ذهب وعقارات وتحويلات بالمليارات.. ماذا تكشف تحقيقات كوريش في تركيا؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تكشف التحقيقات القضائية التركية بشأن "تنظيم عليهان كوريش" عن شبكة مالية وتنظيمية واسعة، تشمل أموالا وعقارات وشركات وتحويلات خارجية، وتزداد حساسية القضية مع ما تثيره التحقيقات من أوجه تشابه هيكلية مع “تنظيم غولن”، فيما تبقى النتائج رهن المسار القضائي.

ونشرت صحيفة "حرييت" التركية مقالا للكاتب نديم شينير، تحدّث فيه عن التحقيقات التي تجريها النيابة العامة في أنقرة، بحق ما وصفته النيابة بـ"تنظيم عليهان كوريش الإجرامي" الهادف إلى تحقيق مكاسب مالية، وقد تمّ تصنيف هذه القضية بأنها تتجاوز مجرد مخالفات مالية محدودة. 

وقال الكاتب التركي: إن |حجم الأموال المضبوطة، والتحويلات إلى الخارج، وعدد العقارات والشركات، إلى جانب اتهامات تتعلق بإتلاف الأدلة ومحاولات الاختباء، كلها تشير إلى وجود شبكة مالية وتنظيمية واسعة ومعقدة".

وأضاف أن القضية تكتسب أهمية خاصة، وذلك بسبب ارتباطها بالجماعة المعروفة باسم "السليمانيون"، وهي جماعة دينية واجتماعية لها حضور داخل تركيا وخارجها، إلا أن التحقيق يركز تحديدا على المجموعة التي يقودها عليهان كوريش، والتي تتهمها النيابة بإدارة تنظيم يهدف إلى تحقيق مكاسب مالية غير مشروعة.

وتابع: “بهذه القضية تكثر التساؤلات حول العلاقة بين الجماعات الدينية والمال والنفوذ، وحول مدى إمكانية تحول المؤسسات والشبكات الاجتماعية عندما تتسع أنشطتها الاقتصادية، فتبدأ بالعمل بدرجة عالية من السرية، وتتحوّل إلى هياكل يصعب تتبع مصادر أموالها وطريقة إدارتها”.

تجاوز الحدود

وأوضح الكاتب شينير أن القضية بدأت تأخذ أبعادا أكثر خطورة، وذلك بعد العملية الأمنية التي استهدفت عشرات الأشخاص المرتبطين بالتحقيق، فقد تمّ توقيف 32 شخصا، بينهم عليهان كوريش، بينما فرضت تدابير قضائية على آخرين، من بينها الإقامة الجبرية ومنع السفر.

وبحسب ما نُشِرَ عن القضية، فقد كان العثور على كُوريش مختبئا داخل مقصورة سرية، بالإضافة إلى العثور على وثائق متلفة مرتبطة بالتنظيم، من أكثر التفاصيل التي عززت شكوك النيابة بشأن احتمالية محاولة إخفاء الأدلة أو عرقلة التحقيق.

لكن الجانب الأكثر إثارة للانتباه تمثّل في حجم الأموال والممتلكات المضبوطة؛ فقد عثرت السلطات على سبائك ذهبية مجهولة المصدر تقدر قيمتها بنحو مليار و403 ملايين ليرة تركية، إضافة إلى مبالغ كبيرة بالدولار واليورو.

بينما تمّ العثور على 206 سبائك ذهبية، إضافة إلى 358 ألف دولار و102 ألف يورو، فضلا عن أسلحة غير مرخصة في مستودع تابع لشركة "يِلمازلار كيميا"، وهي شركة بعيدة كل البعد عن مجال تجارة الذهب أو المجوهرات أو حتى الأسلحة.

كما عُثر في منزل مشتبه به آخر على عدد كبير من الأسلحة، وتمّ مصادرة مبالغ من العملات الأجنبية في مواقع أخرى أيضا، يقول شينير.

هذه المعطيات تطرح سؤالا أساسيا حول طبيعة النشاط الاقتصادي للشبكة؛ فوجود شركات ذات رؤوس أموال ضخمة دون معاملات تجارية واضحة، إلى جانب تخزين الذهب والعملات الأجنبية في مواقع لا ترتبط بطبيعة هذه الأنشطة، يثير شبهات حول مصدر الأموال والهدف من استخدامها.

وأضاف الكاتب أن أخطر المسائل في هذا التحقيق هي نقل الأموال خارج تركيا، فبحسب فحوصات هيئة التحقيق في الجرائم المالية التركية "مَاساك"، جرى تحويل أموال مجهولة المصدر، تقدر قيمتها بنحو 100 مليار ليرة تركية إلى الخارج.

كما تشير التحقيقات إلى أن النشاط لم يكن محصورا داخل تركيا، بل امتد إلى شبكة من المؤسسات والعلاقات الخارجية؛ حيث تمّ الكشف عن بناء مركز متعلّق بالتنظيم في ألمانيا، والذي بلغت كلفته نحو 70 مليون يورو.

بالإضافة إلى ذلك، فقد تم رصد تحويلات تجاوزت 8 مليارات ليرة تركية إلى الخارج من شركة واحدة، وكانت السعودية والإمارات من أبرز الوجهات المرتبطة بحركة الأموال هذه، إلى جانب تحويلات أخرى إلى إسرائيل.

وأشار الكاتب إلى أن هذه التحويلات المالية الخارجية لا تعني بحد ذاتها وجود نشاط غير قانوني، لكن التحقيق يركز على مصدر الأموال وطبيعة الشركات التي أجرتها، ومدى وجود نشاط اقتصادي حقيقي يبرر حجم هذه التدفقات. 

وقد تمّ تحديد 191 عقارا مسجلا باسم أفراد من عائلة كوريش، وهو ما يكشف عن حجم الإمكانات الاقتصادية المتراكمة حول المجموعة ويضعها محل التحقيق.

استغلال الثقة

بناء على التحقيقات، تمّ توجيه اتهامات حساسة لهذه الجماعة متعلقة بجمع الأموال باسم الأضاحي، حيث جرى جمع مبالغ من المواطنين الراغبين في تنفيذ شعيرة الأضحية، مقابل 120 دولارا للأضاحي خارج تركيا و500 دولار داخل البلاد، لكن التحقيق يشير إلى أن عشرات الآلاف من الأضاحي التي جُمعت أموالها لم يتم تنفيذها فعليا.

وتكمن خطورة هذه النقطة في أن القضية، إذا ثبتت قضائيا، لا تتعلق بخسائر مالية فقط، بل باستغلال الثقة والمشاعر الدينية لجمع الأموال، فالمتبرع يقدّم ماله على أساس أن الجهة التي يتعامل معها ستنفذ الشعيرة أو النشاط الخيري الذي أعلنت عنه، وأي تلاعب بهذه الثقة يمنح القضية بعدا اجتماعيا وأخلاقيا يتجاوز الجانب المالي.

وذكر الكاتب أن مذكرة الإحالة التي أعدتها النيابة العامة توضّح أن السرية كانت جزءا أساسيا من طريقة عمل التنظيم؛ إذ أشارت إلى وجود هياكل وتنظيمات في بعض الدول، وتحويل جزء من الأموال التي يشتبه بأنها غير مشروعة إلى الخارج.

كما تحدّثت النيابة عن محاولات للفرار والاختباء وإتلاف الوثائق، مقدرة أن الإفراج عن بعض المشتبه بهم قد يؤدي إلى هروبهم أو إخفائهم للأدلة أو التأثير في الشهود.

وقد كانت النقطة الأكثر لفتا للانتباه هي أن عددا من البلاغات والشكاوى جاء من أشخاص يعرفون المشتبه بهم، بل إن بعضهم ينتمي إلى الجماعة المرتبطة بـ"السليمانيين" نفسها. 

وهذا يعني أن القضية لا تبدو مجرد مواجهة بين الدولة وجماعة دينية، بل تكشف أيضا عن انقسام داخلي، فقد يكون ظهور هذه البلاغات مؤشرا على وجود خلافات حول طريقة إدارة الجماعة وأموالها، أو على رفض بعض أعضائها للأنشطة التي تتهم القيادة بممارستها.

لهذا رأت النيابة أن الإفراج عن المشتبه بهم قد يفتح المجال لممارسة ضغوط على المبلغين والشهود، خصوصا أنهم ينتمون إلى البيئة الاجتماعية والدينية نفسها.

مقارنة "تنظيم غولن"

ولفت الكاتب النظر إلى أوجه التشابه بين تنظيم عليهان كوريش الإجرامي، الهادف إلى تحقيق مكاسب مالية، وبين تنظيم فتح الله غولن، المصنف كتنظيم إرهابي من قبل السلطات التركية.

وأشار إلى أن التشابه لا يقتصر على النشاط المالي، بل يمتد إلى البنية التنظيمية، مثل الهيكل الهرمي، ومسؤولي المناطق والأقاليم، ونظام اللجان، ووسائل الاتصال المغلقة، إضافة إلى وجود شبكات خارج تركيا.

وقال شينير: إن التحقيقات مستمرة في مزاعم تتعلق باستخدام برامج خاصة لحفظ معلومات العاملين، وأنظمة بريد إلكتروني مشفرة، وتجنب استخدام تطبيقات مثل واتساب وفيسبوك، مع نقل بعض التعليمات عبر أشخاص يطلق عليهم اسم "الرسل". 

وشدد على أن كل هذه التفاصيل تحمل حساسية كبيرة في تركيا بسبب تجربة الدولة مع “تنظيم غولن”؛ فمنذ محاولة الانقلاب عام 2016، أصبحت السلطات أكثر حذرا تجاه التنظيمات التي تجمع بين النشاط الديني والتعليمي والاقتصادي، وتمتلك في الوقت نفسه هياكل مغلقة وشبكات تمويل واسعة.

واستدرك الكاتب بأن التحقيقات الجارية تكشف أن القضية لم تعد مرتبطة بشخص عليهان كوريش وحده، بل بشبكة أوسع تضم شركات وعقارات وتحويلات مالية وعلاقات خارجية، إلى جانب اتهامات تتعلق باستخدام الغطاء الديني في جمع الأموال.

كما أن احتمال تنفيذ موجات جديدة من العمليات يشير إلى أن التحقيق لم يصل بعد إلى جميع أبعاد الشبكة. وستكون المرحلة المقبلة مهمة، وذلك لتحديد ما إذا كانت الأموال والعقارات والشركات المضبوطة تشكل بالفعل منظومة واحدة مترابطة، ولتحديد طبيعة النشاط الذي كانت تمارسه خارج تركيا.

ولفت الكاتب النظر أيضا إلى أن القضية تعكس مشكلة أوسع، تتعلق بضرورة الفصل بين النشاط الديني والاجتماعي المشروع، وبين أي نشاط قد يستخدم الدين أو الثقة المجتمعية كغطاء لتحقيق مصالح مالية أو تنظيمية.

فما كان يبدو، بحسب ما تكشفه التحقيقات، مجرد شبكة دينية وتعليمية، تحول إلى ملف يجمع بين الذهب والشركات والعقارات والتحويلات الدولية والاتصالات السرية والصراعات الداخلية.