في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.. كيف تهدد السعودية مصالح الإمارات وإسرائيل؟

"قد تكثف إسرائيل حضورها غير المباشر، بينما ترى أديس أبابا في التطورات نوعا من الحصار"
في 30 يوليو/ تموز 2026، أعلنت السعودية تشكيل تحالف متعدد الجنسيات للأمن البحري، يهدف إلى حماية حرية الملاحة وتأمين خطوط التجارة الدولية وتدفقات الطاقة في مناطق البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.
وجاء الإعلان عقب اجتماع شارك فيه ممثلون عن 43 دولة والاتحاد الأوروبي؛ حيث وقعت 14 دولة على بيان دعم للمبادرة، فيما تتولى الرياض قيادة التحالف واستضافة مقره.
ووفقًا لـ"معهد تحليل العلاقات الدولية الإيطالي" (IARI)، فإن هذه الخطوة تأتي في سياق إقليمي متوتر؛ إذ أعلن الحوثيون قبل أيام من تشكيل التحالف فرض حصار بحري على السعودية، ونفذوا هجمات استهدفت سفنا مرتبطة بالمملكة، بينما ردت الرياض بضرب مواقع عسكرية في الحديدة. ويرى المعهد أن هذه التطورات تمنح المبادرة بعدًا تصعيديًا، رغم تأكيد السعودية أنها دفاعية بحتة وغير موجهة ضد أي دولة بعينها.
وفي السياق نفسه، يشير المعهد إلى أن إسرائيل والإمارات وإثيوبيا تعد من الأطراف المعنية بالتطورات الجديدة، مقدرا أن التحالف "لا يقتصر تأثيره المحتمل على تعزيز أمن الملاحة ومواجهة تهديدات الحوثيين، بل قد يعيد تشكيل موازين النفوذ والتحالفات في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، على نحو قد يهدد مصالح الدول الثلاث وتطلعاتها الإقليمية".
وأوضح أن "الهيكل السعودي الجديد لا يدخل إلى ساحة خالية من الترتيبات الأمنية"، موضحًا أن قوة المهام المشتركة 153، التي تعمل منذ عام 2022 ضمن القوات البحرية المشتركة، تضطلع بالفعل بمهام تأمين البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.
وتُعد القوات البحرية المشتركة (CMF) تحالفًا بحريًا متعدد الجنسيات تقوده البحرية الأميركية ويتمركز في البحرين، ويضم عشرات الدول، بهدف حماية ممرات الشحن ومكافحة الإرهاب والقرصنة وتعزيز الأمن البحري في نحو 3.2 ملايين ميل مربع من المياه الدولية في الشرق الأوسط، بينما تتولى مصر حاليًا قيادته.
كما تندرج ضمن هذا الإطار “عملية حارس الازدهار” التي أطلقتها الولايات المتحدة في ديسمبر/ كانون الأول 2023 للتصدي لهجمات الحوثيين وضمان حرية الملاحة، إلى جانب مشاركة الاتحاد الأوروبي عبر عملية "أسبيدس"، وهي مهمة دفاعية ترافق السفن التجارية وتحميها. ووفقًا لدائرة العمل الخارجي الأوروبي، دعمت العملية أكثر من 1960 سفينة تجارية، وقدمت الحماية لأكثر من 650 سفينة حتى مايو/ أيار 2026.
وبناءً على ذلك، يرى المعهد أن "القيمة المضافة المحتملة للتحالف السعودي لا تتمثل في مجرد إضافة أعلام جديدة إلى المشهد البحري، وإنما تكمن في إضفاء طابع إقليمي على المسؤولية الأمنية، عبر منصة تقودها الرياض وتستطيع حشد الموانئ والقواعد والاستخبارات الساحلية والدعم السياسي من دول إفريقية وإسلامية تفضل ألا تبدو تابعة لمهمة تقودها الولايات المتحدة أو أوروبا".
لكن المعهد حذر في المقابل من مخاطر ازدواجية الترتيبات، موضحًا أن "الخطر المقابل يتمثل في تعدد سلاسل القيادة واختلاف قواعد الاشتباك والتنافس على القيادة، ما قد يبطئ الاستجابة لحوادث لا تحتمل الانتظار دقائق، وليس إصدار بيانات".

ورقة ضغط
بالنسبة إلى إثيوبيا، يعتقد التقرير أن "القضية الأساسية لا تتعلق في غيابها عن تحالف للدول المطلة على البحر الأحمر؛ إذ فقدت أديس أبابا منفذها السيادي إلى البحر منذ عام 1993، ولا تستوفي المعيار الجغرافي الذي يقوم عليه "مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن" الذي تأسس عام 2020".
لكن المشكلة تكمن، بحسبه، في "اعتماد اقتصادها على منظومة بحرية تديرها دول أخرى؛ إذ يقدر البنك الدولي أن أكثر من 95 بالمائة من حجم التجارة الإثيوبية يمر عبر ممر أديس أبابا جيبوتي".
ومن ثم، يقدر أن "أي تعزيز للتنسيق بين جيبوتي وإريتريا والصومال ومصر والسعودية قد ينظر إليه في أديس أبابا بصفته ورقة ضغط على أمنها الاقتصادي، حتى إذا كانت المبادرة موجهة رسميا ضد التهديدات البحرية".
في هذا السياق، يرى المعهد أن "التحالف الجديد قد يزيد من هذا الشعور لثلاثة أسباب، فأولا، يضم الصومال ومصر، وهما دولتان اعترضتا على مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري عبر أرض الصومال، كما توجد بينهما وبين أديس أبابا خلافات قائمة، تتعلق على التوالي بالسيادة الإقليمية وسد النهضة الإثيوبي".
علاوة على ذلك، "يمتد النفوذ السعودية نحو إريتريا وجيبوتي، وهما أقرب منفذين بحريين إلى إثيوبيا".
أما السبب الثالث، فيتمثل -وفق المعهد- في أن "صيغة عام 2026 توسع دائرة الشركاء العسكريين لتشمل تركيا وباكستان، بما تمتلكانه من قدرات في مجالات التدريب والمنصات البحرية والدعم الدبلوماسي".
مع ذلك، يشدد التقرير أن ذلك "لا يثبت وجود تحالف معاد لإثيوبيا، فالمهمة المعلنة تتمثل في حماية الملاحة، وأديس أبابا نفسها تستفيد من تأمين طرقها البحرية".
إلا أن المعهد حذر من أن "ربط الرياض التحالف بالدفاع عن سيادة الصومال والحد من مكانة أرض الصومال، قد يدفع أديس أبابا إلى تعزيز علاقاتها مع أبو ظبي وإسرائيل، بما يحول الخلاف حول الموانئ إلى عامل جديد يزيد حدة الاستقطاب الإقليمي".
وبحسب تحليله، "ستكون النقطة الحاسمة هي قدرة السعودية على توفير منفذ تجاري منظم لإثيوبيا، من دون منحها حق سياسي أو عسكري على الساحل".
إشارة سياسية
وفيما يتعلق بالموقف الإماراتي من التحالف، يرى المعهد أن "غياب أبو ظبي يمثل أبرز الإشارات السياسية في الإعلان، فمع أن أبو ظبي رحبت بتأسيس المجلس عام 2020، إلا أنها لا تظهر في عام 2026 ضمن قائمة الداعمين للتحالف، على الرغم من كونها إحدى أهم القوى اللوجستية والمالية والعسكرية في القرن الإفريقي".
ويعزو التقرير ذلك إلى "المنافسة السعودية الإماراتية التي تمتد من اليمن إلى السودان والصومال وإثيوبيا وإريتريا".
وتابع: "تتميز أبو ظبي بامتلاك شبكة واسعة من النفوذ، بنتها عبر شركة "موانئ دبي العالمية"، واستثماراتها في الموانئ، وعلاقاتها مع أرض الصومال وبونتلاند، وروابطها مع أديس أبابا، فضلا عن تعاونها مع إسرائيل".
في المقابل، يقدر أن "التحالف الجديد يتيح للرياض محاولة تحويل مركزيتها الجغرافية والنفطية إلى مركزية مؤسسية".
ومن هنا، يتوقع المعهد أنه "إذا أصبحت القيادة السعودية صاحبة الكلمة في إدارة مقر التحالف وتدفقات المعلومات وتحديد التهديدات، فقد تجد أبو ظبي نفسها أمام خيارين: إما الانضمام إلى بنية تقودها منافستها، أو الحفاظ على نهج مستقل يستند إلى موانئها وشركائها وقدراتها على الانتشار خارج حدودها".
وبحسب قراءته، "في الحالة الأولى، ستتجنب الإمارات العزلة لكنها ستقبل بالقيادة السعودية، بينما قد يؤدي الخيار الثاني إلى تعزيز محور بديل يضم إثيوبيا وأرض الصومال وإسرائيل، مع زيادة مخاطر تفكك القرن الإفريقي".
ومع ذلك، لفت إلى أنه "لا ينبغي تفسير هذا الغياب باعتباره استبعادا نهائيا، فقد أفادت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية بأن الباب لا يزال مفتوحا أمام مشاركين آخرين".
فضلا عن أن "التهديدات الإيرانية والحوثية تنال المصالح الإماراتية والسعودية على نحو متقارب".
ومن ثم، رجح أنه "حتى مع استمرار المنافسة الإستراتيجية بين البلدين، قد تدفعهما أزمة خطيرة إلى التقارب على المستوى التكتيكي".
واستطرد: "وسيكون الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت أبو ظبي ستشارك البيانات أو القدرات أو تتيح الوصول إلى الموانئ، من دون أن تبدو رسميا خاضعة للتحالف الجديد".

مستفيد غير مباشر
أما إسرائيل، فيرى أن استبعادها من كافة الترتيبات المتعلقة بأمن الملاحة في البحر الأحمر سواء مجلس 2020 أو تحالف 2026 فيعود إلى "طبيعة التركيبة السياسية للتحالف؛ إذ يتعين على الرياض بناء توافق بين دول عربية وإفريقية وإسلامية، لا يرغب كثير منها في المشاركة في منصة ينظر إليها بصفتها دفاعا صريحا عن إسرائيل".
وفي الوقت نفسه، يشدد المعهد على أن "تعزيز أمن باب المندب يحمي إيلات والشركات المرتبطة بإسرائيل والطرق التي تربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط بصورة غير مباشرة".
في هذا الإطار، لفت إلى أن "التمييز بين حماية الملاحة العامة وحماية السفن الإسرائيلية سيكون أمرا جوهريا".
وأوضح مقصده: "ففي يونيو/ حزيران 2026، أعلن الحوثيون عن حظر يستهدف الملاحة الإسرائيلية وهددوا باتخاذ إجراءات إضافية ضد السفن المتجهة إلى إسرائيل".
وتابع: "وبما أن تحديد ملكية السفن والجهات المرتبطة بها غالبا ما يفتقر إلى الدقة، بما قد يعرض سفنا لا تربطها بإسرائيل صلات فعلية للخطر، فإن على التحالف السعودي أن يقرر ما إذا كان سيتدخل وفق معايير عامة تشمل حماية أي سفينة تجارية تعبر بصورة قانونية، أم سيترك منطقة رمادية بالنسبة إلى السفن التي ينظر إليها بصفتها مرتبطة بإسرائيل".
من جانب آخر، يعتقد التقرير أن إسرائيل "تمتلك بدائل عدة، من بينها التعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا، وقدراتها البحرية والصاروخية الخاصة، وعلاقاتها مع الإمارات وإثيوبيا".
فضلا عن "علاقاتها مع أرض الصومال التي قد توفر لها عمقا إستراتيجيا محتملا على الساحل الإفريقي".
في هذا السياق، لفت المعهد إلى أن "هذا التطور تحديدا قد يثير مزيدا من الشكوك لدى السعودية ومصر والصومال تجاه إسرائيل".
وأوضح أنه "إذا استُخدم التحالف للدفاع عن سيادة الصومال والحد من إنشاء بنى عسكرية أو استخباراتية في بربرة، فقد ترى إسرائيل في ذلك قيدا على استراتيجيتها لمواجهة الحوثيين".
أما إذا أقامت الرياض قنوات هادئة لتنسيق التحركات وتجنب الاحتكاك، فإن إسرائيل ستتمكن من الاستفادة من التحالف من دون الظهور رسميا ضمن صفوفه"، وفق تحليله.
بشكل عام، يرى المعهد أن "الأمن البحري في القرن الإفريقي بات يرتبط بالتنافس على السيطرة والنفوذ في الموانئ والمطارات والطرق والمناطق الحرة".
وأردف: "فجيبوتي تمثل مركزا للممرات المؤدية إلى إثيوبيا، إلى جانب استضافتها قواعد لقوى خارجية، بينما تدير "موانئ دبي العالمية" ميناء بربرة، الذي يعد أبرز البدائل المتاحة أمام أديس أبابا".
وتابع: "بينما يعزز ميناء بوصاصو الحضور الإماراتي في بونتلاند، في حين تمنح موانئ عصب ومصوع إريتريا قيمة إستراتيجية تفوق وزنها الاقتصادي".
أما بورتسودان، فأشار إلى "ارتباطها بالحرب الأهلية السودانية والتنافس بين داعمي القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع".
وأخيرا، "تمثل ينبع على الجانب العربي محطة تتيح للسعودية تصدير النفط الخام من دون المرور عبر مضيق هرمز، بينما تعد الحديدة المركز الرئيسي للحوثيين على الساحل اليمني".
وعليه، يقدر أن "التحالف لن يصبح ذا تأثير جيوسياسي حقيقي إلا إذا ربط الدفاع في البحر بشبكة من الوصول إلى الموانئ والمراقبة الساحلية".
ولفت إلى أنه "عند هذه النقطة، يتجلى التنافس مع الإمارات؛ إذ تمتلك أبو ظبي بالفعل جزءا من الشبكة التي تسعى الرياض إلى تنسيقها، كما تكشف هذه المعادلة عن هشاشة الوضع الإثيوبي؛ إذ تحتاج أديس أبابا إلى ممرات متعددة، لكنها لا تسيطر على أي ساحل".
أما إسرائيل، فتنظر، وفق تقييمه، إلى "بربرة والسواحل الإفريقية بصفتها منصة محتملة للإنذار المبكر في مواجهة اليمن وإيران، غير أن هذا التوجه يتعارض مع موقف الصومال ورغبة السعودية في تجنب ظهور عسكرة إسرائيلية واضحة للقرن الإفريقي".
مركز قيادة
وبحسب وجهة نظره، فهناك "خمسة مؤشرات توضح ما إذا كان التحالف سيتمكن من تجاوز مرحلته الرمزية والتحول إلى قوة عملياتية فعلية".
وقال: "يتمثل المؤشر الأول في تعيين قائد للتحالف والإعلان عن سلسلة القيادة، بينما يتعلق الثاني بتخصيص سفن وطائرات وأنظمة مراقبة بصورة دائمة أو دورية، أما الثالث، فيرتبط بالتوصل إلى اتفاق لتنسيق العمليات ومنع الاحتكاك مع قوة المهام المشتركة 153 وعملية (أسبيدس)".
وأضاف: "ويأتي في المرتبة الرابعة وضع قواعد اشتباك مشتركة، لا سيما للتعامل مع الطائرات المسيرة والصواريخ المضادة للسفن والقوارب غير المأهولة والسفن التي تثير تبعيتها خلافا".
"أما المؤشر الخامس والأخير، فيتعلق بإتاحة الوصول إلى الموانئ والقواعد على ضفتي البحر، وهو عنصر سيَمسّ بصورة مباشرة العلاقات مع إريتريا وجيبوتي والصومال والإمارات". وفق تقديره.
انطلاقا من تلك المعطيات، رجّح المعهد أن "يؤدي التحالف ثلاث وظائف في وقت واحد؛ الأولى مباشرة ومعلنة، وتتمثل في حشد كتلة كافية لمواجهة التهديدات الحوثية وضمان استمرار صادرات السعودية عبر البحر الأحمر في ظل بقاء الوضع في مضيق هرمز غير مستقر".
أما الثانية، فهي مؤسسية؛ إذ أوضح أن الرياض "تسعى إلى التحول من قوة ساحلية وممولة إلى مركز لقيادة الأمن البحري الإقليمي".
في حين تعني "الوظيفة الثالثة بالبعد التنافسي، عبر الحد من قدرة الإمارات على الانفراد بتحديد قواعد اللعبة في القرن الإفريقي من خلال موانئها وشركائها المحليين ودعمها للكيانات دون مستوى الدولة".
وفي هذه النقطة تحديدا، يشدد المعهد على أن "ذلك لا يعني أن جميع أعضاء التحالف تبنوا أجندة معادية للإمارات أو إثيوبيا أو إسرائيل".
بل إن الأرجح -بحسب التقرير- هو أن "الرياض تسعى إلى بناء إطار واسع بما يكفي لاستقطاب أطراف تتحرك بدوافع مختلفة".
وتابع موضحا: "فمصر والصومال تسعيان إلى تعزيز السيادة واحتواء إثيوبيا، بينما تبحث باكستان وتركيا عن دور إستراتيجي، وتسعى قطر والبحرين إلى تعزيز أمن الخليج، فيما توفر نيجيريا وبنغلاديش شرعية تتجاوز نطاق الإقليم، في حين يحتاج السودان واليمن إلى دعم سياسي".
ومن ثم، خلص إلى أن "السعودية تستمد قدرتها على قيادة هذا التحالف من نجاحها في جمع أطراف ذات مصالح متباينة حول مواجهة تهديد مشترك".
أما الاستنتاج الأكثر حساسية، فيشير إلى أنه "يتعلق بإسرائيل؛ إذ يمكن للتحالف حماية طرقها البحرية بصورة غير مباشرة من دون إشراكها فيه، مع الحفاظ على الفصل بين الأمن البحري والتطبيع السياسي".
واستدرك: "لكن إذا ترسخت المنافسة السعودية الإماراتية في صورة كتلتين؛ إحداهما تتمحور حول دول ذات سيادة معترف بها، والأخرى حول شبكات الموانئ وشركاء مثل أرض الصومال وإثيوبيا، فقد تخاطر إسرائيل بالارتباط بالمعسكر الثاني".
"وعندئذ، قد يتحول التحالف الجديد من مظلة أمنية عامة إلى أداة لرسم حدود النفوذ الإقليمي"، وفق تعبيره.

ثلاثة مسارات
في السيناريوهات المستقبلية، يفترض المعهد في أفضل السيناريوهات أن "ينجح التحالف سريعا في تحديد هيكل القيادة والقدرات العسكرية وقواعد الاشتباك، وأن ينسق مع قوة المهام المشتركة 153 وعملية "أسبيدس"، مع مشاركة الإمارات، على الأقل، بصفة شريك تقني، وتطبيق الحماية على جميع السفن التجارية من دون تمييز سياسي".
وفي هذه الحالة، يرجح "تراجع الهجمات الناجحة وتكاليف التأمين، وزيادة عدد السفن العابرة لباب المندب، فيما ستتمكن السعودية من ترسيخ دورها القيادي من دون تحويل التحالف إلى تكتل مناهض للإمارات".
بالإضافة إلى ذلك، "ستحصل إثيوبيا على ضمانات تجارية بشأن ممر جيبوتي ومسار تفاوضي للوصول إلى منافذ بديلة، بينما تستفيد إسرائيل من تعزيز الأمن البحري من دون حضور رسمي قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار".
ولتحقيق ذلك، دعا التقرير إلى "إعطاء الأولوية لبناء وعي مشترك بالمجال البحري، وإنشاء مركز للاستجابة للحوادث، ووضع بروتوكولات للتنسيق مع شركات الشحن، إلى جانب تشكيل مجموعة اتصال تضم الإمارات وإثيوبيا وإسرائيل".
"كما يتعيّن نشر مؤشرات شهرية بشأن حركة السفن والحوادث وأزمنة الاستجابة وعمليات العبور، وتجنب استخدام التحالف في النزاعات المتعلقة بسيادة أرض الصومال أو في عمليات برية لا ترتبط مباشرة بالدفاع البحري"، وفقا لما أورده.
وفي سيناريو الاستقرار، يفترض المعهد أن "يظل التحالف منصة سياسية تقتصر فيها المساهمات البحرية على فترات متقطعة، مع استمرار التعاون مع المهام الغربية، ولكن من دون تحقيق اندماج كامل".
وفي مثل هذا الوضع، يعتقد أن "الإمارات ستبقى خارج التحالف مع تجنب حدوث مواجهة مفتوحة، بينما تراقب إثيوبيا وإسرائيل التطورات وتحافظان على قنواتهما الثنائية".
علاوة على ذلك، "لن يتحسن الردع إلا بصورة محدودة، وستتعافى حركة العبور ببطء، فيما تواصل شركات الشحن تقييم خيار الإبحار عبر رأس الرجاء الصالح".
بعبارة أخرى، "ستحصل الرياض على مكسب دبلوماسي، لكن الشبكة الإماراتية في القرن الإفريقي تبقى على حالها، كما تستمر التوترات المتعلقة ببربرة والصومال وإريتريا من دون أن تتحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة".
وفي هذا السيناريو، يوصي المعهد بالتركيز على "مجموعة من المهام المحددة، تشمل مرافقة القوافل، وتعزيز الجهود الاستخباراتية لرصد الهجمات، وحماية المنشآت السعودية، إلى جانب إنشاء قنوات اتصال مباشرة مع كل من أبو ظبي وأديس أبابا".
أيضا، يقدر التقرير أنه "يجب الفصل بوضوح بين التحالف والحرب في السودان والنزاعات المتعلقة بسد النهضة، وقياس فعالية التحالف عبر مؤشرات ملموسة، لا بعدد البيانات الصادرة أو الدول المنضمة إليه".
أما السيناريو الأسوأ فيفترض أن "يكتسب التحالف قدرات عسكرية فعلية، لكنه سيصبح في نظر الأطراف الإقليمية محور سعودي مصري صومالي في مواجهة شبكة تضم الإمارات وإثيوبيا وإسرائيل".
وعليه، لا يستبعد التقرير حينها أن "تتزايد القواعد العسكرية والمليشيات الحليفة والعمليات بالوكالة، فيما يوسع الحوثيون هجماتهم على السفن السعودية وتلك التي ينظر إليها بصفتها مرتبطة بإسرائيل، بالتزامن مع عمل القوات البحرية المختلفة ضمن سلاسل قيادة متنافسة".
وبحسب تقديره، "قد يؤدّي ذلك إلى زيادة الاستقطاب في القرن الإفريقي، مع تصعيد إريتريا وإثيوبيا لاستعداداتهما العسكرية، وتحول الصومال وأرض الصومال إلى ساحات للمواجهة الخارجية، ودعم الإمارات والسعودية أطرافا متنافسة في السودان واليمن".
وفي المحصلة، "قد يتدهور الأمن البحري رغم زيادة الوجود العسكري، نتيجة ارتفاع مخاطر الخطأ في تحديد هوية السفن، ووقوع حوادث بين التحالفات المختلفة، وتعرض الموانئ والبنى التحتية البرية للهجمات".
فضلا عن ذلك، "قد تكثف إسرائيل حضورها غير المباشر، بينما ترى أديس أبابا في التطورات نوعا من الحصار، فتسرع مساعيها للحصول على منفذ سيادي إلى البحر".
ولتجنب هذا السيناريو، يرى المعهد أنه "ينبغي إنشاء آلية إلزامية متعددة الأطراف لتنسيق العمليات ومنع الاحتكاك، وحظر استخدام التحالف للاعتراف بكيانات إقليمية متنازع عليها أو لدعم الفصائل الداخلية، إلى جانب تشكيل خلية تحقيق مستقلة لتحديد المسؤولية عن الهجمات".
"كما يجب الإبقاء على الممرات التجارية الإثيوبية مفتوحة والحفاظ على قنوات تقنية مع الإمارات وإسرائيل؛ إذ إن غياب هذه التدابير قد يعني أن زيادة القدرات العسكرية ستنتج مزيدا من عدم الاستقرار، بدلا من تعزيز الأمن"، بحسب رأيه.


















