الشخص المنتمي إلى الجماعة قادرا على الدراسة والعمل والتسوق وبناء العلاقات داخل الدائرة نفسها.

وهنا يتحول "الجدار" من فكرة إلى واقع، فالجماعة لا تعيش داخل المجتمع فقط، وإنما تبني مجتمعاً صغيراً داخل المجتمع الأكبر. وكلما اتسع هذا العالم الداخلي، أصبح الانتماء إليه أكثر قوة، وأصبح الخروج منه أكثر صعوبة.

وإن هذه البنية تثير قلقا أكبر، ذلك عندما تترافق مع السرية في الاتصالات، أو استخدام أجهزة مسجلة بأسماء أشخاص آخرين، أو وجود أماكن مخفية، أو إدارة هرمية لا يعرف تفاصيلها إلا عدد محدود من الأشخاص.

وإن السرية وحدها لا تثبت وجود نشاط غير قانوني، لكنها تصبح ذات دلالة، عندما تجتمع مع شبكة اقتصادية واسعة وتنظيم شديد الانغلاق. 

وأشار الكاتب إلى أن "الخسارة الأكبر التي تنتج عن هذه القضية هي خسارة الثقة، وليس الأموال". 

فعندما يكتشف شخص أنه تبرع لسنوات لمؤسسة كان يعتقد أنها دينية وتعليمية، ثم يكتشف أن الأموال ارتبطت بشبكة اقتصادية ضخمة، فإن ثقته لا تتضرر بالمؤسسة وحدها، بل يمكن أن تمتد شكوكه إلى مؤسسات دينية أخرى.

وهنا تكمن خطورة الأمر، فالمؤسسات الدينية تحتاج إلى ثقة المجتمع، لكنّ هذه الثقة لا يمكن أن تكون بديلا عن الشفافية، وكلما زاد حجم التبرعات والشركات والأصول، زادت الحاجة إلى كشف الحسابات، وتوضيح العلاقة بين النشاط الديني والنشاط الاقتصادي، وفق تشيليك.

وختم الكاتب المقال قائلا: إن “قضية كوريش تطرح سؤالا أكبر من كونها مصير شخص أو مجموعة شركات، وهو ماذا يحدث عندما تتحول الثقة الدينية إلى قوة اقتصادية مغلقة؟”

وأضاف "الجواب على ذلك يكمن في أن الجدار الذي يُبنى لحماية الجماعة من الخارج قد يتحول في النهاية إلى جدار يعزلها عن المجتمع، وكلما زادت الأموال والشركات والسرية والانغلاق، أصبح سقوط هذا الجدار أكثر تأثيرا".

وشدَّد تشيليك على أن "الجماعات والمؤسسات الدينية لا تحتاج إلى أن تقاس قوتها بحجم شركاتها أو قيمة عقاراتها أو مقدار الأموال التي تديرها، فقوتها الحقيقية تكمن في ثقة المجتمع بها، وهذه الثقة لا تستمر إلا بالشفافية والمساءلة والوضوح".