تحالف مع السعودية وباكستان وكسب الأكراد.. أردوغان يحقق 3 أهداف بحجر واحد

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

"بعد التحالف مع السعودية وباكستان ثم تمرير قانون "استمالة" الأكراد: هل يسعى أردوغان إلى تحقيق ثلاثة أهداف بحجر واحد؟"

بهذا التساؤل، استهلت صحيفة "ذا بيبر" الصينية تقريرها، مسلطة الضوء على سلسلة من التحركات التي اتخذتها تركيا خلال الفترة الأخيرة، متتبعة للخيوط التي تربط بين هذه الخطوات والأهداف التي تسعى تركيا إلى تحقيقها من خلالها، على المستويين الداخلي والإقليمي.

“تركيا بلا إرهاب”

في مساء 10 أغسطس/ آب 2026، أقر البرلمان التركي قانونا يتعلق بحزب العمال الكردستاني، واضعا إطارا قانونيا لنزع سلاح الحزب وعودة أعضائه إلى البلاد وإعادة دمجهم في المجتمع.

وبحسب التقرير، "تمثل تلك الخطوة التاريخية تقدما مهما في جهود الحكومة التركية لإنهاء صراعها المستمر منذ 47 عاما مع حزب العمال الكردستاني، والانتقال من مرحلة وقف إطلاق النار ونزع السلاح إلى مرحلة جديدة من التطبيع السياسي".

وتابع: "يعد هذا التشريع خطوة رئيسة في مساعي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتحقيق هدفه الإستراتيجي المتمثل في (تركيا خالية من الإرهاب)".

وفي الوقت نفسه، تعتقد الصحيفة أن هذه الخطوة "تنطوي على محاولة لاستمالة الحزب الكردي المؤيد للأكراد في البرلمان وتمهيد الطريق أمام أجندات سياسية داخلية حاسمة".

وإلى جانب ذلك، "تأمل تركيا أن يسهم القانون في تحسين علاقاتها مع جارتيها العراق وسوريا، بما يمنحها هامشا أوسع من المبادرة في إدارة الملفات الدبلوماسية والأمنية المحيطة بها".

من منظور تحليلي أوسع، أوضحت الصحيفة أنه "مع دخول عام 2026، أحدثت الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وإيران تحولات عميقة في المشهد الأمني للشرق الأوسط، الأمر الذي دفع القوى الإقليمية الرئيسة إلى التحرك تباعا".

وأردف: "ضمن هذا السياق، وقعت تركيا أولا اتفاقية دفاع مشترك مع المملكة العربية السعودية وباكستان، ثم أتبعتها بعد ثلاثة أيام فقط بإقرار تشريع "دمج" حزب العمال الكردستاني".

وفي مؤشر عده التقرير رأى أنها "لا تريد الاكتفاء بالمشاركة الفاعلة في التطورات الإقليمية، بل تسعى أيضا إلى إعادة تشكيل النظام الأمني في المنطقة".

ومع ذلك، يشدد على أن "تشريعا واحدا لن يكون كافيا لتسوية جميع الخلافات؛ إذ لا تزال أمام تركيا عقبات محتملة يتعين تجاوزها لتحقيق أهدافها الإستراتيجية الإقليمية الكبرى".

تجاوز مشروط

ويحمل القانون الذي أقرَّه البرلمان التركي اسم "قانون تعزيز التضامن الوطني والاندماج المجتمعي"، ويندرج في النظام القانوني التركي ضمن ما يعرف بـ"القانون الإطاري".

"ويقصد به التشريع الذي يحدد المبادئ العامة والأهداف الأساسية في مجال أو قضية معينة، بينما تترك التفاصيل الدقيقة وآليات التنفيذ والإجراءات الإدارية لتشريعات لاحقة"، بحسب التقرير.

ويتألف القانون من 12 مادة، تشمل في جوهرها حل حزب العمال الكردستاني والمنظمات المرتبطة به ونزع سلاحها، مع إخضاع هذه العملية لإشراف الجهات الحكومية المختصة واللجان البرلمانية المعنية. 

وبعد تأكيد مجلس الأمن القومي التركي، الذي يرأسه أردوغان، استكمال هذه الإجراءات ونشر إعلان رسمي بذلك في الجريدة الرسمية، تدخل الآليات المنصوص عليها في القانون حيز التنفيذ. 

وخلال ستة أشهر من نشر الإعلان، يحق لأعضاء حزب العمال الكردستاني الذين يستوفون الشروط التقدم بطلبات للعودة إلى تركيا من المواقع المرتبطة بالحزب في شمال العراق.

أما فيما يتعلق بمسألة "العفو"، وهي القضية التي تحظى بأكبر قدر من الاهتمام، تشير الصحيفة إلى أن "القانون لا ينص على عفو عام شامل، وإنما يقرر (تعليق تنفيذ مشروطا للعقوبة)".

وأردفت: "يستفيد أعضاء حزب العمال الكردستاني المحكوم عليهم بالسجن لمدة تقل عن 15 عاما من تعليق التنفيذ لمدة خمس سنوات، بينما يمنح المحكوم عليهم بالسجن لأكثر من 15 عاما أو بالسجن المؤبد فترة تعليق تبلغ عشر سنوات".

وبحسب القانون، إذا لم يرتكب هؤلاء خلال تلك الفترة أي جرائم مرتبطة بالإرهاب، تسقط الملاحقات القضائية ولا تستأنف الإجراءات ضدهم.

وعقّب التقرير: "يتضح من ذلك أن الحكومة التركية اعتمدت سياسة (التجاوز المشروط باختبار السلوك)".

وهي سياسة يقول التقرير إنها "لا تشمل جميع أعضاء الحزب دون استثناء؛ إذ يُستثنى من أحكام هذا القانون الجديد كل من صدر بحقه حكم نهائي بات قبل الأول من يونيو/ حزيران 2005 (تاريخ بدء العمل بقانون العقوبات التركي الحالي) في قضايا القتل العمد المحكوم فيها بالسجن المؤبد المشدد أو المؤبد العادي".

ومن ثم، تنوّه الصحيفة إلى أن "بعض القياديين البارزين في التنظيم الموجودين في السجون سيظلون غير قادرين على الإفراج عنهم، وفي مقدمتهم مؤسس الحزب وزعيمه الرئيس عبد الله أوغلان، الذي اعتقل عام 1999".

ومع ذلك، ترى أن "إقرار هذا القانون- بالنظر إلى الصراع المستمر منذ 47 عاما بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، وإلى مسار السلام المتعثر الذي شهد منذ عام 1993 موجات متكررة من التقدم والانتكاس- يمثل بلا شك محطة مفصلية ذات أهمية تاريخية".

مخرج قانوني

ويعد الأكراد رابع أكبر مجموعة عرقية في الشرق الأوسط؛ إذ يزيد عددهم على 30 مليون نسمة، وهم أقلية كبيرة في تركيا والعراق وإيران وسوريا، لكنهم لا يمتلكون دولة قومية خاصة بهم، ويشكلون نحو 15 بالمائة من سكان تركيا.

وتأسس حزب العمال الكردستاني في 27 نوفمبر/ تشرين الأول 1978، ويتخذ من شمال العراق؛ حيث إقليم كردستان، مقرا له.

ووفق التقرير، "سعى الحزب إلى إقامة دولة مستقلة باسم "كردستان" عبر العمل المسلح في المناطق ذات الغالبية الكردية الواقعة عند حدود الدول الأربع".

ودخل الحزب في جولات متعددة من الصراع مع الحكومة التركية أسفرت عن مقتل أكثر من 40 ألف شخص، فيما تصنفه تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي وبريطانيا واليابان، إلى جانب جهات أخرى، تنظيما إرهابيا.

وخلال هذه الفترة، أعلن حزب العمال الكردستاني وقف إطلاق النار من جانب واحد ثلاث مرات، في أعوام 1993، ومن 1995 إلى 1996، ومن 1999 إلى 2003.

واستدركت الصحيفة: "لكنه سرعان ما عاد في كل مرة إلى العمل المسلح".

وأشارت إلى أنه "مع حلول عام 2010 تقريبا، بدأ الطرفان اتصالات سرية بشأن عملية السلام، فيما تخلى الحزب رسميا عن هدف الانفصال وإقامة دولة مستقلة، وبدأ يسعى إلى تحقيق حكم ذاتي سياسي وثقافي في إطار الدولة التركية".

وتابعت: "شهدت الفترة بين عامي 2012 و2015 الانطلاق الرسمي لعملية السلام، لكن تداعيات الحرب الأهلية السورية، ولا سيما صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، قوّضت الثقة المتبادلة بين الطرفين، إذ اشتبه الأكراد في أن الحكومة التركية تغض الطرف عن تحركات داعش، بل وتسمح له بشن هجمات عابرة للحدود ضدهم".

واستطرد: "ومع استمرار تقلص المساحة المتاحة أمام حزب العمال الكردستاني لمواصلة العمل المسلح، وتغير الوضع السياسي في سوريا، وتزايد ميل إقليم كردستان العراق إلى دعم مسار السلام، فضلا عن إرهاق الأكراد العاديين من صراع لا يبدو أن له نهاية؛ عاد أفق المفاوضات إلى الظهور عام 2024".

ففي أكتوبر/ تشرين الأول 2024، بادر دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية، رابع أكبر حزب في البرلمان التركي والحليف السياسي لأردوغان، إلى "مد غصن الزيتون، داعيا أوغلان، الذي لا يزال في السجن، إلى إلقاء خطاب أمام البرلمان، إلا أن هذه الخطوة لم تتحقق فعليا". 

وبعد ذلك، عقد حزب المساواة والديمقراطية الشعبية، ثالث أكبر حزب في البرلمان والمؤيد للأكراد، ثلاثة لقاءات مع أوجلان تحت غطاء زيارته في السجن. 

وعقب اللقاء الثالث في فبراير/ شباط 2025، تلا أوغلان بنفسه رسالة خطية دعا فيها للمرة الأولى حزب العمال الكردستاني إلى إلقاء السلاح وحل نفسه.

وأوضحت الصحيفة أنه "بعد صدور موقف زعيم الحزب، تحرك حزب العمال الكردستاني بسرعة، فأعلن وقف إطلاق النار في مارس/ آذار 2025، ثم عقد مؤتمره الثاني عشر داخل العراق في مايو/ أيار، معلنا حل نفسه وإنهاء الكفاح المسلح".

وأفادت بأنه "في يوليو/ تموز، جدد أوغلان تأكيده التخلي عن هدف إقامة دولة مستقلة والدعوة إلى نزع السلاح في أقرب وقت، بينما نظم الحزب مراسم علنية أحرق خلالها أسلحته".

وبحسب التقرير، "فبعد هذه الخطوات التي اتخذها حزب العمال الكردستاني، بدأ البرلمان التركي العمل على تشريع لمعالجة القضية الكردية في مرحلة ما بعد الصراع".

ووفق وجهة نظره، "يمثل استكمال التشريع خطوة تضع نزع سلاح الأكراد وإعادة دمجهم في المجتمع التركي ضمن إطار واحد، كما تجيب عن سؤال يحظى باهتمام كبير لدى الأتراك والأكراد على السواء: كيف ينبغي التعامل مع أعضاء حزب العمال الكردستاني الذين ألقوا أسلحتهم، لكنهم ظلوا لفترة طويلة ينظر إليهم بوصفهم (إرهابيين)"؟

في هذا الصدد، يقدر التقرير أنه "للمرة الأولى، يحدّد القانون بوضوح مخرجا قانونيا يتيح لأعضاء الحزب العودة إلى الحياة المدنية".

باختصار، "إن مواجهة هذه القضية تتيح لطرفي الصراع الانتقال من وقف إطلاق النار ونزع السلاح إلى مرحلة جديدة تتمثل في الاندماج الوطني والتطبيع السياسي".

مكسب أم عبء؟

بالنسبة إلى أردوغان، ترى الصحيفة أن "التوقيت يبدو مناسبا لمعالجة قضية حزب العمال الكردستاني؛ إذ باتت الظروف مهيأة لتنفيذ إستراتيجية "تركيا خالية من الإرهاب"، كما يمكن أن تخدم هذه الخطوة أجندات سياسية داخلية أخرى".

مع ذلك، تعتقد أن "الحكومة التركية لا تزال بعيدة عن تحقيق "استيعاب" كامل لحزب العمال الكردستاني، كما أنه من غير الواضح ما إذا كانت عودة المجموعات الكردية إلى البلاد ستشكل مكسبا سياسيا لأردوغان أم ستتحول إلى عبء عليه".

وتناول التقرير هذه المكاسب المحتملة مشيرا إلى أن إنهاء المعضلة الكردية يعني أن حزب العمال الكردستاني "لم يعودوا يمثلون عبئا على الأمن الداخلي التركي، وهو ما يعني أنه بإمكان الحكومة تقليص وجودها العسكري في شمال العراق وتحسين علاقاتها مع الحكومة المركزية العراقية وحكومة إقليم كردستان".

وهو ما من شأنه أن "يساعد الحكومة الانتقالية السورية على دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تربطها علاقات تاريخية عميقة بحزب العمال الكردستاني، وإحكام سيطرتها على مناطق شمال وشرق سوريا"، وفق تحليله.

علاوة على ذلك، "إن تخفيف الضغوط المرتبطة بالسياسة الخارجية والأمن الحدودي في محيط تركيا، يعني أن الحكومة ستتمكن من التحرك دون انشغال بتهديدات في محيطها المباشر".

من جانب آخر، تقدر الصحيفة أن "التقرب من القوى الكردية أو المؤيدة للأكراد واستمالتها ينسجم أيضا مع المصالح السياسية لأردوغان".

وأوضحت مقصدها: "إذ ترددت في السنوات الأخيرة تكهنات واسعة بشأن رغبته في السعي إلى ولاية رئاسية ثالثة، غير أن تحقيق هذا الهدف بصورة قانونية، وفقا للنظام التركي الحالي، يتطلب دعم ثلاثة أخماس أعضاء البرلمان، أي 360 مقعدا".

وتابعت: "في الوقت الراهن، لا يملك تحالف الحكومة والقوى الداعمة له سوى نحو 331 مقعدا، ما يجعل موقف حزب المساواة والديمقراطية الشعبية المؤيد للأكراد عاملا حاسما في نجاح مشروع أردوغان أو إخفاقه".

والأكثر أهمية من ذلك، أن "أردوغان يستطيع تقديم نزع سلاح حزب العمال الكردستاني في إطار سردية مفادها أن "القومية الكردية قدمت تنازلا أمام القومية التركية"، بما يعزز شرعيته بصفته الزعيم الذي نجح، من خلال القومية التركية، في دمج الدولة وتوحيدها".

واستدركت: "غير أن الواقع لا يزال بعيدا عن هذه الصورة المثالية؛ إذ إن أي سوء في إدارة ما يمكن وصفه بـ"حسن النية المحدود" الذي تبديه الحكومة التركية تجاه حزب العمال الكردستاني قد يضع أردوغان أمام مأزق عدم إرضاء أي من الطرفين".

وعزت ذلك إلى أنه "المطالب الرئيسة لحزب العمال الكردستاني لا تزال دون استجابة، وفي مقدمتها الاعتراف بالهوية الكردية وضمان حقوق الأكراد في لغتهم وثقافتهم ومشاركتهم السياسية".

إلى جانب "منحهم حكما ذاتيا محليا في إطار القانون، وضمان عدم سجنهم بسبب آرائهم أو مواقفهم السياسية".

في الوقت ذاته، ذكرت الصحيفة أن الأكراد "ينتظرون من الحكومة الإفراج عن أوغلان، بِعدّ ذلك خطوة أساسية لإظهار حسن نيتها".

ونوهت إلى أنه "بسبب انعدام الثقة في الحكومة التركية، ينظر بعض أعضاء حزب العمال الكردستاني إلى هذه الضمانات القانونية بوصفها شرطا مسبقا لحل التنظيم وإلقاء سلاحه".

من ناحية أخرى، ذكر التقرير أن "الحكومة التركية تصر على أن ينزع حزب العمال الكردستاني سلاحه أولا، قبل الانتقال إلى مناقشة قضايا الحقوق والاندماج في المجتمع التركي".

وعليه، أشارت إلى أن "التشريع البرلماني لم يستجب لمطالب حزب العمال الكردستاني، واقتصر على معالجة المسائل الأولية المرتبطة بعودة أعضاء التنظيم".

"ويظهر ذلك بوضوح حين أصدر حزب العمال الكردستاني -قبل يوم واحد من إقرار القانون- بيانا اعترض فيه على بعض بنوده، معربا عن خشيته من أن "الكثير من أحكام القانون ستبقى حبرا على ورق"، وهو ما يعكس إدراك الطرفين بأن ما جرى لا يمثل سوى بداية معالجة المشكلة"، بحسب وصفها.

على الجهة المقابلة، تعتقد الصحيفة أن أردوغان "يخشى أن يؤدي الإفراط في استرضاء الأكراد إلى رد فعل عكسي في الأوساط السياسية والمجتمعية التركية".

وعزت ذلك إلى أنه "في ظل المشاعر القومية التركية التي عززتها سياسات الحكومة، يساوي بعض الأتراك ببساطة بين السلام و(التنازل لحزب العمال الكردستاني)".

في هذا السياق، ذكرت أن "استطلاعات رأي أجرتها جهات عدة خلال عام 2025، أظهرت أنه رغم تأييد أكثر من نصف الأتراك لمبادرة السلام التي تقودها الحكومة تحت شعار "تركيا خالية من الإرهاب"، فإن المواقف تختلف بصورة حادة بين المعسكرات السياسية، فيما يعارض أكثر من 40 بالمائة من الأتراك منح الأكراد حقوقا لغوية وثقافية".

واستطردت: "في الواقع، ظهرت بوادر هذه الانقسامات خلال عملية إقرار التشريع؛ إذ شهد البرلمان 12 ساعة من النقاش الحاد قبل التصويت".

ورأى موسافات درويش أوغلو، زعيم حزب الجيد المعارض للقانون، أن التشريع لا يخدم سوى مساعدة أردوغان على البقاء في السلطة، ولا يعود بأي فائدة على الدولة.

منطق موحد

على الصعيد الإقليمي، أشارت الصحيفة إلى أن تركيا "تسعى إلى إعادة تشكيل النظام الأمني الإقليمي".

وقالت: "نشطت أنقرة خلال الفترة الأخيرة بصورة ملحوظة في مجالي الأمن الإقليمي والدبلوماسية؛ إذ استضافت في 6 و7 يوليو/ 2026 قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، في إطار ما يمكن وصفه بـ(دبلوماسية الأرض)".

وتابعت: "وفي 7 أغسطس/ آب، توجه أردوغان إلى مدينة مكة في السعودية؛ حيث وقعت تركيا والسعودية وباكستان “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” التي تشبه آليتها نظام الدفاع الجماعي في حلف شمال الأطلسي".

وأردفت: "وبعد ثلاثة أيام، أقرّت تركيا تشريعا بشأن القضية الكردية، وهي إحدى أكثر القضايا حساسية في الشرق الأوسط".

ويقدر التقرير أنه "رغم أن هذه التطورات تبدو أحداثا مستقلة، فإنها تعكس جميعها منطقا موحدا يحكم الإستراتيجية التركية الشاملة للأمن الإقليمي".

وبحسبه، "تستند هذه الرؤية إلى التحولات التي أفرزتها الحرب بين أميركا وإسرائيل وإيران، والتي فاقمت حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط وأضعفت البنية الأمنية الإقليمية القائمة".

فضلا عن أن "تصاعد الشكوك بشأن مدى موثوقية الولايات المتحدة بوصفها "مظلة أمنية" تقليدية للمنطقة، عزز لدى دول الإقليم إدراك أهمية (الاستقلال الأمني)".

"وفي ظل هذه الخلفية، تجد القوى الإقليمية الرئيسة نفسها، سواء بإرادتها أو بحكم الظروف، مضطرة إلى تحمل مسؤوليات أكبر واتخاذ خطوات عملية"، قالت الصحيفة.

وأكملت: "وينطبق ذلك بصورة أوضح على تركيا التي تسعى إلى نقل مفهوم "تركيا الخالية من الإرهاب" من نطاقها الداخلي إلى المستوى الإقليمي، في محاولة للارتقاء من مجرد مشارك رئيس في الأمن الإقليمي إلى أحد أبرز صانعيه".

وحتى قبل إقرار القانون في البرلمان، رأى خبير السياسة الخارجية التركي بوراك جان جيليك أن "هذه الخطوة يمكن أن تتيح لأنقرة تحرير مواردها الاستخباراتية والاقتصادية من الانشغال بالحملات "المناهضة للإرهاب"، وتوجيهها نحو أولويات أخرى في الشؤون الإقليمية".

وإلى جانب تعزيز أمن جبهتها الداخلية وتحسين علاقاتها مع العراق وسوريا، يعتقد التقرير أن "تسوية الملف الكردي ستمنح الحكومة التركية هامشا أوسع للمناورة وتعزيز قدرتها على التأثير في قضية (قسد)". 

انطلاقا من ذلك، أشارت الصحيفة إلى تصريح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الذي تحدث فيه عن ضرورة توسيع عضوية اتفاقية مكة، مشيرا إلى أن مصر مرشحة بقوة للانضمام إليها في المرحلة التالية.

وهو ما عدته الصحيفة إشارة إلى أن "هذا الإطار الإقليمي للأمن المستقل قد يضم القوى الرئيسة في الشرق الأوسط، وأن أنقرة أحد أبرز المشاركين في إعادة تشكيل النظام الأمني الإقليمي".

بل ولفتت إلى أن "وجود باكستان في الاتفاقية وسع نطاق التأثير الإستراتيجي والأمني لتركيا، بما أدى إلى امتداد نفوذها إلى منطقة جنوب آسيا".

"ومع توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين الدول الثلاث، يظلّ التساؤل قائما حول ما إذا كان الشرق الأوسط سيشهد ولادة مركز قوة جديد"، قالت الصحيفة.

واستدركت: "لكن الأكيد هو أن أنقرة لن تحصر نفسها في إطار اتفاقية واحدة، ولن تسعى إلى إيجاد "نسخة إسلامية من الناتو" بديلة عن حلف الناتو التقليدي".

وتابعت: "تتمتع تركيا بموقع جيوستراتيجي حاسم يتيح لنفوذها الوصول إلى البحر المتوسط، وشرق وجنوب أوروبا، والبحر الأسود، والقوقاز، وغرب آسيا".

ومن ثم، تقدر أن "اعتماد تركيا اتفاقية مكة كـ"مكمل" لعضويتها في حلف الناتو قد يخلق أثرا ردعيا أكبر على الدول الواقعة خارج هذا الإطار، بما في ذلك أطراف الصراع الأميركي الإسرائيلي الإيراني المشتعل".

واستطردت: "فقد أكدت إيران في 10 أغسطس/ آب أنه "لا يوجد سبب يدعو إلى القلق من الاتفاقية"، في حين أحدثت الاتفاقية "صدمة قوية" داخل إسرائيل، حيث برزت مخاوف خاصة من انهيار المكاسب التي حققتها (اتفاقيات أبراهام)".

من جانب آخر، ترى الصحيفة أنه "إلى جانب الهواجس الأمنية المحضة، تتضمن تحركات أنقرة حسابات اقتصادية دقيقة".

وأردفت: "فمشروع "طريق التنمية"، الذي تقوده تركيا والعراق، يهدف في الأساس إلى تعزيز الترابط الإقليمي، ودفع التكامل الاقتصادي، وربط أسواق الشرق والغرب، واستغلال إمكانات النمو الاقتصادي الكامنة في المنطقة بصورة أكبر".

ووفقا لها، "تتطلب مشروعات خطوط نقل النفط بين تركيا وسوريا، إلى جانب شبكات الطرق السريعة والسكك الحديدية بين عدة دول؛ تأمين الحدود التركية السورية العراقية كشرط أساس، فضلا عن تجنب اندلاع حرب إقليمية شاملة".

وبعبارة أخرى، "لا ينفصل الأمن عن التنمية المستقلة؛ إذ يعتمد كل منهما على الآخر، وهي حقيقة تدركها جميع دول المنطقة".

ومن هنا، لفتت إلى أن "القضية الكردية تتجاوز حدود الشأن الداخلي لدولة واحدة، كما أن التحركات التركية الأخيرة لا يمكن النظر إليها بوصفها تطورات داخلية معزولة".

في نهاية المطاف، تشدد الصحيفة إلى أنه "بغض النظر عن الدوافع المتعددة، فإن إحراز تقدم ملموس في مسار السلام بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يحمل دلالات إيجابية للدول المجاورة ولمنطقة الشرق الأوسط بأكملها".

ومع ذلك، نوهت إلى أنه "كما هو الحال مع القضايا الحساسة الأخرى في المنطقة، دخلت القضية الكردية لتوها مرحلة أكثر تعقيدا".

واختتمت قائلة: "وفي ظل تشابك الصراعات المشتعلة حاليا، ستواجه جميع الأطراف اختبارا حقيقيا لحكمتها وقدرتها على التعامل بحذر وثبات مع هذه المرحلة".